عبودية الواقع الافتراضي.. نبوءة أفلاطونالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-02-03 04:00:42

جلال العاطي ربي

المغرب

*"القطيعة مع الأمور الواقعية أمر سهل، ولكن مع الذكريات!

فالقلب يتقطع لهجر الأوهام، لقلة ما في الإنسان من حقيقة"

 

يستعرض أفلاطون في الكتاب السابع من كتاب الجمهورية أليغوريا الكهف، وأليغوريا الكهف هاته (يحبذ البعض وصفها بالأسطورة أو الأمثولة) هي أقصوصة رمزية تحكي عن رجال قبعوا في كهف تطل فتحته على النور، ويليها ممر يقود إلى الكهف. هناك حيث ظل هؤلاء الرجال منذ نعومة أظفارهم والقيود والأغلال تطوقهم فلا يستطيعون لا حراكًا ولا التفاتًا إلى ما يقع وراء ظهورهم، ولا الفكاك من هذه القيود. ومن ثمة فإنهم لا يرون إلا ما يقع أمام أنظارهم، وما يعكسه نور النار من أشياء، يتفنن بعض اللاعبين أو الحراس في تمريرها عبر جدار يشبه حاجز مسرح العرائس، فتتحول تلك الأشياء إلى ظلال منعكسة على صفحة الجدار أمامهم. مع مرور الوقت سيعتبر رجال الكهف هؤلاء أن تلك الظلال وتلك الأشباح حقيقية، وأن ما تنقله إليهم حواسهم من أوهام يقين مطلق لا يأتيه الباطل لا من أمامه ولا من خلفه. والويل والثبور لكل من سولت له نفسه أن يقول العكس، أي أن تلك الظلال هي محض أوهام.

الأسئلة المشروعة التي تتولد عن هذه الأسطورة هي كالتالي: ألا تجعل هذه الأليغوريا من أفلاطون أول سينمائي في التاريخ؟ ألم يتنبأ أفلاطون منذ ما ينيف عن 2500 سنة عمَّا تسميه اليوم أدبيات ما بعد الحداثة بالواقع الفائق hyperréel أو عصر اختفاء الواقع؟

وبالعودة إلى أليغوريا أفلاطون فإن سدنة الكهف يمثلون أول من ابتدع فن التوهيم والتضليل والخداع البصري، الذي يقيد السجين فيجعله يرفل في سلبيته، ويبرح دائم التعلق بواقع إسقاطي réalité projetée غريب عنه أو قل محجوب عنه.

إن ما نعانيه اليوم في زمن العولمة النيوليبرالية والرأسمالية الزاحفة والإنسان- الشيء هو أن العوالم الافتراضية تشهد تدفقًا بلغ الآفاق لسلسلة لا نهائية من الصور وصور الصور والسيمولاكر (المصطنعات)، التي باتت تنوم مغناطيسيًّا المتلقي فتحاصره من كل صوب وحدب،  فتنتزع منه كل رغبة في التخلص من سطوتها، وتسلب منه أغلى ما يملك وهي الحرية أو إرادة الفعل الحر. بكلمة واحدة،  فنبوءة أفلاطون تحققت فعلًا في وقتنا الراهن، العصر الذي أريد له أن يكون عصر الانفجار المعلوماتي والثورة المعلوماتية. لقد أضحينا بالقوة وبالفعل أسرى الأوهام والألغوريتمات وزمر من الرموز. إننا، وهنا سأستعير عبارة صاحبي كتاب الإنسان العاري: الدكتاتورية الخفية للعالم الرقمي، كما لو أننا سجناء داخل مرايا مشوهة وبدون مادة قصديرية وراءها، لكي تعكس الحقيقة بصورة أمينة. لقد أصبح انعكاس الواقع في رؤوسنا أهم من الواقع ذاته، والظل أهم من النور، واللاواقع واقعًا. إن الواقع قد أخذ في الانسحاب شيئًا فشيئًا، تاركًا محله لصالح اللاواقع أو ما يسميه بودريار ما فوق الواقع أو ما أحبذ ترجمته بالواقع الفائق، الذي ينسف العلاقة الحميمية بين الدال والمدلول، بين الرمز وما يرمز إليه، فيصبح الواقع لا يجد مرجعيته إلا في ذاته. إذ إنه كلما اكتفى الرمز بذاته وجسرت العلاقة بينه وبين ما يرمز إليه، يصبح ما يدل عليه الرمز من خارج الواقع، وبذلك يختفي الواقع ويظهر بالتبعة الواقع الفائق. وبذلك فقد اختزل الواقع في الصورة، وأصبح العالم مجموعة من عمليات الاصطناع والصور، بل إن هذه الصور نفسها أصبحت هي الواقع الذي توارى إلى الخلف محجوبًا. إن الرمز (اللغة، الصورة، الشيفرة...) يقضم الواقع ويطرده تدريجيًّا إلى أن يحتل مكانه. وبلغة جيوسياسية، يمكن القول إن ما فوق الواقعية إمبريالية توسعية. هكذا يصبح الواقع هو الرمز والرمز هو الواقع. مما يعني تدمير التصور اليوناني للحقيقة بوصفها مطابقة للواقع. بعبارة أخرى، فالرمز تحول إلى ديكتاتور يسطو على الحقيقة ويستفرد بها لوحده.

 إن أحد أعراض الفاجعة التي نتكبدها اليوم هو هذا السعار العام والجري اللاهث وراء الصورة الذكرىimage souvenir . إنها شراهة مرضية عززتها الهواتف الذكية، التي تتيح تصوير وتخزين عدد لا محدود من الصور، ومشاركتها تلقائيًّا مع الجهات الأربع للعالم. ومن ثمة فقد أصبح العالم يقوم على هذا المبدأ/ الصيغة: "لا قيمة للحاضر إذا لم يأخذ شكل ذكرى مبكسلة "souvenir pixellisé. فما الفائدة من بلوغ قمة كيليمنجارو إذا لم يتحول الحدث إلى صورة تؤثث الفايسبوك أو تويتر؟ وما قيمة مشاهدة مباراة فريقك الأثير إذا لم تخلد ذكرى الحدث في صور؟ وقس على ذلك أحداث ووقائع ومناسبات خاصة وعامة، أصبحت تؤثث العوالم الافتراضية.

بالفعل لقد أدت عملية رقمنة العالم إلى انتزاع الواقعية عنه. إنها ظاهرة من العسير التحكم فيها، إنها مثل ثقب أسود يبتلع الواقع المحسوس. قبل أن تصبح اليوم الحواسيب والهواتف الذكية هي ما يمثل هذا الخطر الزاحف الذي يتهدد جغرافيا العالم الواقعي، وعندما كان التلفاز في بداية انتشارها توقع الفيلسوف الألماني غونتر أندرس في إحدى تأملاته هذا الخطر القادم من صندوق العجب هذا، قائلاً: "عندما يصبح الشبح حقيقيًّا، يصبح الحقيقي شبحًا". 

لكن لماذا نلح إلحاحًا على تخليد كل شاذة وفاذة من حياتنا العامة والخاصة؟ لماذا نصر أيما إصرار على أن نحول واقعًا ثلاثي الأبعاد، أو ربما أكثر إلى واقع ثنائي الأبعاد؟ لماذا نتعنت من أجل مقاسمة لحظاتنا الحميمية مع غيرنا؟ لماذا نولي بالغ الأهمية للواقع الرقمي بدل الواقع المعيش؟

إن نمط السيلفي selfie يحيل على نحو مستمر إلى الظلال المنعكسة على جدران كهف أفلاطون، ولا تترجم ولا تعكس أبدًا الحقيقة. إنها بعبارة أخرى، مقاومة ضد الزمان وسعي حثيث إلى الخلود. إنها بمثابة ذلك الذي يتوهم إيقاف عدْو كرونوس. إن كمال الافتراضي الذي يغوي أسراه يدفعهم إلى كراهية الواقع الحقيقي بتعقيداته وعيوبه وصروفه ومصادفاته اللامتوقعة.

لقد غدا الواقع الرقمي الذي يفرضونه علينا كل حين هو الواقع الحقيقي. فبترميز العالم يرمي الكم المعلوماتي الهائل le big data بشباكه بيننا وبين الواقع، فيمتص مشاعرنا ووجداننا التي تعد بحق منتجات إنسانية محضة، غير قابلة للنمذجة أو القولبة، وهي وحدها التي تجعل من الإنسان كائنًا لا يمكن توقع ردود أفعاله على النقيض تمامًا من الحاسوب المبرمج. إن هذا الواقع اللامادي الغريب ينتزع من الإنسان أصالته الإنسانية التي اعتبرت قيمة جوهرية بالنسبة للإغريق القدامى. فأن تكون أصيلاً يعني أن تعرف نفسك بنفسك، وأن تقبل بوعي الوجود كما هو.

تقضم الافتراضية بسادية كل يوم مساحة من مساحات المجتمع، وتخترق نشاطًا من أنشطة الإنسان، سواء كانت نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فنية... فعلاقاتنا أصبحت لا تتم إلا بوساطتها، ومشاعرنا أصبحت لا تتم إلا عبر وسائل التواصل هاته (الحب الافتراضي، الشخصية الافتراضية، التجارة الافتراضية، الإرهاب الافتراضي، المتحف الافتراضي...)

لقد تغير حتى معنى الواقع من الواقع الذي أراده أرسطو ماديًّا إلى الواقع الافتراضي، الذي يريد أن يقول "إن الواقع وهم والواقع ليس هو ما يوجد، بل هو ما يسجله عقلك" وهذا ما يؤدي رأسًا إلى ضياع جوهرانية الواقع، وهو ما يحتم ضرورة إعادة النظر في عدد من المفاهيم الفلسفية من قبيل مفهوم الشخص ومفهوم الهوية ومفهوم الحرية وغيرها.

يصف صاحبا كتاب الإنسان العاري عملية الولوج إلى الشبكة بتحالف أو ميثاق مع الشيطان، حيث نقايض هويتنا الرقمية بعدد من الخدمات المجانية. لنقرأ ما يقوله رئيس إدارة غوغل "بالنسبة لمواطن الغد، تشكل الهوية أغلى السلع. ستكون الهوية أساسًا متصلة en ligne. إن سلطة ثورة المعلومات هذه رغم بعض مظاهرها السلبية تستدعي في المقابل خيرًا أساسيًّا" بعبارة أخرى، فالاستغلال الذي يطال متصفحي الشبكات العنكبوتية سيكون أيضًا مصدرًا من مصادر سعادتهم.

يدفعنا الاتصال إلى أن نستشعر، متوهمين طبعًا، أننا مستقلون وأحرار، لكننا في الحقيقة عبيد هذه الآلة الجهنمية. إن تواصلنا يخضع لعدد من القواعد، الرسائل يتم مسحها نهائيًّا، والعلاقات الاجتماعية تتم برمجتها. إن الألغوريتم يحدد كذلك مسارات هويتنا الرقمية. إن توأمنا الرقمي يتصفح العوالم الخفية في مدن ومواقع الشبكات والجغرافيات المحلية (ma.) والمؤسساتية (org.) والأجنبية (fr.) والكونية (com.) برغم مساحة الحرية التي يوفرها الواقع الافتراضي وإلغائه للحدود بين الأوطان والثقافات واللغات، غير أنه وكما يشير إلى ذلك الأنتربولوجي الأمريكي توركل في مؤلفه "عزلة جماعية" «أننا بالفعل نجتمع كلنا غير أننا وحيدون». إنه على عكس ما يبدو عجزت الشبكة في أن توجد التضامن والتآزر بين الأفراد، فكل واحد يسبح داخل فقاعته، والكل لا يهمه إلا ذاته. إنها الفردانية المتوحشة، وهي ترقص وحيدة في العالم الافتراضي!

 هناك مساوئ عديدة لهذه الظاهرة، إلا أننا سنكتفي بالإشارة بإيجاز إلى بعضها. فبالإضافة إلى اختراق الحميمية واستباحة الخصوصية، ولا معيارية الحقيقة، ومشهدية الواقع، وتدمير مبدأ التناقض، فتصير الحرب سلمًا والسلم حربًا (جورج أورول)، هناك أيضًا مثالب أخرى نفسية واجتماعية. ففي اليابان مثلاً، ظهرت شريحة من الشباب المتقوقع على ذاته، والعاجز في أن يحيا خارج عالمه الافتراضي. إنه ما يسميه السوسيولوجي دومينيك فولتون في كتابه "العولمة الأخرى" باستلاب التفريع aliénation de branchement. في مقابل ذلك يقول: "إن الأساسي بالنسبة للإنسان ليس هو الصورة وإنما الاتصال contact". كما ثبت أيضًا أن إدمان الواقع الافتراضي يؤدي إلى مجموعة من الأمراض النفسية، التي تبدأ بالبارانويا وصولاً إلى العصاب الوسواسي، إضافة إلى الكبح الزائد للتعاطف مع الغير، والتعود على مشاهد العنف، مما قد يتسبب في مآسي وكوارث مثل الجرائم الجماعية، التي يرتكبها القاصرون في المدارس الأمريكية على سبيل المثال لا الحصر.

للعقل أوهامه والكهف أحدها، وبرغم أن هذا الوهم ذاتي وشخصي، ويتصل وثيق الصلة بأفكار الشخص الفرد، إلا أن ما نعايشه اليوم هو سعار جمعي أو قل هو بلغة فرانسيس بيكون مرة أخرى وهم للقبيلة جمعاء، إذ إنه بعد كل شمس تبزغ علينا تتناسل أعداد عبيد التقنية والعالم الافتراضي. أمام سطوة هذه الأوهام يفرض علي واجب الوعي بالوهم أن أصيح عاليًا: استفيقوا قبل أن يفوت الأوان، ويصير كل إنسان مجرد أيقونة افتراضية!

 

الهوامش:

* شاتوبريان، حياة رانسيه، القسم الثاني. نقلا عن المصطنع والاصطناع، جون بودريار، ص 7.      

- جون بودريار، المصطنع والاصطناع، ترجمة جوزيف عبدالله، المنظمة العربية للترجمة، 2008

- Marc Dugain et Christophe Labbé, L’homme nu, la dictature invisible du numérique, 2016


عدد القراء: 3158

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة ذ.المصفى زنكوري من المغرب
    بتاريخ 2019-06-29 01:46:59

    مقال رائع. أحسنت. وفقك الله. ثابر حظ موفق لمتصب أستاذ مساعد بالكلية شعبة علم النفس

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-