الأنا والحبالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-02-03 02:08:46

د. وليد فتيحي

عدت بذاكرتي أستجمع وأستحضر صور الحب التي سمعت عنها أو رأيتها في حياتي، كم سمعت ورأيت من قصص حب وغرام وهيام انقلبت بعد فترة من الزمان إلى صراع ونزاع وكره وبغض فهجر وانفصال، وكأن لم يكن هناك من حب ولا مودة في يوم من الأيام، وكم سمعت ورأيت أشخاصًا لا يحبون الناس ولا يحبهم الناس يمقتون من كل من حولهم ثم تسمع أن الواحد منهم أخيرًا قد وقع في الحب، ولكن لا تلبث بعد فترة أن تسمع أنه فشل في حبه فانفصل وعاد إلى ما كان عليه.

وبين الحين والآخر أسمع وأرى أشخاصًا محبوبين من كل من حولهم لا تجد من يكرههم أو يحمل لهم في القلب شيئًا غير الحب، وأسأل نفسي: ما سر هذا الحب؟

 نظرت حولي فرأيت التناقض العجيب بين كثرة ما يسوق لنا عن الحب في صور استهلاكية على القنوات التليفزيونية والشاشات السينمائية والمجلات والروايات وقصص الحب الغرامية، وبين الممارسات الفعلية للحب الصادق الحقيقي بين أفراد المجتمعات الإنسانية.

بل قد لا يوجد نشاط يمارسه الإنسان يبدأ بآمال عظيمة وينتهي بالفشل بشكل منتظم مثل الحب، ومع ذلك لا يحظى بالدراسة المتعمقة لفهم أسباب هذا الفشل المتكرر لظاهرة الحب في الإنسان.

قررت أن أتعمق في دراسة ظاهرة الحب، فبحثت وتقصيت حتى شاء الله بفضله أن يقع بين يدي كتاب فن الحب (The Art of Loving) للمحلل النفسي الشهير والعبقري الفليسوف إيريك  فروم (Erich S. Fromm)،  والذي كتبه عام 1959م وبقي إلى يومنا هذا أحد المراجع الرئيسية لفهم قضية الحب، فوجدته أفضل ما كتب عن الحب بطريقة علمية متعمقة.

اكتشفت أن أول مفهوم خاطئ عن الحب هو الاعتقاد بأن الحب متعلق بالشخص الذي نحب، حيث يظن معظم الناس أن الحب سهل، ولكن الصعوبة تكمن في أن يجد الإنسان منا الشخص الصحيح الذي يبادله الحب، وهذا مفهوم خاطئ، فالحب ليس متعلقًا بظهور الشخص المناسب أو الظروف المناسبة، وإنما هو إرادة وملكة وقدرة.

يقولون وقع في الحب.. وقع؟! وهل الحب حفرة أو مصيدة أو فخ ليقع فيه الإنسان؟ يقولون غرق في الحب.. غرق؟ وهل في الغرق إلا الموت ونهاية الحياة؟! وكأننا نعترف بأنها كذلك على مستوى اللاوعي لإطلاقنا هذه المسميات عليها.

تيقنت أن الحب الذي يصفه الكثير من الناس بجملة "الوقوع في الحب" هو ليس حبًّا حقيقيًّا، الحب الحقيقي لا يقع فيه الإنسان كما يزعمون، بل يقف عنده وبه وفيه، فالإنسان إما أن يكون من هؤلاء الذين يقفون عند الحب ويعيشون بالحب وفي الحب، لأنهم دائماً في حالة حب أو لا يكونون.. الحب هو نمط حياة.. هو طريقة حياة.

إن الفهم الخاطئ لماهية الحب هو أحد الأسباب الرئيسية لانتشار الطلاق حول العالم بنسب ليست لها سابقة في تاريخ الإنسانية، فالوقوع في الحب ما هو إلا استدراج الغريزة الجنسية في الإنسان لضمان استمرار النسل ونمو وتكاثر الجنس البشري، فالدراسات الحديثة تؤكد أن المراحل الثلاث لظاهرة الوقوع في الحب من الاجتذاب والاستهواء للتلهف والرغبة والشهوة للتعلق والارتباط تحفزها زيادة إفراز هرمونات كاالإستروجين والتيستاستيرون والأدرينالين والدوبامين ثم السيراتونين والأوكسيتوسين، وبعد مدة من الزمن ليست طويلة تنخفض إفرازات هذه الهرمونات وتخفت العلاقات الحميمة، وكما ظنا أنهما وقعا في الحب فإنهما سيقعان خارج الحب، لأنهما في الحقيقة لم يعرفا الحب الحقيقي ولم يمارساه.

كثير من الأنشطة التي يقوم بها الإنسان يكون لها دوافع على مستوى الوعي أو اللاوعي، فالإنسان الطموح الذي يعمل ويثابر ويكد، ويكون لديه الدافع لجمع المال والشهرة، تصبح هذه الدوافع هي التي تقوده، فهو مساق للعمل بتلك الدوافع وليس هو القائد المتحكم والسيد لها، وبذلك يصبح نشاطه سلبيًّا وإن كان منتجًا على مستوى المادة، ذلك لأنه لم يصبح سيدًا لعمله، بل أصبح خادمًا لدوافعه، أما الحب الحقيقي فهو نشاط إيجابي بالإرادة الواعية، وليس شعورًا عابرًا بدوافع فسيولوجية هرمونية، أو دوافع تحت سيطرة (الأنا) التي فينا. الحب نشاط إيجابي لا يملكه إلا حرٌّ سيدٌ على شعوره وإرادته.

الحب عطاء.. نعم الحب هو العطاء لا الأخذ، بل الحب الحقيقي هو العطاء دون انتظار الأخذ. العطاء الذي أصبح يفهم في عالمنا المادي أنه التخلي عن شيء أو التضحية بشيء، إنها عقلية المقايضة في سوق تحكمه قيم الرأسمالية، فالعطاء بدون أخذ يُعدُّ خداعًا وظلمًا في أعينهم، ولكن العطاء عند الشخص الحر المتحرر من دوافع (الأنا) التي فيه هو أعمق صور التعبير عن القوة والثروة الداخلية والقدرة على إدخال الفرح والسعادة والبهجة والسرور على الآخرين، لينعكس كل ذلك على المعطي مشاعر فيّاضة وإحياءً لروحه، فالعطاء يغني الغني، والغني ليس من يملك الكثير، ولكنه الذي يعطي الكثير.

أما الذي يعجز عن العطاء خوفًا على ما يملك، فهو فقير بغض النظر عمَّا يملك وإن كان كثيرًا، فهو لا يملك ما بيده وإنما هو مملوك له. وأعظم أنواع العطاء أن يعطي الإنسان من أغلى ما يملك، أن يعطي من نفسه، من فرحه، من شغفه، من علمه ووقته، أن يعطي من ذلك الشيء الحي الذي فيه، وبذلك يحيي الآخر ويثريه ويعزز شعوره بالحياة، وينعكس ذلك كله عليه إحياءً وحياة.

يؤكد إيريك فروم أن الحب فن كالرسم والموسيقى وفن الطب والهندسة، ويحتاج كأي فن إلى عوامل ثلاثة، إلى فهم نظريته فهمًا عميقًا، وإتقان ممارسته بفاعلية، وأن يصبح الهم الشاغل للمتعلم، وبالرغم من حاجة الناس للحب وبرغم فشلهم الواضح المتكرر لتوقعات الحب، إلا أن كل شيء آخر في الحياة أصبح أكثر أهمية من الحب.. النجاح، المال، المكانة، القوة.. كل الطاقة البشرية موجهة لتحقيق هذه الأغراض، وكلها متعلقة بالأشياء، أما الحب، الحب الذي يتعلق بأغلى ما نملك وهي الروح، فتندر الطاقة التي نوجهها لنتعلم فن الحب.

أدركت سبب فشل الأغلبية العظمى من البشر في كل أنواع وصور الحب، لأنهم لا يعرفون كيف يمارسون فن الحب في حياتهم، لأننا لم نسمع عن دورات وشهادات لتعلم فن الحب، يقضي الواحد منا عشرات السنين لتعلم فن من الفنون بمنهجية منتظمة وبتركيز كبير وصبر جم. إلا الحب.. الحب رعاية ومسؤولية واحترام ومعرفة، الرعاية تتجلى في الاهتمام الفعَّال بحياة ونمو ذلك الذي نحب، وإذا نقص هذا الاهتمام الفعال فاعلم أن الحب ناقص، وما يقصد بالمسؤولية ليس الواجب الذي يفرض علينا من الخارج، ولكنه الفعل الإرادي الذي يصدر من الداخل، أن أكون مستعدًّا لأن أستجيب لاحتياجات الإنسان الآخر، سواء عبر عنها أم لم يعبر.

ولكن المفهوم الخاطئ لمعنى المسؤولية يمكن أن ينقلب إلى سيطرة وهيمنة وتملك إذا لم يلازمها الاحترام، أي رؤية الشخص كما هو ومساعدته على أن ينمو بطريقته هو، أن تصبح ومن تحترم شخصًا واحدًا، لا كما تريد أنت ولكن كما يريد هو، ولا يكون الاحترام بدون معرفة عميقة تنفذ للب، فمنها نستطيع أن نرى الآخر في إطاره.

إن الحاجة الرئيسية الفطرية لحب الناس هي الخروج من سجن الانفصال والاندماج والاتحاد مع الآخر، هذا الانفصال الذي حاول إنسان اليوم أن يعالجه بطرق فاشلة بائسة يائسة بالمسكرات والمخدرات والانغماس في الجنس والملذات وروتين العمل والتطابق والتماثل القطيعي، بل والتوحد مع أعمال الإنسان الإبداعية، ولكنها كلها حلول جزئية ومؤقتة أو زائفة، وليس من حل كامل لتحقيق الوحدة مع الإنسان ومعالجة الإحساس بالانفصال القاتل المدمر إلا عن طريق الحب الصحيح الناضج، إنه الحب الذي لا يسيطر عليه الخضوع أو الهيمنة، وإنما أن يصبح الاثنان واحدًا ويظلان كذلك اثنين، إنه الحب الذي أساسه حب أخي في الإنسانية، إنه حب الإنسان لأخيه الإنسان، إنه الشعور بالمسؤولية والرعاية والاحترام والمعرفة تجاه أي إنسان آخر.

إنه الحب لكل إنسان فيه نفخة الرحمن، إنه حب قدواتنا الأنبياء في حبهم للناس، حب ليس استثنائيًّا، حبنا للمساكين والفقراء، حبنا للأيتام والضعفاء والغرباء، حبنا للهداية لمن ضلوا السبيل وإحساسنا بالمسؤولية تجاههم.

يصف إيريك فروم هذا الحب في قوله "وفي حب أولئك الذين لا يضيفون شيئًا في تحقيق فوائد وأغراض مادية لنا، أي لا منفعة ومصلحة مادية لنا في حبهم، يكون الحب قد بدأ حينئذ فقط يظهر الحب".

تذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ربط فيه الإيمان بالحب في قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم. كنت أفهم أن المؤمن يجب أن يحب لأخيه الإنسان ما يحب لنفسه ليكتمل إيمانه، واليوم أفهم بعداً آخر، طريق الإيمان يبدأ بالحب لأخي الإنسان، إنه الحب الذي أدخل الله به الجنة رجلاً في كلب سقاه، فما بالك بحب الإنسان للإنسان.

أدركت في بحثي أن حب الآخرين وحب الإنسان لذاته ليسا بديلين أو متقابلين، فالحب لا يتجزأ، وإنما الخلط جاء من عدم التفريق بين حب الذات الحقيقية (نفخة الرحمن التي فينا)، وحبنا للأنا التي فينا أي (الأنانية). حب الذات والأنانية ضدان، الشخص الأناني لا يحب ذاته بل يكرهها، ولأنه يفتقر للإعجاب بها والرعاية لها، فإنه يصبح خاويًا محبطًا من الداخل، فيحاول عبثًا أن يعوض فشله في العناية بذاته بالتكالب على الماديات واللهث وراء استلاب وسرقة كل ما يستطيع من العالم من حوله لملء فراغه الداخلي ولكن دون جدوى، أما الذي يحب ذاته حبًا حقيقيًّا نابعًا من روحه، فإنه يحب لكل شخص آخر كما يفعل إزاء ذاته، وهذا الحب بالذات لنفخة الروح هو الحب الإلهي الذي فينا، وبه يحب الإنسان ذاته وأخاه في الإنسانية، حبًا لله وفي الله وبالله الذي خلقنا من نفس واحدة، ولا طريق للإيمان غيره، كما أكد الحديث (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

إنه الإحياء عن طريق الحب، وإحياء النفس بالحب هو إحياءٌ لكل الإنسانية (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً). يقول غاندي: (أينما يتواجد الحب تتواجد الحياة)، ويقول مارتن لوثر كينج: (الكراهية تشل الحياة والحب يطلقها، والكراهية تربك الحياة والحب ينسقها، والكراهية تظلم الحياة والحب ينيرها).

فالحب هو الذي يحررنا من فرديتنا، وبه نفرق بين الحب الصادر عن الذات، وبين الحب الصادر عن (الأنا). (الأنا) الأنانية المرض المكتسب الذي يصل إلى حد متضخم متفاقم في صورة نرجسية، والتي هي سجن لصاحبها وقتل للحياة فيه وحوله.

سألت نفسي: متى يبدأ الإنسان في الحب؟ يولد الطفل فيكون أول حب يعيشه هو حب الأم، وهو حب غير مشروط يحيطه بالحماية والرعاية والأمان، ثم حب الأب عندما يصل السادسة من عمره، فلا يكفيه الحب غير المشروط فيسعى لاكتساب حب الأب المشروط المكتسب بالعمل، وبذلك يتوازن حتى ينضج ويتحرر من الصورة الخارجية لتحكم الأم والأب، ولكنه يجعلهما ضميرًا داخليًّا يعمل به، الضمير الأمومي في مقدرته على تقديم الحب غير المشروط للآخرين، والضمير الأبوي الذي به يحاكم نفسه وتصرفاته ويحاسب أعماله، ومنهما ينطلق في مرحلة النضج للحب الإلهي تجسيدًا لمبدئي الحب والعدل في نفسه وحبه للجمال، الذي لا تكتمل صورته إلا في (خالقه)، والإنسان الذي لم يخرج من التعلق الشديد بالأم وصورها مثل القبيلة، ولم يخرج من اعتماده الطفولي على الأب المعاقب المثيب وصوره من سلطة أخرى، فإنه لا يستطيع أن يصل إلى مرحلة النضوج في حبه لله.

الآن أفهم الحكمة الإلهية في أن يقرن سبحانه عبادته بالإحسان للوالدين في قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، بل ربط حب الذات بحب الوالدين في الصلاة في الجلوس بين يديه سبحانه في قوله: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ، فبداية الحب عند الإنسان بشرية، وهذا ما أكده الغزالي في حديثه عن الحب، حين قال: "بداية الحب عند الإنسان بشرية، فلا يبدأ الإنسان بالحب إلاّ إذا أحب ما يعرفه، وأوّل ما يعرفه هو ذاته، ويبدأ بهذا النوع من الحب الأرضي، والذي سيرتفع بواسطته إلى أنواع أخرى من الحب، تكون محصّلته حبّا أسمى من الحب البشري".

إنه الحب الذي به يعرف الإنسان ذاته، ومنه يعرف ربه، والذي عبر عنه سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه في قوله: (من عرف نفسه فقد عرف ربه).

وصلت إلى نهاية رحلتي مع الأنا والحب.. حقًّا من عرف ربه حق المعرفة لا يسعه إلا أن يحبه ويتقرب إليه بما فرض عليه طوعًا وحبًّا وشوقًا حتى يصير، كما وصفه الحديث القدسي: (مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِه،ِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) صحيح البخاري. إنه الحب أقيم ما في الأرض، منه أتينا وبه نؤمن ونحيا.

 


عدد القراء: 1161

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-