كتاب "جوهرة العالم: كيف أنشأ المسلمون والمسيحيون واليهود حضارة التسامح في إسبانيا العصور الوسطى"الباب: مراجعات

نشر بتاريخ: 2015-05-10 10:29:26

عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

بقلم: جين لامبمان Jane Lampman

ترجمة: عمر عثمان جبق

كان يا ما كان في قديم الزمان في مكان ما من هذا العالم المعمور كان هناك مسلمون ويهود ومسيحيون عاشوا مع بعضهم البعض، وشكّلوا حضارة استثنائية تنبض بالحياة. قد تبدو هذه القصة إحدى الحكايات الخرافية بالنسبة للأوقات المضطربة التي نعيشها حاليًا. وما يزيد هذه القصة إثارة وغرابة هو أنها قصة حقيقية تعجّ بالشخصيات البارزة والدروس التي تدعو للتأمل في زماننا هذا، بالإضافة إلى الإنجازات الفريدة والعثرات أيضًا.

يصف كتاب (جوهرة العالم) حقبة زمنية في إسبانيا العصور الوسطى امتدت من عام 750 حتى عام 1492 م، حيث تصادمت الديانات الثلاث الموحدة وتمازجت، وأنتجت ثقافة متسامحة وغنية، وبذلك يكون هذا الكتاب قد أعاد للحياة زمانًا ومكانًا تجاهله التاريخ الغربي تجاهلاً كبيرًا.

وكانت اللغة العربية اللغة السائدة آنذاك، وشغل المسيحيون واليهود مناصب مرموقة ورفيعة في الحكومة والمجتمع المسلم. وكان ازدهار الفن والفلسفة والعلوم شيئًا عظيمًا جدًّا بحيث إن المسيحيين في شمال أوروبا كانوا يعدون الأندلس مركز القارة الأوروبية الفكري. ولقد أعادت الأندلس تشكيل تاريخ أوروبا رأسًا على عقب من خلال مكتباتها الرائعة وثقافة الترجمة التي كانت رائجة آنذاك؛ مما ساعد على إنهاء حقبة عصور الظلام في أوروبا.

إلا أن قوى التطهير الثقافي والتعصب الديني التي جاء بها مسلمو شمال إفريقيا ومسيحيو شمال أوروبا أدت إلى تدمير هذا العالم المزدهر والنابض بالحياة تدميرًا مأساويًّا. 

تحكي لنا الكاتبة ماريا روزا مينوكال Maria Rosa Menocal وهي أستاذة جامعية مختصة باللغتين الإسبانية والبرتغالية في جامعة يال Yale University هذه القصة المثيرة من خلال سلسلة من الصور الموجزة التي تستحضر المراحل الثقافية المختلفة لحقبة زمنية امتدت حوالي 700 سنة، وتقدم لنا أعلامًا فكرية مؤثرة من هذه الديانات الثلاث.

والشخصية الأساسية جدًّا في قصتها هذه تتمثل في أمير شاب مسلم ينحدر من سلالة بني أمية التي حكمت الإمبراطورية الإسلامية في القرن الثامن الميلادي. هذا الأمير هو عبد الرحمن الداخل الذي فرّ من موطنه دمشق إلى شمال إفريقيا وصولاً إلى مياه قرطبة في شبه الجزيرة الإيبيرية،  بعدما قتلت إحدى القبائل المنافسة عائلته كلها في عام 720 م. وهناك ولدت حضارة جديدة بفضل رؤيته الثاقبة وقيادته الحكيمة. وكانت رحلته الشاقة وحنينه لوطنه الأم واضحًا من خلال حياته. فقد عبر عن مشاعر الغربة والمنفى هذه في أبيات شعر أنشدها، إذ يقول فيها مخاطبًا إحدى أشجار النخيل:

تبدَّتْ لنا وسط الرُّصافةِ نخلةٌ  

                                 تناءتْ بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ

فقلت شبيهي في التغرب والنوى  

                               وطول  التنائي  عن  بنيَّ  وعن  أهلي

نشأتِ بأرض أنت فيها غريبة    

                               فمـثـلك  في  الإقـصـاء  والمنتأى  مثلي

وتقول الكاتبة مينوكال: "عرّف الأمويون الذين خرجوا من الصحراء العربية نظيفين نقيين مفهومهم للإسلام كدين أحب حواراته مع العادات الأخرى". وتتابع قائلة: "كان هذا إنجازًا بارزًا جدًّا بحيث اتهم المؤرخون المسلمون اللاحقون الأمويين بأنهم أقل إسلامًا بسبب ذلك المفهوم".

وتعزو الكاتبة هذا التعقيد إلى المحافظة الدائمة داخل الخيال العربي على الإسلام والحب الشديد للغة والشعر الذي كان جزءًا لا يتجزأ من التقاليد العربية قبل الإسلام.

كان معظم اليهود والمسيحيين الذين يعيشون في أيبيريا معرّبين اعتنقوا اللغة العربية والثقافة التي أنشأتها تلك اللغة. إلا أن المسلمين العرب لم يطلبوا إليهم التخلي عن معتقداتهم الدينية؛ مع أن بعضهم فعل ذلك. ولقد تحسنت مكانة اليهود الذين قادوا "حياة مأساوية في ظل القوطيين" تحسنًا كبيرًا؛ واعتلى الكثير منهم مناصب رفيعة. فكان هناك على سبيل المثال هاسداي ابن شابروت أحد الوزراء اليهود الكبار لقرطبة في منتصف القرن العاشر الميلادي؛ وكان يدير العلاقات الخارجية للخليفة.

كان الكاتب الساكسوني هروسيوزا  Hroswitha  في القرن العشرين هو من أطلق اسم (جوهرة العالم) على مدينة قرطبة التي كانت مدينة غنية بآلاف المحلات والمساجد والحدائق والقصور والمياه الجارية والشوارع المرصوفة والمضاءة. فقد كانت مكتبة الخليفة (وهي مكتبة من أصل  سبعين مكتبة في المدينة ) "تضم 400000 مجلدًا في الوقت الذي لم تكن أضخم مكتبة في أوروبا المسيحية تضم أكثر من 400 مخطوطًا".

فمن الأندلس جاءت الحكايات التي أنتجت شكلاً جديدًا من الأدب في أوروبا والأغاني التي ألهمت الشعراء المغنيين الفرنسيين والعجائب العمرانية للعالم كلّه. كما و زودت الأندلس أوروبا بالترجمات اللاتينية لأعمال الإغريق بمن فيهم الفيلسوف أرسطو.

وكانت الطريقة التي تجاوز المجتمع من خلالها الخلافات الدينية وتقبل ذاك التعقيد حتى خلال أوقات الاضطرابات السياسية طريقة تحررية ملهمة. انتهى الحكم الأموي عام 1013 عندما فتحت الجيوش  البربرية القادمة من شمال إفريقيا قرطبة وانقسمت الأندلس إلى عشرات الدويلات. إلا أن الحياة الثقافية متعددة الأوجه ازدهرت لحوالي 450 سنة أخرى. 

وتوضح لنا الكاتبة أن تلك الحقبة لم تكن خالية من العنف والاضطهاد فقد كانت هناك مجازر وشهداء. حتى إن مفهوم البرابرة للإسلام تسبب في خلافات وصراعات بين المسلمين أنفسهم. كما وتسببت عقلية "الحروب الصليبية" المسيحية القادمة من أوروبا في حروب بدأت في القرن الثالث عشر "لإعادة فتح" شبه الجزيرة الإيبيرية. 

ويعدّ ضريح ملك صقلية المسيحي فرديناند الثالث المتوفى عام 1252 م رمزًا للثقافة الأندلسية، وتغطي هذا الضريح نقوش مكتوبة باللغة العربية واللاتينية والعبرية والإسبانية. وكذلك الأمر بالنسبة للكنيست اليهودي في مدينة طليطلة الذي يمتاز بالنقوش المحفورة باللغة العربية والعبرية.

وتتساءل الكاتبة الأستاذة مينوكال عما قد يكون قد حدث لو كان فرديناند و إيزابيلا رفضا الضغوط من الكنيسة بعد فتح غرناطة آخر مدينة يحكمها المسلمون في عام 1492، و اختارا عدم اتخاذ الخطوة النهائية في طرد كل المسلمين واليهود الذين رفضوا اعتناق المسيحية. ومن ثم أعطيا المحكمة الكاثوليكية الرومانية صلاحيات مطلقة. extreme

يصور كتاب (جوهرة العالم) نطاقًا واسعًا من تلك الحضارة الغربية يمتد من الشعر إلى الإنجازات العلمية والاجتماعية. ويرغب المرء أحيانًا بالتوقف والتأمل مليًّا بالحياة اليومية والأشخاص الاستثنائيين الذين شكلوا ذلك المجتمع الفريد، ويأتي هذا الكتاب الرائع والطموح في وقت مبشر بالخير ليعيد لنا تاريخًا ضائعًا تتناغم عبره ودروسه تناغمًا كبيرًا مع الخيارات الواجب اتخاذها اليوم.

 


عدد القراء: 1502

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-