بنية الإيقاع الشعري في قصيدة (عواطف حائرة) للشاعر عبدالله الفيصلالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-03-20 16:37:45

كمال عبد الرحمن

ناقد من العراق

تشتمل بنية الإيقاع الشعري على عدد من العناصر أهمها:1

1.الإيقاع

2. القافية

3.التكرار

4.التدوير

5.الإيقاع الداخلي

 

النّص

أكاد أشـك في نـفــسـي  لأنـــي

                           أكاد أشك فـيك وأنت مـنـي

يقول الناس إنك خنت عهدي    

                           ولم تحفظ هواي ولم تصني

وأنت مناي أجمعها مشت بي    

                         إليك خطى الشباب  المطمئن

وقد كان الـشباب لـغير عـــود    

                         يولّـي عن فـتـى في غـير أمـن

وها أنا فاتـني القـدر المـوالـي    

                           بأحلام  الـشـباب  ولـم  يفتني

كأنّ صـــــبـــاي قــد ردّت رؤاه   

                        علـى جفنـي المسهّد  أو كأنّي

يكذّب فيك كل الـنـاس قلـبي     

                        وتـسمع  فيك كل الناس أذني

وكم طـافت عليّ ظلال شــــكّ       

                       أقضَت  مضجعي  واستعبدتني

كأنّي طاف بي رك اللـيـالــــي    

                       يحدّث  عنك   في الدنيا  وعنّي

على أنّي أغالط فيك سمعي       

                        وتبصر  فيك  غير الشكّ عيني

وما أنا بالمصدّق فيك قـــولاً      

                       ولكـني  شـقيـت بحـسن ظني

وبي ممــا يساورنــي   كـــثــير    

                       من  الـشجن  المؤرق  لا  تدعن

تعذّب في لهيب الشك روحي    

                       وتـشـقى  بالظنون  وبالتمني

أجبني إذا سألتك هل صحيح      

                       حديث الناس خنت؟ ألم تخنّي

الوزن

الوزن علامة فارقة للقول الشعري،فهو الذي يميزه عن سواه من فنون القول،إذ انه العنصر الذي يمنح الكلام موسيقى خارجية،ولعل ميزة الوزن هي انه يجعل الشعر أكثر عاطفة وأقوى في إثارة الانفعال2، ويتفق الكثير من الدارسين على أن الوزن،هو تاريخياً أكثر من غيره التصاقا بالشعر3 على الرغم من أن هذا  الإجماع لا يعني عدم وجود إيقاع في قصيدة النثر.

والوزن عند غالبية الدارسين، إنما هو«وجه من وجوه التكرار»4، ومهما يكن من شيء فأن الوزن هو أحد أهم مصادر الموسيقى في الشعر، وتؤدي هذه الموسيقى وظيفة جوهرية في القول الشعري5.

وإذا كان الوزن هو الذي يجعل« القصيدة بنية إيقاعية خاصة» في التشكيل الشعري الجديد، فانه لا بد من تخلصه من حال الجمود التي أصابته على مدى قرون عدة.

لقد اهتم الشاعر عبد الله الفيصل بموسيقى شعره اهتماماً ملحوظاً، معبراً عن معرفة واسعة ووعي عميق في هذا المضمار، وكان الوزن أحد العناصر البارزة في بنية القصيدة لديه، وتفنن في هذا المجال، فاستخدم تفعيلات بحر(الوافر) واستعمل منه أربع دوائر وزنية، جاء ترتيبها حسب ورودها في القصيدة على النحو الآتي:6

والدائرة الوزنية الثالثة تتفوّق في عدد تكراراتها وبعدها الأولى والرابعة وهذا الاختلاف قد يفسر على انه انعكاس لنفسية الشاعر المضطربة القلقة التي رافقها اضطراب أيضاً في البناء الموسيقي للنص7

فالشاعر يستخدم الدائرة الثالثة وهو في قمة انفعالاته في أبيات متكاملة هي على التوالي:

البيت الثاني، والحادي عشر،والرابع عشر وهي الأبيات التي تتعلق بأحاديث الناس وأقاويلهم، ويكون الاستخدام حسب التسلسلات:

الثالثة : ذات الانفعال القوي

الرابعة: السيطرة على النفس

الأولى: تأتي بين الثالثة والرابعة دلالة على حال الوسط في السلوك النفساني للشاعر وهو اقرب إلى الهدوء.

القافية:

القافية في معناها الفني الإجرائي «مصطلح يتعلق بآخر البيت يختلف فيه العلماء اختلافاً يدخل في عدد أحرفها وحركاتها»8، فهي عند الخليل بن أحمد «آخر ساكنين في البيت وما بينهما والمتحرك قبل أولهما، وهي عند الأخفش آخر كلمة في البيت».9

وتعد القافية واحدة من الظواهر الفنية السائدة في الشعر العربي، وربما دعا البعض إلى التخلص منها كلياً،على الرغم من كل هذا، فقد ظل الشاعر العربي الحديث مشدوداً إليها.10

ولا يخفى ما للقافية ــ بوصفها عنصراً أساسياً من عناصر بناء القصيدة  ــ من أثر على صعيد الإيقاع  والدلالة، بما تمتلكه من طاقات صوتية وموسيقية وإيمانية، حتى غدت القافية هي النهاية التي ترتاح إليها النفس.11

ويعد الفيصل شاعراً متمكناً إلى حد كبير من الظواهر الفنية في تراثنا الشعري، نظراً لصلته العميقة بهذا التراث، وهو إذ يسعى إلى تشييد عمارته الشعرية على أساس الحداثة، فإنه لا ينفصل كلياً عن ما في هذا التراث من غنى وثراء في مادته الشعرية.

والشاعر عبد الله الفيصل شديد التعلق بالقافية، فالقافية هنا واضحة في حرف الرّوي الذي هو حرف (النون المكسورة) الذي يتفق مع صوت الشاعر الحزين الذي يدل على الأنين والألم المستمرين، وكأنما هي تأوّهات حرى تزيد في إظهار الانفعال الصادر عن الصوت نفسه12:

(منّي / تصنّي / أمن / يفتني / كأنّي / أذني / استعبدتني / عنّي / عيني /ظني / تدعني / بالتمني / تخنّي ) ويمكن اعتماد الشعراء على ثلاثة أضرب من القافية:

القافية المتواطئة: هي ضرب من القافية، يعتمد على تكرار مفردة بعينها على نحو عمودي في نهايات السطور الشعرية، وقد أشار محمد بنيس إليها بوصفها القافية التي تنادى تؤامها في البيت الموالي أو الأبيات الموالية. 13

القافية المتناوبة والمتوالية: وتعني وجود أكثر من قافية في القصيدة الواحدة أو المقطع.14

القافية المتجاوبة(المتداخلة): يتغير مكان القافية،إذ ترد أول مرة في نهاية السطر، ثم تتكرر في بداية السطر الثاني، أي أنها ضرب من «التكرير في النص لا تتوقف عند نهاية الأبيات، حيث إن المفهوم القديم للقافية ثبتها فيه».15

التكرار:

يمكننا أن نضيف الموسيقى اللغوية إلى الإيقاع الشعري والتي تتأتى من حسن اختيار الألفاظ 16 مع حسن التجاور في التراكيب، وهذه الموسيقى الداخلية يمكن متابعتها، بحيث «إذا كانت الأصوات بحسن اختيارها ودقة توزيعها، واكتمال مواءمتها للحال الشعورية تمثل الجانب الداخلي في موسيقى القصيدة». 17

ويعد التكرار ظاهرة لغوية وظاهرة موسيقية بالدرجة الثانية، لأنها تثري الإيقاع وتحاول أن تعوض النواحي الموسيقية الخليلية في قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر18 فالشاعر «يقوم بتنظيم الكلمات في القصيدة على الوعي بالتناظر والتناغم والتناسب والإيقاع، وعلى الوعي بوجوهها الأخرى من تنافر ونشوز وتناقض..». 19

وعندما يقوم التنظيم يتكرر عنصران: التكرار والتنوع، والعنصر الأول (التكرار) يتشكل بطرق مختلفة لدى كل شاعر، ومن ذلك تكرار الكلمات« التي تنبني من أصوات يستطيع الشاعر بها خلق جوّ موسيقي خاص، يشيع دلالة معينة، أسلوب قديم، لكنه أصبح على يد الشاعر المعاصر تقنية صوتية بارزة تكمن وراءها فلسفة..»20، وينتج هذا التكرار موسيقى تحرك القصيدة «في العلاقات بين الكلمات كأصوات ليس إلاّ، وإن معنى القصيدة إنما يثيره بناء الكلمات كمعان وذلك التكشف للمعنى الذي نشعر به في أية قصيدة أصيلة، إنما هو حصيلة بناء الأصوات»21.

وخلاصة القول إن التكرار يظهر في النص على أربعة أضرب هي:

تكرار الحرف:

تكرر حرف الجر(في) في قصيدة (عواطف حائرة) عشر مرات، لينتج موسيقى داخلية، وهو تكرار جعل الجمل تصاغ بالتركيب نفسه، وهذا ما اشبع المقطع بنغم متكرر:

(في نفسي/ فيك / في غير أمن / يكذب فيك /وتسمع فيك / في الدنيا / فيك سمعي / وتبصر فيك / فيك قولا / في لهيب)

تكرار كلمة:

تكررت كلمة (الشك) خمس مرات بنوعيها (الفعل) و(المصدر)، وإن تكرار (الوحدة ــــ الكلمة = الشك) له دلالة معنوية، لأنها (الشك) محور التركيب في بناء القصيدة، وفيها تمركزات دلالية كما لها نغمة موسيقية خاصة، ويتجاوز هذا التكرار اعتقاد البعض بأن فيه عجزاً لغوياً فقد ورد للتماثل اللغوي الذي يحمل تموجاً موسيقياً وهو يبني معناه:

(أشك في نفسي / أشك فيك / ظلال شك / غير الشك / لهيب الشك)

تكرار جملة:

تكررت جملة (أكاد اشك) مرتين:

(أكاد اشك في نفسي /أكاد اشك فيك)

الإيقاع الداخلي:

لم يستعمل الشاعر عنصر (التدوير) بأنواعه وأشكاله في هذه القصيدة، فتجاوزناه إلى (الإيقاع الداخلي) للقصيدة.

لا يقتصر الإيقاع في النص الشعري على العروض، وأعني الوزن والقافية، وإنما ثمة موسيقى أخرى، تنبع من أعماق النص من خلال العلاقات التي تربط بين عناصره أو تكويناته الداخلية22 وينشأ هذا الإيقاع من خصوصية اللغة الشعرية، المشحونة بالدهشة وصور التضاد والمفارقة والتوتر الذي ينبثق من المناخ الدرامي للنص الشعري.23

ولعل القوافي الداخلية والتجمعات الصوتية والنبر، كلها عناصر تتضافر فيما بينها لإنتاج الموسيقى الداخلية.

إن صلة الشعر بالموسيقى صلة مصيرية غير قابلة للفصل مطلقاً، وتطورت هذه الصلة بتطور الفن الشعري المنظوم محكوماً بهندسة موسيقية منتظمة لا تقبل الخلل24 وهي محاولة لاستثمار «إيقاع الجملة وعلائق الأصوات والمعاني والصور، وطاقة الكلام الإيحائية والذيول التي تجرها الإيحاءات وراءها من الأصداء المتلونة والمتعددة»25 وهي بذلك «تعتمد إيقاعاً جديداً يستمد أغلب مقوماته من نظام الحركة وطرائق تفاعل العلاقة الداخلية التي تؤسس مجتمعة بنية النص ذاته، لكن هذا الإيقاع الجديد لا ينفي القديم أو يلغيه بشكل نهائي صارم».26

تعتمد قصيدة (عواطف حائرة) على تركيز الإيقاع في بؤر صوتية معينة، والإفادة من النشاط الصوتي المتميز لكل تجمع صوتي من هذه التجمعات، فصوت (السين) بترديده العالي، وإثارته اللافتة، وضغطه الإيقاعي الواضح، يتكرر على نحو مثير للانتباه، ويمكن حشده خطياً بالشكل الأفقي الآتي:

(نفسي/الناس/المسهد / كل الناس / تسمع / كل الناس /استعبدتني / سمعي / بحسن / يساورني / سألتك / حديث الناس) فضلاً عن صوت (الشين) الذي يقاربه ويعاضده ويعمّق حسّه الإيقاعي:

(أشك / أشك فيك / مشت / الشباب / كاد الشباب/ بأحلام الشباب/ شك/ غير شك/ شقيت/ الشجن/ لهيب الشك/ تشقى)

وكذلك صوت (الراء) المتضامن معهما في علو هذه الأصوات التي تحيل القصيدة على أجوائها الموضوعية:

(لغير/في غير/القدر/ردت/رؤاه/ركب/تبصر/غير الشك/ يساورني/المؤرق/روحي)

كما يمكن متابعة أصوات أخرى على هذا الصعيد شكلت بؤراً استجابت لإيقاع الفكرة التي نهضت عليها القصيدة، كما توافقت مع إيقاع السرد الذاتي الذي قاده الراوي الشعري.

إن إيقاع السرد بالاعتماد على المعطيات السابقة، ضاعف من طاقته الإبداعية الإيقاعية، بتفعيل عناصر السرد المختلفة كالمكان والزمن والشخصية، وارتفع إيقاع الحكي إلى مستوى تسريع عمل الأفعال، وزيادة معدلاتها الصوتية، مثل (أكاد/أشك/خنت/أقضّت..) من أجل إشاعة مزيد من البؤر الصوتية التي تتيح فرصة للمتلقي/القارئ، أن ينوّع في أساليب تلقيه القرائي للمجرى اللغوي الذي تسير فيه القصيدة.

 

المصادر والمراجع:

1. بنية القصيدة في شعر عز الدين المناصرة، د.فيصل صالح القصيري، وزارة الثقافة،عمّان ـ الأردن،2006

2. البنية الإيقاعية في شعر عز الدين المناصرة، مجموعة مؤلفين، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس،1988

3. البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث، مصطفى السعدني، منشأة المعارف، الإسكندرية،1987

4. التجديد الموسيقي في الشعر العربي، رجاء عيد، منشأة المعارف، الإسكندرية، ب. ت

5. تطور الشعر العربي الحديث بمنطقة الخليج، د. ماهر حسن فهمي، مؤسسة الرسالة، بيروت،1981

6. تشريح النقد الأدبي، نور ثروب، ت: محمد عصفور، الجامعة الأردنية،عمّان،1995

7. جدلية الخفاء والتجلي، د.كمال أبو ديب، دار العلم للملايين، بيروت،1979

8. خصوصية الإيقاع الشعري في النقد الغربي، أحمد محمد ويس، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد32،العدد2،لسنة 2003

9. الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، محمد فتوح أحمد، دار المعارف،القاهرة،1984

10. شعر أدونيس، البنية والدلالة، راوية يحياوي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2008

11. الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية، د.عز الدين إسماعيل، دار العودة،بيروت،1966

12. الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها (الشعر المعاصر)، محمد بنيس، دار توبقال للنشر، المغرب،1990

13. الشعر والتجربة ، ارشيبالد ماكليش،ت: سلمى الخضراء الجيوسي، دار اليقظة، بيروت،1963


عدد القراء: 2908

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-