طوني موريسون: المُنفلتةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-11-25 08:56:40

عبد الحكيم برنوص

المغرب

ترجمة: عبدالحكيم برنوص

 

منذ بداية السبعينيات، تسبر هذه الأمريكية أصولها الإفريقية، وتبحث في الذاكرة الجماعية لغيرها من ذوي البشرة السوداء، وتقتفي كل أثر لشبح العبودية القديم. تتويجها بجائزة نوبل، لم يجعلها حبيسة لثنايا السلطة الأخلاقية، ولا جعلتها حريتُها في الكتابة، تخضع أو تنزوي.

 

قلة قليلة من الكتاب، تختلج فرحًا بالإطراء والمدح، إلى درجة التماهي  مع النصب التذكارية، برغم أن الإطراء قد لا يحمل إليهم السعادة التي ينشدونها.

في حال طوني موريسون، فإن جريدة "نيويورك تايمز" هي التي أسهمت بشكل كبير، في تكوين الصورة التي يحملها كثير من الأمريكيين عن هذه الكاتبة، وهو الشيء الذي يجعلها ـ حسب هذه الجريدة ـ أكثر الشخصيات "قربًا إلى الوطنية". عبارة تحمل نكهة خاصة، في حال هذه الكاتبة الثائرة: أليست هي القائلة سنة 1986 "في حياتي كلها، لم أشعر قط، كوني أمريكية" هذا القول المغرض، يحمل بين ثناياه كثيرًا من الروعة والقوة.

وُلدت طوني موريسون، بولاية أوهايو سنة 1931، واسمها الحقيقي "كلوي أنتوني ووفورد"، الكاتبة الشمّاء، الأكثر شهرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ترفض كل محاولة للتقييد، وهي الخطوة التي جعلتها تسير عكس سير الناس.

في خريف 2006، حلت ضيفة شرف، بمتحف اللوفر الفرنسي، واختارت عنوانًا ينطبق ومبادئها، "غريب في بيته" لأنها امرأة داخل مجتمع يقوده الرجال، ولأنها سوداء (البشرة)، داخل ثقافة يسيطر عليها البيض، فقد جعلها ذلك تعرف حقًا المعنى الحقيقي لأن تكون مقصيًّا.  فجعلت من هذه التجربة سلاحًا، ومطلبًا حقيقيًّا، وضعته ـ بروعةـ في خدمة الدور الوحيد الذي قبلت أن تلعبه طواعية: ذلك أن تكون كاتبة.

وحتى هنا، كان لا بد من قدْر من الشدة، حدّ العناد، حتى لا تبقى حبيسة المتاهات التي سطرتها النذور السابقة، حتى لا تبقى الناطق الرسمي باسم الطائفة السوداء، أو باسم المسألة النسائية، ـ وحتى باسم المعارضة الديمقراطية، عندما ساندت الزوجين بيل وهيلاري "كلينتون"، وآخرهم باراك أوباما سنة 2008.

سنة 1988، ستحرز جائزة "بولتزر" عن رواية "المحبوب" beloved، خمس سنوات بعد ذلك، وباستكهولم، ستتوجها الأكاديمية السويدية، لتحرز جائزة نوبل للأدب، لأنها استطاعت أن تعيد بناء تاريخ الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية، قطعة قطعة، و لتُعلَّق صورتُها في رواق المشاهير، إلى جانب  مارتن لوثر كينغ  ورالف إليسون وأنجيلا ديفس.

غير أن طوني موريسون ليست كاتبة مهيبة الجانب فقط، تنال إعجاب الجميع أو يخافون شخصيتها الكاريزمية وسخريتها اللاذعة، إنها أيضا كاتبة استطاعت أن تنظر عبر شقوق الحباك، وأن تسمع أصوات الأشباح، وألا تظل حبيسة المظاهر الخداعة لمنصات التكريم.

كُتبها مرآة لشخصيتها، وحتى العبيد الذين وصفتهم في رواية "المحبوب" وفي "ترتيل موسى" (1977)، ليسوا أحرارًا، بل يلاقون مصيرًا مرعبًا، استطاعت وحدها ـ  وأكثر من أي أحد آخرـ أن تذيقهم فظاعة العبث، لكن أحلام هؤلاء العبيد  ستظل حرة بدون قيود، لا أحد يستطيع تقييد أحلامهم وأرواحهم.

وللحاق بهذه الحكايات، التي لا يملك أحد حق التصرف فيها، فإن طوني موريسون تسبغ على رواياتها جزءًا لا عقلانيًّا، فلا مجال هنا للواقعية، ففي كتبها مكان للواقع، ولكن ليس كل المكان.

سنسمع أصواتًا، ونلاقي أشباحًا، وسنجد أنفسنا عرضة للسحر والخرافات والأعاجيب. "الحياة تسع الحياة"، أعلنتها طوني موريسون سنة 2004 في حوار مع جريدة العالم Le monde  الفرنسية،  خاصة إيقاع الكتابة لديها، واختيار الكلمات (معجم يجمع بين الشهواني والروحي)، وطريقة رصفها، كل هذا يصنع حفلة فاتنة.

في رواية "المحبوب" تمثل شخصية "سيث" نموذجًا لا ينسى للانتقال من أشكال المقاومة إلى الاستلاب، حين تفضل (سيث)  هذه الأمَة الآبقة خنق طفلها، مخافة أن يلاقي مصير الحديد، تفضل "سيث" إطفاء نُطف نسلها، ومعه بشاعة نظام، يَجلد فيه أطفالُ عشر سنوات شيوخًا لمجرد التسلية.

في كتابها الثالث، ستُموضع طوني موريسون أمريكيًّا من الطبقة الوسطى، رجلاً بلا ذاكرة ـ لن يستعيدها بعد ذلك أبدًاـ إلاّ بالعودة جنوبًا، مُتّبعًا جذور أغنية قديمة، هناك سيستعيد "مانون مور" حكايته وحكاية ذويه.

حدة المشاعر والقوة الصامتة للمتعة، تؤثثان نصوصها منذ أول كتاب صدر سنة 1970، عندما كانت ما تزال ناشرة لدى دار "راندوم". وفي السنة التي ستليها، نشرت طوني موريسون "العين الأجمل"، وهي قصة فتاة في الثانية عشرة من عمرها، "بيكولا" التي تعاني الذمامة وسواد البشرة، التي تظل عاكفة تصلي ليلاً، لعل السماء تبعث لها عينين زرقاوين.

 تحدث القصة في أربعينيات القرن الماضي، وفي البيت الجنب، تراقب فتاة أخرى هذا الجنون الذي سينتهي بمأساة، اسم البنت "كلاوديا"، استطاعت أن تفلت من عذاب كبير، فقط بسبب الحقد، هذه الضغينة المخبوءة ، ستتجسد (بالمعنى الحرفي لكلمة جسد) في اليوم الذي ستتلقى فيه هدية، هي عبارة عن دمية شقراء، زهرية البشرة، زرقاء العينين، "من خلال ضحكات الكبار، تقول، كنت أعرف أن هذه الدمية تمثل ما يعتقدونه أني أحبه...ماذا كان متوقعًا أن أفعله بها؟ ألعب بها؟ بالعكس، كنت أكسر الدمى البيضاء..."

هذه "العينة من الكتاب الذين يفكرون كونيًّا"

تستمر المتعة (ودائمًا مأساوية) في الكتاب الرائع "جاز" (1992)، في هذا الكتاب السادس، تحمل طوني موريسون قارئها، إلى عوالم "هارلم"، في عشرينيات القرن الماضي، الشخصيتان الأساس "جو" و"فيوليت" تقْدمان من الجنوب إلى هذا المكان النابض والخطير والمثير، الحي الأسود في نيويورك، كانا متحابين فيما مضى، لكن سرعان ما خبا هذا الميول.

أحب "جو" فتاة ثانية تدعى "لوليتا"، مدمنة خمر، ستتلاعب به، أغراها بالحلوى وجوارب الحرير وقارورة كولونيا، قبل أن تبعث بهما هذه المتعة: هو إلى الجحيم، وهي إلى القبر. "فيوليت" بدورها، ستتشبث بالحياة مكابرَة، برغم أن المعاناة الكبيرة للنساء السوداوات تقع على عاتقها، كما تقع على عاتق كثير من الشخصيات النسائية المتخيلة من طرف الروائية.

هذا الكتاب الموزون والشهواني والجارح، يواصل وبطريقة نافذة، الملحمة التي بدأت برواية "المحبوب"، إنه جدارية نارية، رسمت من قِبل كاتبة، هي الأخرى متحمسة أشد الحماس "أعرف أني لا أستطيع تغيير المستقبل، ولكنني أستطيع تغيير الماضي".

الانفلات ـ كما آخرين ـ من الصورة الجامدة "للأسود الطيب"، التي يُحاصَر داخلها كثير من الأمريكيين من أصل أفريقي، والرفض المستميت للمهادنة، لقد أرادت أن تكون الطريق التي تأتي منها الفظاعة. صحيح أنها تستعمل الكلمات والأحاسيس بجرأة مجنونة، وفي خرق سافر لكل المواضعات، أو بالأحرى، فإنها كاتبة تحرص بقوة على تجنب الوقوع في فكرة، أن البيض يستحيلون سودًا ، لمجرد قراءة كتب السود.

 في روايتها "اللعب في العتمة" (1992)، وفي معرض جوابها عن الأسئلة في جامعة هارفارد، عن شخصيات السود في الرواية الأمريكية، تتساءل طوني موريسون عن المواجهة (المفترضة) بين كاتب أسود "أكثر وعيا بتمثيل عِرقه"  "عِرق آخر لقرّاء، يعتقدون أنفسهم كونيين أو بدون عرق".

مسألة الكتابة: "سوداء أم بيضاء" لم تُحلّ، غير أن كُتب طوني موريسون تُجيب عوضًا عنها: المسألة مرفوعة، لأن كتبها، ليست بالسوداء ولا بالبيضاء، إنها في العمق، إنسانية.

 

 

رافاييل ريرول                           REROLLE   Raphaelle

المجلة الأدبية                          Le Magazine Litteraire

عدد يونيو 2013                           JUIN 2013


عدد القراء: 3875

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-