الشك بين تصارع الأضداد والغوص في التساؤل .. قراءة في رواية «جمرات من ثلج»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-02-03 04:13:34

أ.د. نادية هناوي سعدون

كلية التربية - قسم اللغة العربية - الجامعة المستنصرية – بغداد

انشغل الإنسان منذ الأزل بالوجود، وهذا ما دفعه إلى البحث والتفكير، فكانت الثنائيات التي ظل الفكر منشطرًا فيها بين الشك والإيمان. والشك أسبق من الإيمان، وهو جوهر العقل والأساس المركزي في نظرية المعرفة، ومنذ هيرقليطس الذي يعد أقدم شكاك مرورًا بسقراط وأفلاطون، الذي آمن بفكرة أن الروح خالدة، وأرسطو الذي وجد أن هناك ضرورة منطقية لوجود محرك غير متحرك، يكمن وراء كل القوى الأخرى، وإلى يومنا هذا يتوكد أن الشك مغامرة وتنوير وتجربة وانقسام بين الإنسان والكون بين المعنى واللا معنى.

والشك نقيض اليقين، وهو أنواع، فهناك الشك الديني، والشك العلمي، والشك الثقافي، والشك الذاتي .. وما بين الشك والمنطق بون كبير، تتعالى عبرهما الأسئلة.

ولأن الذات ليست بمعزل عمّا حولها، لذلك شككت متسائلة إزاء واقع أجج كوامنها بتوتر وحساسية وبوعي خاص، بغية إدراك حركة الكون.

والرواية كأحد أجناس الأدب تفتح آفاقًا رحبة للتشكيك لا بالمطلق أو السرمدي، لكنها تشكك على وفق نمط ثقافي كوني متنوع، ويكون طرح التساؤلات إحدى الوسائل الأسلوبية، التي بها يحتل الشك بؤرة الرواية بثماتية، لا تبغي بلوغ إجابات قاطعة أو حدية، ولكنها تحاول أن تضع تصورًا معقولاً لتناقضات الحياة وتضاديتها بين الإيمان واللاأدرية والإلحاد والتصوف والتفلسف بوصفها جميعها تسعى نحو تصعيد نزعة الشك رفضًا للظلم وبحثًا عن العقلانية والمنطقية، وبطريقة علمية مادية ديالكتيكية.

وهذا ما نلمسه في رواية (جمرات من ثلج)  للكاتبة اللبنانية د. مها خير بك، إذ تتمظهر البطلة ميس ككينونة ساردة مواجهة هواجسها بثقة حاملة تطلعاتها بحزم واجدة نفسها منهمكة في التساؤل بديالكتيكية تجعلها بحاجة ماسة لإيجاد الإجابات ..

وما جعل هذه الشخصية الروائية صلبة وقوية إنها واعية ومثقفة مدركة لقدراتها ومتفهمة لواقعها، وهي ليست انهزامية ولا سلبية، وما تطرحه من أسئلة هو وسيلة تعبر من خلالها عن تصادمها مع المتناقضات وتبرمها من التضادات، فتعلن بثقة عن تمردها وتحديها محاولة الفهم واكتساب المعرفة..

 وهي إذ لا تعاني تشظيًا ولا انكسارًا ولا انقسامًا، فإنها دائبة الغوص في أدق التفاصيل الحياتية راصدة اللحظات بواقعية موضوعية ومتفاهمة مع نفسها، ومع ما حولها بحضور فكري راسخ ومتين، ومن دون أدنى اضطراب نفسي أو عاطفي..

وهي لا تطرح تساؤلاتها إلا لكي تشعر أنها حاضرة بعقلها وجسدها معتمدة أسلوب السرد الذاتي الاسترجاعي لذاكرتها الأنثوية مستعيدة حكايات ماضية، تعيد عبر استدعائها تشكيل تاريخ وجودها.. وقد تتداعى الأسئلة بشكل لا شعوري كمونولوجات تستبطن بها الساردة ميس أغوار ذاتها المتسائلة مخرجة لها من حيز الصمت إلى حيز الصوت"، لكن القدر شل حركتي، وأنطق لساني، فقلت: هل تراقبني؟" 

 وقد يداهم التفكير الباطني الصامت عملية الطرح والانثيال الديالكتيكي للأسئلة، إذ لا بوح ولا إعلان، ولكن هناك دومًا توجسًا من الكشف عن ملابسات الواقع وتضاداته، فضلاً عن وجود خوف خفي وخشية متدارية، تسيطر على جوانحها فتجعلها قابعة في صمتها، مفضلة عدم الإعلان مختارة البقاء في الظل.

 وحالما تتغلب على تلك الهواجس وتطرد تلك المخاوف تشعر بالانتصار، فترى"أن أعظم إنجاز في الحياة هو انتصار الإنسان على هواجسه وآرائه غير المنطقية، فهل تحرر قناعة ما المرء من أغلال نفسه؟ " 

ولئن كانت أزمة (ميس) القلق والتوجس إلا إنها بالمقابل ليست واهمة أو حالمة، وهي إذ تعيش صراعًا داخليًّا فإنه صراع يوسم بالارتكاز والاتزان، ولهذا تجد في تداعي أسئلتها وتواليها خير متنفس، تتحرر فيه من قيود التوجس، كما تنفلت من حالة الالتباس، لتصل إلى الحقيقة المنشودة بلا اضطراب..

وليس في تداعي الأسئلة اشتغالاً نفسيًّا لا شعوريًّا، بل هو انثيال ذاكراتي شعوري مقصود ومرصود من قبل الذات السائلة، التي قد تتسلل التساؤلات إلى أعماقها خفية، فيتحرر ذهنها من أطيافه محاولاً إزالة الغموض عما حولها من موجودات.

وتستعيد الذات الساردة الأسئلة نفسها بين الفينة والأخرى ليس لأنها مرتبكة أو فوضوية أو غير مبالية أو متطفلة وقامعة؛ بل لأن وعيها الذي يصيرها مثقلة بهموم الواقع المعيش، محمل بكم مديد وغزير من الأسئلة المستدعاة عقلاً ووجدانًا. 

ولا خفاء أن مهمة فك الذات لأسرار موضوع ما، تتم مشاهدته أو معايشته أو الانخراط في أتونه إنما هو إطار محتم سيجر تلك الذات نحو التفكير المستديم والتداعي المتأزم للتساؤلات "لماذا يصر العقل على قراءة تفاصيل مشاهد تختزنها ذاكرة تمردت على رغبات الوعي؟ ما هذا الرشح المفعم برذاذ الشوق إلى اليقين" ..

ويبقى بلوغ اليقين همًّا مؤرقًا يثقل كاهل الذات ويدفعها إلى الاستعانة بأدوات الاستفهام (كيف ولماذا وأي) لعلها تجد استعلامًا عن المجهول، فتتمكن عبره من مسك الحقيقة بأسئلة تجدها قريبة إلى نفسها مستلهمة من ذاكرتها الواعية حقيقة واقعها، فتتيقن من حتمية التساؤل "فكان السؤال الأكثر قربًا إلى الواقع: هل هذا الرجل ينتمي إلى تنظيم سري أو إلى إحدى  الميليشيات؟ فرد عقلي على هواجسي بالنفي"

ولا ضير أن يفترق الهاجس عن العقل، فالعقل هو مصدر الأسئلة وموردها والهاجس هو  مفجرها وموقظها، ولا سؤال للعقل ما لم يكن هناك هاجس يدفع العقل إلى التساؤل وما بينهما تفاهم وتصالح يجعلها متعاضدين في تحديد السؤال وبناء أرضيته.

 وإذا كان مبعث الهاجس الشك، فإن العقل مبتغاه الحقيقة.. وليست البغية من إثارة التساؤلات الانسياح في متاهة الوجود بل الهدف هو توكيد القناعة بإمكانية تغيير العالم المحيط وتطويره "أسئلة كثيرة تزدحم في رأسي تتصارع ولا تتقاطع تحرضها فضولية تقمعها بحذر وخوف فرضتها حرب أهلية أججتها مصالح آنية ضيقة" 

ومع تقدم السرد تتحول الانثيالات التساؤلية إلى احتدامات ديالكتيكية مشاهرة قلقًا ومجاهرة توجسًا، وتستقر التساؤلات في ذهن ميس كقوة خفية تستنزف طاقتها حتى تقودها نحو الكشف عن حقيقة الهادي إمام الرجل الذي أثار غرابتها واهتمامها.

ويكون التحول الدراماتيكي في الرواية مقرونًا بانشغال ميس بهذا الرجل الغامض فتبادر إلى طرح أسئلتها المؤرقة مباشرة عليه أي على الرجل المبهم الذي تقرأ فيه الشك والفضول والغرابة فتغزو عقلها مجددًا الأوهام والشكوك.. وتحاول امتلاك الشجاعة التي تمكنها من الانفلات من أسر هذا الغموض.

وتتعزز معاناتها الفكرية وتلقي بها في منعطف ذهني متعب ومرهق لا تستطيع أن تتخلص من تأثيراته، فيكون مرتكزها النفسي على الأسئلة وانثيالاتها هو الذي سيسترد لها ثقتها بنفسها لتطرد الأوهام وتبلغ الرضى الذاتي متحررة من سجنها الذاتي طارحة تساؤلاتها على شكل حوارات خارجية تارة وحوارات داخلية صامتة أو غير مباشرة تارة أخرى، لتصل إلى مرحلة تبدو فيها كأنها واقعة فريسة لأسئلتها التي تهيمن على حياتها، فتتركها ضحية الشكوك والأوهام"وبخت نفسي، وأنا أحضر قهوتي الصباحية غير أن الجدل بين نفسي ونفسي لم يحسم فالاستنكار الأكثر إيذاء نطقت به ذات تعي نفسها: متى  كنت سخيفة أيتها ألانت؟" 

وليس الهدف من إثارة التساؤلات إيجاد أجوبة يقينية بقدر ما هي رغبة متطلعة لاستكناه الأشياء والتشكيك فيها، وتهشيم الفرضيات، ودحض الثوابت من خلال التضاد مع الذات، التي تنشطر على نفسها في كينونتين تتبادلان حوارات تأملية، تسعى من ورائها إلى بلوغ اليقين، فتتساءل"كيف انقدت إرادتي بإرادتي إلى هذه الورطة ولكن أين المشكلة" 

وما شعورها بالانشطار إلا هزيمة عقلية تدفعها إلى مزيد من التوجس كقولها "كيف سأعيد ترميم بنود العقد بيني وبيني؟"  أو قولها "الشوق يسخر مني لقد خاب الظن أنا وأنا تتكلمان في اللحظة عينها كيف انشطرت إلى ذاتين؟ لا أدري"

وتحطيم جدار الشك ليس بالأمر اليسير، وهذا ما يتطلب مزيدًا من المقاومة واستنفار أكبر للجدل واستدعاء الحدس بكل أشكاله، لتفتيت براثن الشك بطريقتين الأولى باستعمال السرد بضمير الخطاب متحولة من السرد بضمير الأنا، ليكون في التناوب على الضمائر السردية مراهنة قصدية من الذات تدعم عبرها نزعتها التساؤلية "تبًّا لك يا ميس هل تبررين رغبتك في لقائه مرة ثانية هل سحرك بلطفه وجمال عينيه؟ لا. هي قضية إنسانية وعليك أن تتخذي قرارًا" 

وما زالت الذات هي مرتكز التساؤل ومداره، وهي لم تتحرر بعد من أسر التضاد بين الجسد والروح، ولهذا تظل تكابد لوعة السؤال ومرارته، وتتوالى أسئلتها الموبخة لنفسها في صيغة خطاب من الذات، وإليها "ما هذا الشعور يا مس؟ هل يجتاح صمودك توق إلى أمومة ما تزال تؤذي قناعاتك؟ تبًّا لك أيتها ألانا؟ ما هذا الوجع الذي يضرب ثباتي؟" 

وهذا التحول من الفعلية الماضية البسيطة إلى الفعلية المضارعة هو الطريقة الثانية التي تسعى بها الذات إلى تدعيم أكبر لنزعة التساؤل ضامنة ديمومة استمرارها، "وهل الصمت نبض حياة سيجعله الهادي ناطقًا ومنطوقًا في كلمات اختارتني مستقرًّا لها؟ نعم لن أخذل ذلك النبض المعرس في صمت وجودي، ولن أمارس هواية الهرب والتهرب والتسويف والتخاذل والتضليل .. تحمل خياراتك أيها العقل المشحون بالرفض والمنتصر على أحقية الشك بتغليب اليقين"

وبعبارة أخرى فإن ارتكاز السرد على الأفعال المضارعة كان قد منح المسرودات منحى استمراريًّا جعلها في حالة ديمومة وصيرورة مستمرة وحاضرة، لا سيما ترافقه مع استعمال ضمير الخطاب لتتضح حقيقة أنها تسير في دروب التفلسف، الذي يودي بالذات إلى متاهة التفكير المتعنت الصادم "ما هذا التفكير يا ميس؟ هل وصل بك عشق التعب إلى ربط كل ظاهرة بالفلسفة، والحديث مع الآخر أقل عبئًا من حديث النفس إلى النفس؟ " 

وهذه المخاطبة بعنوة وتعنت للذات إنما يخلف صراعًا أنويًّا حيث الأنا متصادمة مع نفسها بما يجعلها على مفترق طرق فأما أن تتمرد وتجازف وأما أن تنصاع وتستكين.

 ولأنها ليست ذاتًا بسيطة أو مسطحة لذلك تختار أن تمضي بتعقد وإرباك، ومما شجعها على ذلك الخيار هو واقعها المشحون بالتضادات والمتناقضات، فكل ما حولها متصارع ومتنافر ومستفز، يحرض على الشحن بطاقة تساؤلية لا نهاية لها..

وتمنح الموجودات جميعها ميسا طاقة للبوح بأسئلة مكتومة نطاقها الذات وحدودها العقل ومنبعها الحدس الأنثوي الذي يجمع ما بين صوت الشخصية وصوت الكاتبة وإيديولوجيتها في صوت واحد "لماذا لا نسعى إلى تحريض طاقاتهم؟ لماذا لا تخصص محاضرات تركز على المواطنة ودورها في حماية المجتمعات والأوطان؟ لماذا يهاجر أبناؤنا؟ لمن تلد الأمهات؟ ولمن تربي؟ هل من أجل الغول الاقتصادي العالمي؟"

ويسهم إقحام الذات لنفسها في خضم الواقع المتضاد أن تقع صريعة أفكارها، التي تستحث عقلها فتستأنف أسئلة جديدة متصارعة لا قرار لها ولا جواب قاطع أو مقنع بازاها، وهذا ما يولد إحساسًا عميقًا بالاغتراب الاجتماعي الذي هو ملمح من ملامح الرواية الواقعية حيث البطل الواقعي دومًا إشكالي يشعر بالاغتراب مكانيًّا وروحيًّا.

وإذا كان طرح التساؤلات يعطي بعض الراحة النفسية للبطلة، لتجادل روحها معبرة عن همومها، وفي مقدمتها هم العمر والهوية والوطن وغيرها؛ إلا أن ذلك لا يمنع من أن يُلقي ديالكيتك التساؤل بميس في منطقة التضاد مع الذات، وقد يجرها إلى منطقة التضاد مع الآخر، ممثلاً بشخصية الهادي إمام الذي صار لها ضدًا ورفيقًا، فحفز فيها مزيدًا من طاقة التساؤل لاسيما بعد ظهور شخصية صموئيل لتتصاعد الأجواء الدرامية بالسؤال حتى تقع البطلة رهينة هواجس أساسها سؤال الهوية "هل من المقبول أن نحب من يقتل أبناءنا ويهدم قرانا؟ ولكن ما ذنبه؟ .. هو إنسان له العواطف عينها .. فلماذا أحمله وزرًا لا علاقة له به؟" 

ويتعزز الطابع الجدلي الديالكتيكي بتكرار عبارات مثل "أسئلة كثيرة لم أجد لها جوابًا"  " أسئلة لم أجد لها أجوبة"  "لماذا أغرق ذاتي في خضم أسئلة لا جواب لها"  "أسئلة كثيرة قطعت شريط الذكريات بعدما قطعت الكهرباء" أو قولها "الأسئلة تتصارع في ذهني"   "أسئلة وذكريات وأفكار ورؤى، لا حصر لها تسللت إلى ذهني"  " قطع رنين الهاتف تتابع أسئلة مجهولة الإجابة"  "أفكار وأسئلة كثيرة تزاحمت في رأسي" 

وهذا الارتكاز على التساؤل يشعرها بأنها واقعة تحت هيمنة العقل الذي لا تستطيع منه فكاكًا، ولهذا تقرر أن تقلل من مساحة التأمل العقلي والسياحة الفكرية في الوجود وتتصدى للإرهاق النفسي الناجم عن كون العقل بالنسبة لها منجم الأسئلة ومبعثها.

وتزيد الاسترجاعات الذات ألمًا، لأنها تجعلها تطرح مزيدًا من الأسئلة، وتجعلها خائضة في منطقة التساؤل الديالكتيكي "ما هذا الجمر الحارق يا ميس؟ ألا من هدنة مع الذات؟ ولكن أين الطمأنينة؟ الارتحال في مساحات الماضي حياة"

وأساس التضاد والتنافر الغموض الذي يلف حياة من حولها (الهادي وحسان وصموئيل ومنى) فيحملها على استدعاء مزيد من التساؤلات ذات الصبغة الشمولية العامة "هل يعلم المجرمون أنهم مجرمون؟ كيف تستطيع المجرم أن يغلق عينيه وينام متجاهلاً بكاء الثكالى وصراخ اليتامى وأنين الأرامل والشيوخ والعجز؟ كيف يستطيع سارق أن يتلذذ بامتلاك شيء ليس له؟ .. من شرع  الاعتداء والقتل والتعصب والاغتصاب وسيطرة الأطماع؟ هل سيأتي يوم وينغرس هذا الجسد تحت شجرة صنوبر في قريتي؟" 

وقد يصبح ديالكتيك التساؤل أكثر وطأة وأشد قسوة حين يأخذ طابعًا غيريًّا وقوميًّا ويتناقض لديها الواقع فيزداد شكها ويضمحل يقينها فترى في الفلسفة مهربًا مما تعانيه "العالم لا يرى الجرائم المباشرة التي ترتكبها إسرائيل بحق شعبنا فهل سيبحث عما تخلفه الذئاب من آثار ما بعد المعركة؟ هل مات الضمير العالمي؟ هل أحد يفكر بضحايا القنابل العنقودية التي زرعتها في قرى الجنوب؟ ما هذا العمل الإجرامي الإرهابي؟ عن أي ضمير تتحدثين؟ ... وما يحدث في العراق أليس وصمة عار على جبين الإنسانية المزعومة؟" 

ويقودها هذا الشعور إلى شعور آخر، فتتساءل عن إمكانية أن يتغاضى الإنسان عن النوم، ويستغني عنه كحاجة غير ملحة "هل النوم نوع من موت آني تنفصل فيه الروح عن الجسد لتسبح في عوالم لا نبلغها في حالة إدراك الواقع الملموس؟ هل يمنح النوم أرواحنا حرية الحركة والبحث والتنقيب والاستشراف لتعود من جديد إلى مسكنها عارضة على العقل حصادها فيقبل أو يذري به؟" 

وهكذا تقع في دوامة التصارع معاناة وآلالامًا، وتطوح بها الشكوك، وتبدد يقينها إيقاعات الوجدان وضوابط العقل، فلا تقدر على الانفلات من أسرها، ولكنها في الوقت عينه لا تستطيع أن تنسى قلبها وتنساح من سطوته..

وتبلغ الحبكة القصصية ذروة تصاعدها حين تدرك ميس أن عليها أن تغادر سؤال الكينونة نحو سؤال الهوية، وأن تتخلص من سلطوية العقل بغية التصالح مع الذات ومغادرة الصراع مع الروح بالتوجه إلى الجسد راجية عقلها، ألا يعكر عليها سعادتها، وألا يقمع أحلامها ...

إنها الآن تبغي الاطمئنان والاستقرار لتخفف عن نفسها وطأة التضاد بالأسئلة وقسوة ديالكتيكها، فتقرر رؤية الأشياء بمنظار جديد لا يحرض على النبذ والتضاد .. فتبوح بشاعرية متسائلة "هل أعصم نفسي عن الخطيئة؟ .. ألم أخطئ عندما تمنيت مرة الموت لزوج أخي؟ ألم أخطئ عندما ظلمت نفسي؟ .. هل إنسانيتي في تحقيق أمومتي.. لماذا يعود الفكر ليتمركز عند الهادي؟.." 

وبولوج الذات منطقة الشعر بوساطة أسئلتها فإنها تعكس ولعها بالتحرر من العقل وإعلان وجدها وهيامها وتكون خاتمة الرواية أن تقرر نفض القيود العقلية عنها محاولة الانصياع لرغباتها الوجدانية "كيف استطاع القلب أن يفجر.. مثل  هذا الدفق الكبير من المشاعر؟ وكيف استطاع صموئيل بحبه وصدقه وشفافيته وأخلاقه أن يروي عطشي الدفين إلى أمومة تحيا في أجمل أحلام أنوثتي؟...  فلماذا يخبئ صوت النورس من أسرار ولادة؟ هل من عاصفة تقتلع تراكماتك أيها الزمن وينبلج حلم الهادي عن أبوة لصموئيل؟" 

ختامًا .. فإن ديالكتيك التساؤل في رواية ( جمرات من ثلج) عكس تشظي الذات الأنثوية الناتج عن التضاد بين الثنائيات مثل الوطن /اللا وطن والمعنى/اللا معنى والذات /الهوية الصمت/البوح مما ولَّد دوامة من الأسئلة التي تواترت كالجمر وقد أنتجها العقل الذي هو كالثلج وبالتقاء الجمر بالثلج توكد صراع الأضداد الذي هو من أهم سمات الديالكتيك المادي.

 وهذا ما استنزف من الشخصية طاقتها ووضعها في بوتقة صراع تضادي بين عقلها وعاطفتها، وهي تتساءل عن قضايا الانتماء والهوية والعشق، فلا هي تمكنت من إخماد جمر الإحساس العاطفي، ولا هي انفلتت من جمود النظر العقلاني وثلجيته..!!


عدد القراء: 648

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-