ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية Autobiographical Memoryالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-02-03 02:22:12

د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

الكل منا له سيرة حياة، قصة يسترجع أحداثها من وقت لآخر، شريط ذكريات بما يحويه من مواقف وموضوعات وأشخاص، وأحلام وأماني وتصورات وأفكار، يتذكر الكثير منها وينسى كذلك الكثير. لذلك فإن التذكر (Remembering) يعد من الخواص الإنسانية الراقية، فهو يعد من العمليات العقلية العليا التي لها دور مؤثر في حياة الإنسان. وإذا أمعنا النظر قليلاً سنلاحظ أن كل جانب من جوانب حياتنا يقوم على التذكر، فتعلم المعارف والعلوم والمهارات يقوم على التذكر، كذلك تعلم العادات والتقاليد وتكوين العلاقات لا يرسخ إلا بحفظه ومن ثم استرجاعه، بل الأهم من ذلك أن العبادات والشعائر الدينية تقوم كذلك على الحفظ والتذكر. لذلك احتلت الذاكرة الإنسانية الصدارة في اهتمام العلماء والباحثين، وباتت تعد أحد الموضوعات الرئيسة في علم النفس عمومًا، وفي علم النفس العقلي-المعرفي بصورة خاصة. ففي الدراسات النفسية هناك تقسيمات متعددة للذاكرة، منها على سبيل المثال؛ تقسيم الذاكرة إلى ذاكرة أو مستودع طويل المدى (Long-term Store) وآخر مستودع قصير المدى (Short-term Store)، والتفصيل في كل منهما، وما يهمنا في هذا السياق هو الذاكرة طويلة المدى، حيث ميز تولفنج (1972م- 1983م) Tulving بين نوعين من الذاكرة طويلة المدى وهما؛ الذاكرة الدلالية  (Semantic Memory)والذاكرة العرضية .(Episodic Memory)، ويذكر تولفنج (1983م) Tulving أن الذاكرة العرضية ترتبط بخبرات فريدة، وملموسة من الماضي، بينما تشير الذاكرة الدلالية إلى معرفة الإنسان المجردة بالعالم من حوله بحيث لا ترتبط هذه المعرفة بوقت محدد. وبناءً على ذلك، فإن الذاكرة الدلالية تشير إلى معرفة الفرد بشكل عام بمختلف الأحداث والمعلومات حول العالم، أي أنها بمثابة قاعدة معلومات عامة يشترك فيها الشخص مع غيره، وهي معروفة ومتاحة للجميع ويمكن التأكد منها، في حين أن الذاكرة العرضية تتكون من تجارب الفرد الخاصة وتذكر الماضي، مع تركيز محدد على الزمان والمكان.

وبناءً على ذلك، فالذاكرة العرضية تعد ذاكرة شخصية، ومن خلال البحوث والدراسات المكثفة على هذا النوع من التذكر، توصل الباحثون إلى نظام مستقل للتذكر يتفرع من الذاكرة العرضية ويتميز بالاحتفاظ بالمعلومات والأحداث الخاصة واسترجاعها، وسميت هذه الذاكرة، بالذاكرة الشخصية الخاصة أو ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية (Autobiographical Memory).حيث تركز ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية على ذلك النوع من التذكر طويل الأمد الذي يتضمن استحضار واسترجاع تجارب شخصية وأحداث من الماضي، وبات هذا النوع من الذاكرة يحظى باهتمام خاص من قبل باحثي الذاكرة، ذلك لكونه يشكل مفترق طرق رئيس في الإدراك البشري، تتمازج فيه اعتبارات تتعلق بالعاطفة، والنفس، والأهداف والمعاني الشخصية. إن ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية بما تحويه من سجل تاريخي شخصي وخاص، تعد عميقة الصلة بالفرد، تميزه وتجعله مدركًا لخصوصيته وتفرده. والذي أغرى الباحثين كثيرًا لدراسة هذا النوع من الذاكرة بالإضافة لأهميته، هو تساؤلات مستمرة تتركز حول لماذا نتذكر بعض الأحداث والمواقف وننسى بعضها؟ هل الأمر يتعلق بطبيعة الحدث أو الموقف نفسه، أم بالشخص وردود فعله؟ ومن نافلة القول أن بعض الأحداث يتم تذكرها وعدم نسيانها لفترات طويلة، وربما تستمر ذكراها طوال العمر، وهي غالبًا الأحداث ذات الصبغة الانفعالية العاطفية، كالمواقف المحزنة وربما المفرحة. لكن التركيز هنا هو على المواقف العادية الطبيعية في الحياة اليومية، لماذا يرسخ بعضها ويبقى، بينما يذهب البعض الآخر أدراج الرياح ويكتنفه النسيان، هذا ما سيتم عرضه وتحليله في السياق الآتي والخاص بالوقوف على بنية ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية، وآليات عملها.

ينظر بعض الباحثين إلى ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية على أنها بنية غاية في التنظيم وفي التمثيل الدقيق للمعرفة، وعرف بريور (1986م) Brewer ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية "بأنها تلك الذاكرة الخاصة بالحصول على معلومات تتعلق بالذات" (Brewer, 1986, p. 26)، هذه المعلومات تكون عادة عبارة عن أحداث ومواقف منظمة فيما يتعلق بالظروف التي تم اكتسابها أو حفظها فيها، وسواء كانت تلك الأحداث والمواقف نادرة الحدوث أو متكررة. وحدد بريور (1986م) Brewer أربعة عوامل أو خصائص تحدد بنية ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية وهي؛ ذكريات شخصية فردية، وذكريات شخصية عامة، وحقائق السيرة الذاتية، والمخطط الذاتي  .(Self-schema) فمن منظور بريور، تنفرد الذكريات الشخصية الفردية عن الذكريات الشخصية العامة بندرتها، وعدم توقع حدوثها، وكذلك عدم توقع تبعاتها، كما أنها ذكريات تتسم بالطبيعة العاطفية، وكلها عوامل تسهم في رسم صورة الحدث وفي درجة تذكره. وتتشكل الذكريات الشخصية الفردية من هذه الخصائص مجتمعة، وعادة ما يتم التذكر وبشكل جيد للأحداث الشخصية التي تحصل على درجة عالية من هذه الخصائص، ويُرجح بأن الأحداث التي تسجل جودة أو درجات أقل تدمج وتحول إلى ذكريات شخصية عامة. وبالنتيجة فإن "التعرض لحدث واحد يؤدي إلى ذكريات شخصية فردية، في حين أن التعرض لأحداث متعددة يمكن أن يؤدي إلى ذكريات شخصية عامة" (Brewer, 1986, p. 26). وعادة ما ترتبط الذكريات الشخصية الفردية بالصور الذهنية المفصلة، في حين تحظى الصور الذهنية التي تتوافق مع ذكريات شخصية عامة بطابع عام. وبحسب بريور (1986م) Brewer فإنه يتم استرجاع تفاصيل السيرة الشخصية والتجارب المختلفة، وأحداث الحياة الحقيقية من دون الصور الذهنية التي ترتبط بها، ويتم تنظيم الذكريات الشخصية الفردية والعامة، فضلاً عن وقائع السيرة الذاتية ضمن نظام معرفة معقد يعرف على أنه المخطط الذاتي.

وترى نيلسون (1993م) Nelson بأن ليس كل الذكريات العرضية تصبح ذكريات سيرة ذاتية شخصية، ولتوضيح هذه النقطة، ميزت نيلسون بين تذكرها غداء أمس، مع تذكرها تقديم ورقة بحثية لأول مرة في مؤتمر علمي. حيث شكل غداء يوم أمس حدث اعتيادي (روتيني) يحدث مرارًا وتكرارًا، بدون خصائص شخصية فريدة ترتبط به، ومن ثم، فإنه لم يتم الاحتفاظ به في الذاكرة الشخصية. وفي المقابل، فإن الدلالة الشخصية (الذاتية) لتقديم ورقة بحث ولأول مرة في مؤتمر علمي يشكل جانبًا مهمًّا من قصة حياة نيلسون الشخصية، التي أصبحت من ثم جزءًا من ذكريات سيرتها الذاتية الشخصية. إن حقيقة أنه ليس كل الذكريات العرضية هي ذاتية، تعني أن الذاكرة الذاتية (الشخصية) هي نوع معين من الذاكرة العرضية لها خصائصها. ولكي يتم تسجيل أي تجربة أو حدث أو موقف في الذاكرة الشخصية، ينبغي أن يكون لذلك الحدث أو الموقف أو تلك التجربة بعدًا شخصيًّا، بحيث يجب أن يكون الفرد قادرًا على تأريخ الذاكرة ويدرك أهميتها. ومن ثم، تتمايز الذاكرة العرضية عن ذاكرة الأحداث العامة، وتتكون منها الذاكرة الشخصية للأحداث التي تحدث لمرة واحدة، والتي يمكن أو لا يمكن تأريخها، ويمكن أو لا يمكن دخولها في نظام السيرة الذاتية طويلة الأمد. وبذلك، ترى نيلسون (1993م) Nelson أنه "يجب النظر إلى الذاكرة العرضية كذاكرة مؤقتة، بينما يتم النظر إلى ذاكرة الأحداث العامة، وذاكرة السيرة الذاتية الشخصية على أنها تمتاز بأنظمة طويلة المدى، تخدم وظائف مختلفة، ويعتمد كلاهما على تحويل المعلومات من عرضية لأنظمة تذكرية أكثر تحملاً وبقاءً" (Nelson, 1993, p. 380). هذا الوصف يشير إلى أن أي تجربة (موقف أو حدث) تحفظ بداية في الذاكرة العرضية، وبعد ذلك، وبالاعتماد على خصائص تلك التجربة، يتم نقلها إما إلى ذاكرة الأحداث العامة أو إلى ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية. فإذا حدثت التجربة بشكل متكرر ولم يكن ذلك ملحوظًا، فإنها تحفظ في ذاكرة الأحداث العامة، حيث إنها قد تصبح جزءًا من مخطط ما يرتبط بأحداث مماثلة. ومن ناحية أخرى، إذا كان هذا الحدث فريدًا من نوعه ومهم، سيتم تسجيله في الذاكرة الشخصية (ذاكرة السيرة الذاتية).

ولكي تصبح الذكريات "سيرة ذاتية شخصية Autobiographical"، فيجب أن تدمج وتتكامل مع قصة الحياة التي يخلقها كل منا، ومن الأمور المثيرة في ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية، أن الكثير من الناس لا يستطيعون استرجاع ذكرياتهم التي حدثت في أثناء مرحلة الطفولة المبكرة. وفي هذا الصدد، تشير الدراسات النمائية إلى أن تاريخ البحوث التجريبية الخاصة بدراسة نمو ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية تعد تاريخًا قصيرًا نسبيًّا، حيث يعود إلى ثمانينيات القرن الميلادي الماضي، بينما يعود الاهتمام النظري بدراسة عجز الأفراد عن استدعاء ذكرياتهم الماضية، إلى تاريخ أبعد، وتحديدًا نقاشات فرويد (1905م- 1953م) Freud حول فقدان الذاكرة المتعلقة بمرحلة الطفولة المبكرة (Infantile Amnesia). وتدل الأبحاث في حقبة الثمانينيات الميلادية على أن الأطفال الصغار لديهم ذكريات شخصية عامة، ولا يمتلكون القدرة على استدعاء حدث معين، أي ليست لديهم ذكريات شخصية خاصة. وبناءً على ذلك، وخلافًا لطرح فرويد (1905م- 1953م) Freud حول أن الذكريات المبكرة اختفت، تبين بأنه لم يتم تسجيل ذكريات محددة في وقت مبكر على الإطلاق. وتم إجراء العديد من الأبحاث والدراسات للوقوف على نمو ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية في الطفولة المبكرة وتطورها خلال مراحل العمر اللاحقة، إلى اضمحلالها وتدهورها في سن الشيخوخة، حيث وُجد أن المسنين لديهم القدرة أكثر على تذكر الأحداث العامة، بينما يجدون صعوبة في استرجاع أحداث تتصل بذاكرة السيرة الذاتية الشخصية. كذلك جرت المقارنات بين الرجال والنساء في القدرة على استدعاء وتذكر أحداث تتصل بالسيرة الذاتية الشخصية، واتضح أن النساء أكثر قدرة على تذكر الأحداث والمواقف الشخصية الخاصة، وتم تفسير ذلك من ناحية جينية، تأسيسًا على أن الفتيات يكتسبن اللغة في سن أصغر من الفتيان، ومعلوم الدور النمائي للغة في تشكيل وصياغة العمليات العقلية. أيضًا أظهرت الدراسات عبر الثقافية نتائج تشير إلى أن هناك فروقاً في تذكر الأحداث والتجارب الشخصية بين الأفراد من مجتمع إلى آخر، حيث يستطيع بعض الأفراد في مجتمع ما تذكر أحداث خاصة تعود إلى سنوات الطفولة الأولى، في حين تتركز ذكريات أفراد مجتمع آخر على مراحل العمر اللاحقة، حيث يجدون صعوبة في استرجاع ذكرياتهم الخاصة بسني العمر الأولى. وتم عزو ذلك إلى التباين في الممارسات الثقافية عبر المجتمعات المختلفة، وذلك من حيث استخدام اللغة كوسيط نمائي، وأيضًا ما يتصل بالتنشئة الأسرية والاجتماعية للأطفال. فبعض الثقافات تنمي الفردية (Individualism) في شخصية الطفل وأسلوب تفكيره، بحيث تجده مستقلًّا في تفكيره وأسلوب حياته مما يساعد على نمو وتمايز ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية، بينما ثقافات أخرى تركز على الجماعية أو الجمعية  (Collectivism)في تنشئة الطفل، والتي من صورها أن يكون سلوك وأسلوب تفكير الطفل مرتبطًا بصورة أكبر بجماعته المركزية كالأسرة أو القبيلة أو المجتمع ككل، وبناءً عليه تتسم ذكرياته بالعمومية.

وبصورة عامة، فإن تذكرنا لأحداث شخصية مرتبطة بموقف ما، تعتمد وبصورة كبيرة على مدى خصوصية ذلك الموقف أو الحدث بالنسبة لنا.

 

أهم المراجع:

1- Al-Namlah, Abdulrahman S.; Meins, Elizabeth; Fernyhough, Charles (2012). Self-Regulatory Private Speech Relates to Children's Recall and Organization of Autobiographical Memories. Early Childhood Research Quarterly, Vol. 27 n3 p 441- 446.

2- Brewer, W.F. (1986). What is Autobiographical Memory? In D. Rubin. (Ed) Autobiographical Memory. New York: Cambridge Uni Press.

3- Nelson, K. (1993). Events, Narratives, Memory: What Develops? Minnesota Symposia On Child Psychology, 26, 1- 24  .

4- Tulving, E. (1983). Elements of Episodic Memory. Oxford: Clarendon Press.


عدد القراء: 2167

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 3

  • بواسطة راكان من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2018-04-05 23:50:28

    مقال ممتاز جدا .. شكرا لك على إثؤاء المحتوى العربي. اسأل الله لك التوفيق.

  • بواسطة فاطمة المطيري من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-02-26 00:17:11

    مقال رائع ، شكراً دكتور عبدالرحمن على هذه المعلومات الرائعه ، وفعلاً اهم ذاكره هي ذاكرة السيرة الذاتيه الشخصيه والتي تعد المحرك الرئيس لسلوكياتنا في الحياة . ولا تحرمنا من علمك فنحن متعطشين للمعرفه ..

  • بواسطة د. محمد العبدالكريم من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-02-09 10:25:25

    شغوفين جداً بطرحكم العلمي النوعي سعادة د. عبدالرحمن النملة؛ فمثل هذه المعلومات العميقة تجعلنا قادرين على إدراك سلسلة تنظيمات سجلاتنا الذهنية عن الأشخاص والاحداث وبدراية كافية، فما يتركز في ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية هو الأكثر أثراً في صياغة سلوكنا والأعظم تأثيراً فيما سيكون عليه الواحد منا في يومه ومستقبله. سلمت ودام حرفك ناطقاً مرشداً لنا ..

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-