الغرب ونشأة الرواية العربيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-03-20 17:59:08

د. رشيد وديجي

الكلية المتعددة التخصصات – الرشيدية - المغرب

تناولنا في هذه الدراسة نشأة الرواية العربية وعلاقة الغرب بظهور هذا الفن في الثقافة العربية، وأبرزنا اختلاف النقاد حول علاقة الغرب بنشوء فن الرواية عند العرب في العصر الحديث؛ فمنهم من اعتبرها جنيناً نما من جذوره التراثية العريقة، وهو استمرار للتقاليد الأدبية المتوارثة في الفن القصصي عند العرب، ومنهم من ذهب إلى أن الرواية العربية غربية الشكل عربية المحتوى، إلى قائل - أغلب الباحثين -إلى أن الرواية فن مستحدث وفد إلينا من الغرب، لكونها الفن الأكثر استيعاباً للتجارب والتقنيات الغربية الحديثة.

وأبرزنا كذلك أن الوعي بالغرب الذي حصل للروائيين العرب هو وعي شقي، بدا من خلاله الغرب في صور متناقضة، فالغرب مرفوض لكنه محبوب، يبهر ولكنه مخيف، يبني الذات وفي الوقت نفسه يهدمها، يشد العرب بجاذبيته ويحملهم على كراهيته، كلما ازداد تحضراً ازداد توحشاً.

يذهب كثير من الباحثين الذين تناولوا الخطاب الروائي العربي من جوانب فنية تقنية إلى أن الرواية العربية، حسب المقاييس المتعارف عليها، فن أخذ من الغرب، وهذا يعني أن الرواية، بمفهومها الحديث، تنعدم في المصنفات العربية القديمة، وأن العرب كانوا يستهجنون القصة عموماً، وهذا ما أكده محمود تيمور -  وهو من رواد القصة العربية إنشاء ودراسة-  في  قوله: «أول ما يصدم الباحث في الأدب العربي هو تفاهة القصة، وقلة ما كتب فيها، وعناية العربي بها»1.

وضعف اهتمام العرب بالفن الروائي حتى بعد بداية التفاعل مع الغرب، أخذاً، وتعريباً، وترجمة، يؤكده جرجي زيدان في قوله: «والرواية  فن له شأن عظيم في آداب اللغة الإفرنجية يكاد يكون أهمها، وأما في العربية فإنه أضعف فروع الأدب»2.

   في حين يرى بعض الباحثين ضرورة البحث عن أصول أخرى لنشأة الرواية العربية غير النقل والترجمة عن الأدب الغربي، وعندئذ سيكون «من المتعذر على التفكير العلمي أن يقبل ما يردده الكثيرون من أن هذا الفن مستحدث في أدبنا العربي لا جذور له، نقلناه مع ما نقلنا من صور الحضارة الغربية، وقلدناه محاكين ما نقلناه، ثم بدأنا ننتج بعد هذا ألوانا منفردة من هذا الفن الجديد على أدبنا»3.

ويرى فاروق خورشيد أن علة تغريب هذا الفن العربي هي هاجس الغرب الذي يسكن أذهان الدارسين لفن الرواية والقصة العربية، الذين استراحوا إلى الافتراض الذي يقول إن هذا الفن مستحدث في أدبنا، نقلناه نقلاً عن الآداب الغربية ضمن ما نقلنا من صور الحضارة والفن في مطلع حركتنا الفكرية عن طريق الترجمة حيناً، وعن طريق المحاكاة والتقليد بعد ذلك، ويأخذ على الكثيرين من دارسي تاريخ الرواية العربية مآخذ عدة؛ منها داء الخضوع لأحكام مسبقة، غالباً هي أحكام المستشرقين، والاستسلام لها في طواعية ويسر، والإسراع إلى تكذيب الناقد العربي أو الدارس العربي إذا ما تعارض رأيه مع ما أجمع عليه المستشرقون، ويمشي مع سهولة البحث ويسر تناوله، وهذه عقدة نقص ولدها انفتاحنا الحضاري المفاجئ على الغرب بعد عصور طويلة من التخلف والانعزال4.

والحق أني أقدر الجهود التي بذلها الباحثون لتأصيل هذا الفن بمحاولة إيجاد جذور تربطه بتراثنا العربي لما في هذا البحث من فائدة أدبية فكرية جمة، إلا أني أذهب إلى أن التفات العرب - في العصر الحديث – إلى هذا الجنس الأدبي واختيارهم إياه، جاء نتيجة جملة من التغيرات حدثت في المجتمع العربي، منها ظهور البرجوازية العربية النامية التي كانت في حاجة ماسة إلى أسلوب جديد تعبر به عن نفسها، وطموحاتها يكون شبيهاً أو مثيلاً للبرجوازية الغربية الحديثة، «ولم يكن بإمكان التراث على ما فيه من روعة وطرافة وأصالة أن يرضي البرجوازية الجديدة النامية»5.

فالرواية العربية باعتبارها جنساً أدبياً جديداً، وشكلاً له تقنياته الحديثة غربية الأصل، لكونها الفن الأكثر استيعاباً للتجارب والتقنيات الغربية الحديثة.

ومن هنا نفهم لماذا «أغلب الدراسات التي تناولت هذه القضية قد اتفقت على أن الرواية هي نوع أدبي وفد إلينا من الغرب بعد الاتصال الحديث، وهذا الرأي هو الرأي الأصوب والأدق علمياً؛ لأن الرأي الآخر الذي يرى أن الرواية هي امتداد لأنواع قصصية عربية قديمة، لا يفهم الفارق الواضح بين فنية تلك الأنواع القديمة وتنوعها، وبين خصائص الرواية كنوع محدد، هذا بالإضافة إلى أنه يتصور أن الأنواع الأدبية تسير سيرتها الحياتية المستقلة، وتنتقل من زمن لآخر بحرية مطلقة لا تقيدها حدود الزمن وتطور البشر منتجي هذه الأنواع الأدبية؛ أي أنهم يعزلون هذه الأنواع في ذاتها، ويفصلونها عن تاريخيتها التي هي المكون الأصلي لها»6.

وإذا كانت الرواية العربية هي إنجاز ترجمة عن أصل غير موجود عند العرب، واستيرادها يعني دمج الغرب بصفته كياناً شكلياً دلالياً في مقومات ثقافتنا، فإن الصعوبة التي واجهت الباحثين العرب في هذا الحقل الأدبي، ليست في البحث عن أصول عربية لهذا الجنس بقدر ما تكمن في كيفية كتابة رواية عربية أصيلة الشكل والمضمون7.

فالرواية العربية ثمرة من ثمرات اتصال المثقفين العرب بحضارة الغرب، وهي أكثر الفنون الأدبية طرحاً ونقاشاً لقضية الغرب في عمق الثقافة العربية الحديثة، وقد اتخذ حضور الغرب في الرواية العربية أشكالاً من الصراع، والنفور، والإعجاب، والولع بالآخر (الغرب) الذي أصبح يسكننا ويحضر فينا؛ في وعينا ولا وعينا، ويتراءى لنا في كل شيء من حولنا، وكاد أن يسلب منا العقل، والقلب، والمخيلة.

فجاءت الرواية العربية وفتحت نوافذ أطلت منها على الغرب، وأبواباً دخلت منها إلى صلب الحضارة الغربية، وحاولت أن تجيب عن عديد من الأسئلة التي تشغل بال الإنسان العربي، بصفة  عامة، والمثقف، بالخصوص، لماذا نحب هذا الغرب وفي الوقت نفسه نكرهه؟!  وبعبارة  أبسط: لماذا نبادل هذا (الآخر) صفح القلوب المدلهة ونرتمي في أحضانه، ثم سرعان ما تنفر نفوسنا منه؟!

- هل عرفنا من هذا (الآخر) من (الخارج) و(الداخل) وتفاعلنا معه تفاعل الأقوياء فكرياً ومادياً؟!

- ماذا يريد منا الغرب، وماذا نريد منه؟... وغيرها من الأسئلة التي كانت تجول في ذهن المثقف العربي في لقائه بالغرب محاولا الإجابة عنها في خضم تحدي الغرب السياسي، والفكري، والأدبي، والحضاري عامة، في إطار ما يسمى بصدمة الحداثة الغربية؛ ذلك لأنه «منذ رحلة الطهطاوي الشهيرة، ونداء البحث عن الذات هو الأطروحة المركزية في لهفة المثقف العربي لمعانقة أشواقه يأساً  أو هروباً، أو خذلاناً من جهة، أو استجابة تفضي إلى مواجهة في إطار التحدي الشامل للغرب العدو من جهة أخرى»8.

ولعل استمرار الرواية في التعامل مع إشكالية اللقاء الحضاري في تنوع التجارب أثبت الفكرة القائلة «الرواية تستحق أن تكون هي الجنس الأدبي الأقدر على التعبير عن علائق الإنسان الحديث المعقدة سواء على صعيد الذات أو على صعيد فهم المجتمع والكون واستيعاب التحولات المتسارعة»9، أي أن العمل الروائي بسمته التركيبي «قادر على التعبير عن مختلف القضايا الحضارية والواقعية بتجسيد فني ، وتكثيف فني في آن»10، وفي نفس الإطار يضيف نجيب التلاوي بأن الرواية «ليست نصا وإنما هي ممارسة نصية مفعمة بالفكر، والفن، والحياة  وهي الأقدر على تجسيم هذه الموضوعات»11.

هكذا، فإذا كان الأدباء قد تمثلوا اللقاء بين العرب والغرب مستجيبين له بتمثل أشكاله ومناقشين لقضاياه أحياناً، ومجسدين لرؤياتهم له غالباً، فإن الروائيين كانوا أكثر هؤلاء الأدباء فعلاً لذلك بالرغم من حداثة الفن الروائي بشكل خاص، خاصة ونحن نعلم أن العرب لم يمتلكوا في أدبهم رواية فنية إلا بعد فترة ليست بالقصيرة من تحقيق اللقاءات الحضارية الحديثة بين العرب والغرب، يضاف إلى ذلك أن الإبداع لا يهتم بالوقائع بقدر اهتمامه بالعواطف، عدا ذلك اهتم المفكرون والمثقفون باللقاء بين الشرق والغرب مبكراً ؛ فقد «انشغل مفكرو عصر النهضة العربية بقضية العلاقة بين الشرق والغرب، وسجلوا تجاربهم لدى ارتطامهم بالحضارة الأوربية وحددوا مواقفهم ورؤاهم بالنسبة لهذه العلاقة وأثارها ونتائجها»12.

إذن، مع رواد النهضة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وحتى اليوم، تطرح العلاقة بالغرب نفسها كإشكالية فكرية وأدبية وغالبا ما يتم «التعبير عن هذه الإشكالية في الإنتاج الفكري والأدبي عن طريق المقابلة بين صور الذات أو الأنا أو النحن العربية وصور الآخر الحضاري الغربي مع فروق في الطرح تحددها مواقف ورؤى المفكرين والأدباء، وقد تعاملت الرواية العربية منذ تجاربها المبكرة، وحتى الآن مع هذه الإشكالية التي صارت طيمة محورية في الخطاب الروائي العربي»13، اشتملت على العديد من الطروحات والرؤى حتى باتت أشبه بتقليعة طالت مشاغل أكثر الروائيين العرب «إلا أنها جاءت على مستوى عال من المسؤولية الثقافية والإبداعية عند الروائيين المخلصين لمشاريعهم، حيث تخلصوا من سلطة التقليد وعالجوا القضية بوعي فني وفكري وتقني متميز»14، انعكس ذلك إيجابياً على تجاربهم وأصبح قضية مركزية من قضاياهم الروائية ذلك أن الاتصال مع الغرب «قد أثر بقوة على عدد من الكتاب العرب في السياق الشامل للمثاقفة»15.

وفي هذا الصدد يمكن القول، مع الأستاذ محمد اليابوري، «أن طيمة الغرب تكاد تكون مستهلكة في الرواية العربية ، إلا أن كل نص روائي يتناول ذلك الغرب تحت ضغط أسئلة خاصة، يطرحها الواقع، خارج دائرة الأجوبة الجاهزة التي يقدمها تراث الماضي»16.

فظهور الرواية العربية له أسباب كثيرة تختلف باختلاف عوامل التأثير والتأثر، وقد خاض الباحثون في هذه الأسباب واختلفوا فيها لكنهم اتفقوا على الأساسية منها، ونحن سنشير، على سبيل المثال، إلى ما توفر لدينا من عوامل: كـ(المثاقفة) التي تتمثل في حدوث اتصال ثقافي بين العرب والغرب في شتى الميادين، علمية كانت أو أدبية، فارتفعت بذلك حركة الترجمة العربية في القرن التاسع عشر، حيث ترجمت أعمال مبدعين كبار، وكان التأثير واضحاً في مختلف الأصعدة. وبالإضافة إلى (المثاقفة) نجد المكون اللغوي والمتخيل الروائي17.

فالرواية فن الآخر، إذ ما كان للرواية العربية أن ترى النور قبل صدمة اللقاء بالغرب، وهي، بنائياً، قائمة على وجود البطل الآخر ضمن إشكالية العلاقة بين العرب والغرب، وفي هذا الصدد يقول جورج  طرابيشي «من وجهة نظر سوسيولوجية  صرفة تكاد  مقولة (الآخر) تكون مقولة مؤسسة للرواية العربية بمعنيين:

أولاً: من حيث نشأة الرواية وظهورها، بل حتى تطورها في الثقافة العربية الحديثة كنوع أدبي طارئ  ومستحدث ما كان مقيضاً له أن يرى النور قبل صدمة اللقاء بالغرب، فالرواية كنوع أدبي تكاد تكون بالتعريف (فن الآخر)...  ثانياً: من حيث البنية الروائية، وتحديداً ما يتمحور من هذه البنية حول البطولة  بمعناها الروائي، فبقدر ما أن الرواية هي بالضرورة  رواية بطل ، فلنا أن نلاحظ أنه ليس من قبيل الصدفة أيضاً أن يكون للآخر بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، دور كبير  في  (دور البطولة) في الرواية العربية»18.

ويبدو أن مرد ذلك هو طبيعة الجنس الروائي المتعامل مع الحياة والواقع والناس والتجربة أكثر من أي جنس آخر.

وقد تناولت الرواية العربية قضية الغرب من خلال عدة جهات:

- من الجهة الدلالية باتخاذها الغرب موضوعاً من موضوعاتها.

- ومن الناحية الحضارية والثقافية بغية «بلورة الكيان، والهوية، وعي الذات الفردية والقومية، وعي الآخر العالم، ... منذ محاولاتها الجنينية في القرن الماضي أو مطلع القرن العشرين حسبما يرى الدارسون لظهورها، سعت لكي تكون مجلى لتلك المسألة بما تعنيه من استيفاء لأوروبا وللذات القومية، هكذا تواتر إنتاج رفاعة الطهطاوي، حسن العطار، علي مبارك، أحمد فارس الشدياق، فرج أنطوان، سليمان الفيضي،  محمد المويلحي... »19.

ولا ريب أن الروائي بصفته مثقفاً، يستحضر الوعي الجمعي في إبرازه للمواقف التي يجب أن يتخذها العرب من الغرب في زمن فرض (الآخر) نفسه على كل المستويات الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، وجل ما ينظم الحياة العامة للشعوب العربية، إلى درجة أصبح الغرب قاراً داخل الذات والنسيج الاجتماعي إلى درجة يمكن القول: إن العرب أصبحوا يتنفسون الغرب.

- من ناحية أخرى فنية، فالرواية العربية، باعتبارها شكلاً أدبياً غربياً، لا تزال تصارع الغربي بالتجريب إثباتاً لهويتها الخاصة، شكلاً ومضموناً، واستقلالها عن أصلها الغربي لتنال شرف الانتساب للأصل العربي.

وقد عالجت الرواية العربية عديداً من القضايا في تناولها لموضوع الغرب، باعتبارها إحدى عناصر تجليات الفكر العربي التي لا يمكن الاستهانة بها، وبصفتها-أيضاً - تجسيداً فنياً لتصور الوعي واللاوعي الجمعي للشعوب العربية لـ (الذات والآخر). وقد تناولت الغرب موضوعاً لصيقا بتاريخ الأمة وكيانها، مرتبطاً بمختلف القضايا التي تعالجها الرواية على الصعيدين الداخلي والخارجي للشرق بصفة عامة، أو للأوطان العربية كل على حدة.

ومن هذه القضايا، شؤون السياسة والاجتماع كالديمقراطية، والاستعمار الجديد، والتوجيه السياسي الغربي للبلدان العربية عن بعد، والتخلف، والتقدم،  والصراع الطبقي، والقهر، وقضايا فلسفية ونفسية كالمادة، والروح، والعلم، والإيمان، والحرية، والتغريب، والتمرد، والاستلاب، واقتصادية، وثقافية كالاستغلال، والتبعية، والهيمنة، والحضارة، والوعي الذاتي والجماعي، والبحث عن الهوية، والمدنية، مما يدل على أن الغرب «لم يعد مجرد مكان هناك، وإنما أصبح من تاريخ الكاتب، تأريخه الشخصي، ومن تاريخه القومي الحافل بالتقلبات، كما أصبح أبنية حكائية لا فكاك له منها»20.

لقد طرح  اللقاء الأول مع الغرب مشكلات أدبية وفكرية عدة، ظلت تستأثر باهتمام المفكرين والأدباء، ولا يزال النقاش فيها لم يحسم إلى يومنا هذا، وقد تبلورت هذه المشكلات على الصعيدين النظري والعملي، وتجادلت جميعها حول قضايا رئيسية هي: التراث، والتجديد، والحرية، والوعي، والإصلاح، ولم يتأسس حولها اتفاق المثقفين فانقسموا بين محافظ، وعلماني، وتوفيقي.

ولا ريب أن رد الفعل اتجاه الغرب في هذا اللقاء كان بسيطاً وواضحاً، وأن هذا الترحال من بيئة إلى أخرى سيولد عناصر جديدة هي نتاج أدبي تتداخل فيه ألوان الشرق والغرب، وتتجّلى فيه روحية الشرق، ومشكلاته ممزوجة بمادية الغرب، وتقنيته، واهتماماته، وفنونه؛ لأن العلاقة بين الثنائي الشرق والغرب لم تكن معقدة بالصورة التي هي عليها الآن، وبمرور الوقت تطورت هذه العلاقات وتعقدت معها نظرة الشرق إلى الغرب، فلم يعد الغرب ذلك النموذج الحضاري والثقافي مثال الحرية، والديمقراطية، بل انهار النموذج ولم يوجد بديل عنه في الشرق21. وبعد ذلك حصل الوعي بالغرب، ولكنه كان وعياً شقياً بدا فيه الغرب بصور متناقضة؛ فالغرب مرفوض لكنه مرغوب، يعجب، لكنه مخيف، وخطر، الغرب يبني، ويهدم، يشد العرب بجاذبيته، ويحملهم على كراهيته في آن واحد، كلما يزداد تحضراً يزيد في توحشه، «وقد زاد الخوف من الغرب عندما ارتبط حضوره في المنطقة بالاستعمار وتفتيت البلاد العربية ... ليتحول هذا الرفض، وهذا الخوف فيما بعد، إلى رفض قاطع وكلي لكل ما هو غربي، مع العلم أن هذا الرفض يشكل أحد مظاهر (الوعي الشقي)؛ ذلك أن الغرب يرفض لفظياً، لكنه رفض مستحيل فيما يبدو عملياً، فهذا الغرب ببساطة هو المسيطر بجيوشه وثقافته وتقنياته، ومن هنا فإن هذا الرفض يبدو غير مطابق للواقع ويبقى لفظيًا، فحتى السلفيون يعيشون في ظلال الغرب ويستمتعون بمخترعاته، مثلما يكتوون بنار استعماره»22. 

وهذا  (الوعي الشقي) خصه الروائيون العرب باهتمام كبير في نتاجهم الروائي، بعدما أدركوا قدرة الغرب الثقافية على نفي الذات من خلال ممارساته ضد المثقف العربي التي لم يسلم منها أي قطر من أقطار الوطن العربي، مما جعل المواجهة النصية الفكرية عنيفة أكثر مما كانت عليه في فترة الاستعمار الغربي، وفي خضمها تقع الذات المثقفة في حيرة المأزق الحضاري والعلاقات المعقدة  جدا مع الغرب العدو والصديق الذي يخطط لتمزيق الذات من قريب أو بعيد؛ حيث يتقدم ليتوغل في كيانها الداخلي وبنيتها الذهنية، حتى لا يمكن إدراك الذات والتعرف عليها إلا من خلال الغرب وبوساطته، فهو المرآة التي نرى من خلالها أنفسنا؛ فنحن لا نعرف هل نحن نسير إلى الأمام أم إلى الوراء إلا بالمقارنة بين واقعنا وواقعه، ومن ثم يتحول الغرب كما يقول برهان غليون: «إلى محرق العالم ومحرر نشاطه ومركزه، فهو العداوة اللئيمة، والغربة المطلقة والمغايرة، وهو عالم التحرر والانطلاق وانهيار الحدود ومولد الإنسانية الكونية، والمهرب من انحباس الذات وضيقها، وهو بوصفه كذلك يثير في الذهن شعورين غامضين: الخطر الجاثم على النفوس والحلم الساحر، الانسحاق الكامل والفضول الدائم»23. 

لهذا رأى أحد الباحثين المعاصرين أن التاريخ الحديث، والمعاصر تاريخ غربي؛ عاشه الشرق كانحطاط وعجز للذات عن التقدم، وعاشه الغرب في إنجاز حضاري فذ سلبية مطلقة فيما يتعلق بالشرق، وإيجابية كاملة فيما يتعلق بالغرب. ومن ثم، بقي الوعي العربي يتشظى بين صورتين:

أ- وعي يشعر بالنقص والدونية يؤدي إلى احتقار الذات، واستصغار قيمتها، ورفضها بتجريدها من كل صفاتها الإنسانية، ويتحول هذا الشعور في أحيان كثيرة إلى ما يشبه الرغبة في تدمير الذات.

ب- وعي متعال يشعر بالتفوق والأسبقية الحضارية والروحية.

وكلا الوعيين لا يتكيف مع حقيقة الواقع؛ فالوعي الأول يصرف الذات عن انتقاد الآخر، والكشف عن عيوبه، والشعور الثاني يحجب الحاجة الضرورية لنقد الذات ومواجهة نواقصها وإدراك حقائقها الواهية24.

ويحصي برهان غليون أربعة مواقف للوعي العربي إزاء قضية الغرب:

1. موقف يضحي بالذات من أجل إرضاء الغرب.

2. موقف يضحي بالغرب في سبيل إرضاء الذات.

3. موقف ممزق ومنقسم شطرين، فتارة ينبذ الغرب في سبيل الذات، وتارة أخرى ينبذ الذات من أجل الغرب.

4. وموقف آخر يدرك تناقضه يفكر فيه ويسير به بكل موضوعية نحو حل لا يوجد الآن، والمثقفون العرب أصحاب هذا الوعي يتقبلون تمزقهم، ويصارعونه عبر مختلف التيارات، وضدها، من أجل أن يكتشفوا أنفسهم25.

ومن صلب هذه المواقف طرحت الرواية العربية مسألة- الشرق والغرب-التي اكتسبت مفاهيم جديدة؛ باسم الشمال والجنوب، أو المجتمعات المصنعة وغير المصنعة، (الغرب) أو العالم الفقير والعالم الغني، التخلف والتقدم، وفي كل هذه التحديات يبقي هو الهوية المقابلة التي من خلالها تتحدد هوية الذات، وربما تكون هذه الحالة أكثر ما تكون ظهور سلسلة كاملة من الروايات العربية بدأت بالظهور منذ الثلاثينات، وما تزال مستمرة، وهي روايات تدور بشكل مركزي حول العلاقة بين الشرق والغرب 26.

 

الهوامش:

1 - محمود تيمور: نشوء القصة وتطورها، المطبعة السلفية، القاهرة، دون تاريخ، ودون طبعة،   ص: 18.

 2 - جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج 2، دار الهلال، القاهرة، دون تاريخ ، ودون طبعة، ص:  337.

 3 - فاروق خورشيد: في الرواية العربية عصر التجميع، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 2، 2002، ص: 9.

 4 - فاروق خورشيد: في الرواية العربية عصر التجميع، مرجع مذكور، ص :11- 34.

 5 - محسن جاسم الموسوي: الرواية العربية، النشأة  والتحول ، دار الآداب، بيروت، ط 2 ، 1988، ص: 23.

 6 - سيد البحراوي: محتوى الشكل في الرواية العربية ، 1- النصوص المصرية الأولى، الهيئة المصرية العامة  للكتاب، القاهرة ، دون طبعة، 1996، ص: 37.

7 - ينظر: إبراهيم الخطيب: " الكتابة بواسطة الغرب"، مجلة أقلام المغربية، الرباط، العدد 5،   نوفمبر، 1979 ، وعبد الكبير الخطيبي: في الكتابة والتجربة، ترجمة: محمد برادة ، دار العودة، بيروت، ط 1، 1980 ، ص: 92.

8 - عبد الله أبو هيف: القصة العربية الحديثة والغرب، منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق، ط 1 ، 1994، ص: 21-22 .

9 - محمد برادة : "الرواية أفقا للشكل والخطاب المتعددين"، مجلة فصول، العدد 4، السنة 11، سنة 1993، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، ص : 10.

10 - محمد نجيب التلاوي: الذات والمهماز، دراسة التقاطب في صراع روايات المواجهة الحضارية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، دون طبعة، 1998، ص: 27.

11 - المرجع نفسه، ص: 8 .

12 - انظر رجاء عيد:" لقاء الحضارات في الرواية العربية"، مجلة فصول، مج 16، ع 4، ربيع 1998، الهيئة العربية  العامة للكتاب، القاهرة، مصر، ص: 57 – 76.

13 - محمد فتحي أبو العينين : "صورة الذات وصورة الآخر في الخطاب الروائي العربي، تحليل سوسيولوجي لرواية "محاولة للخروج"، ضمن كتاب (صورة الاخر العربي ناظرا ومنظوراً إليه)، تحرير: الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربية، الجمعية العربية لعلم الاجتماع، بيروت، لبنان، ط2، 2008، ص: 811.

14 - محمد صابر عبيد، سوسن البياتي: جماليات التشكيل الروائي، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، ط 1، 2008، ص: 82.

15 - أحمد المديني: الرواية المغربية، "وضع الهوية في العلاقة مع الآخر"، مجلة فكر ونقد، ع 13،  السنة 2، أكتوبر 1998، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ص: 127.

16 - أحمد اليابوري : دينامية النص الروائي، اتحاد كتاب المغرب، الرباط ، ط1 ،1993، ص: 51.

17 - ينظر : أحمد اليابوري: الرواية العربية، التكون والاشتغال، المدارس، الدار البيضاء، ط1، 2000 ، ص: 26-55.

18 - جورج طرابيشي:" صورة الأخرى في الرواية العربية : من نقد الآخر إلى نقد الذات في  " أصوات " لسليمان فياض، ضمن كتاب (صورة الآخر العربي ناظراً ومنظور إليه)، تحرير: الطاهر لبيب، مرجع مذكور،  ص :797 – 798.

19 - نبيل سليمان: وعي الذات و العالم، دراسة في الرواية العربية، دار الحوار، اللاذقية، سوريا،  ط 1، 1985 ، ص: 5 .

20 - عبد الكبير الخطيبي: في الكتابة والتجربة، مرجع مذكور، ص:  93.

21 - ينظر: غالي شكري: ثقافتنا بين لا ونعم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط 1، 1972 ،  ص: 209 -217.

22  - محمد كامل الخطيب:  الشرق والغرب، القسم الأول (1870- 1932)، ج 1، (سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية)، رقم: 06  منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق،  ط1،1991 ، ص:11.

 23 - برهان غليون: الوعي الذاتي، منشورات عيون، الدار البيضاء، ط 1، 1987 ، ص:  107.

24 -  المرجع نفسه، ص ص:105 - 109.

25 - نفسه، ص ص: 111 - 114.

26 - محمد كامل الخطيب:  الشرق والغرب، القسم الأول (1932 - 1870)، مرجع مذكور،    ص:  12.


عدد القراء: 8533

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-