تقدير الذات Self-Esteemالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-05-11 17:26:51

د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

يعيش الإنسان اليوم عصرًا يحدث فيه تطور وتقدم في مجالات الحياة المتنوعة مما يجعله يواجه كثيرًا من التحديات التي تتسبب في حدوث قدر من سوء التوافق واضطراب في العلاقات الاجتماعية والبينشخصية (Social and Interpersonal Relationships) مما قد يؤثر في تقييم وتقدير الفرد لذاته (Self-Esteem). وقد اهتم كثير من الباحثين بمفهوم تقدير الذات الذي يعتبر من أهم المتغيرات التي تساعد في تحقيق الفرد لقدر مناسب من الصحة النفسية والتوافق النفسي والاجتماعي، حيث إن شعور الفرد بأنه ذو قيمة من حيث التقبل الاجتماعي من قبل الآخرين ينمي لديه الثقة بالذات، مما يساعد على قدرته على مواجهة المشكلات وضغوط الحياة التي يواجهها بإيجاد حلول توافقية مناسبة. وتتضح أهمية التقدير الإيجابي للذات فيما تأكد لدى ماسلو (Maslow) في تنظيمه للحاجات النفسية، حيث يرى أن هناك حاجة ماسة لتقدير الفرد لذاته واحترامه لها والثقة بذاته، كذلك هناك حاجة ملحة لتقدير الذات من الآخرين، الذي يتضمن المكانة والمركز والتقبل الاجتماعي (في: الصبان، 1993م، ص 54). وقد أشارت نتائج عدد من البحوث الإمبيريقية إلى أن التقدير المرتفع والإيجابي للذات يلعب دورًا مهمًّا في التوافق النفسي للفرد، حيث إن ذلك من شأنه أن يزيد من ثقته بذاته، ويجعله أقل عرضة للاستهداف للاضطرابات النفسية، ومن ناحية أخرى، فإن التقدير المنخفض للذات يجعل الفرد غير قادر على مواجهة المشكلات أو ضغوط الحياة، كما يجعله مستهدفًا من عدد من الاضطرابات النفسية والتي منها الاكتئاب، حيث أشارت نتائج عدد من الدراسات إلى ارتباط الاكتئاب سلبيًّا بتقدير الذات المرتفع لدى الأفراد.

وفي المألوف العلمي المنهجي في الدراسات النفسية، فإن الذات ( (Self تمثل الإحساس بواقع الفرد ووعيه بنفسه، ومع نموها ينمو الإحساس بالخلق والمثاليات، أي يتكون الضمير (Conscience)، وكذلك تتكون الذات المثالية (Ideal Ego) التي توجه الفرد إلى رغبته في أن يكون إنسانًا طيبًا، والتي منها تتكون الذات العليا (Super Ego)، وهو الجزء الذي يقوم بوظيفة تقويم سلوك الإنسان وضبط طريقة إشباع حاجاته. وحتى يصبح الفرد سعيدًا مع نفسه، لابد أن يحدث نوع من التوازن بين مطالب الذات ومطالب الواقع ومطالب الذات العليا، وبمدى نجاح الفرد في تحقيق هذا التوازن ينمو لديه مفهوم ذات (Self-Concept) مقبول، أي صورة عن نفسه يحبها ويرغبها، وعندئذ يتكون لديه تقدير لذاته (Self-Esteem) بدرجة عالية، والذي ينتج من نجاحه في تكوين مفهوم ذات مقبول له، ويعني ذلك أن يحقق الفرد صورة عن نفسه يحبها ويرغبها (Self-Image)، والتي تعني تقييم الفرد ورؤيته لنفسه، وتقدير الذات يعني مدى اعتزاز الفرد بنفسه وتقييمه الإيجابي لذاته.

ويبلور مفهوم تقدير الذات انعكاسًا لاتجاه الفرد نحو نفسه، ويكون الفرد اتجاهًا نحو ذاته لا يختلف كثيرًا عن الاتجاهات التي يكونها نحو مجالات وموضوعات الحياة المختلفة، وتقدير الذات عند "كوبر سميث" هو الحكم الذي يصدره الفرد على نفسه متضمنًا الاتجاهات التي يرى أنها تصفه على نحو دقيق، ويقسم تعبير الفرد عن تقديره لذاته إلى قسمين؛ أولهما، التعبير الذاتي وهو إدراك الفرد لذاته ووصفه لها، والثاني، التعبير السلوكي، ويشير إلى الأساليب السلوكية التي تفصح عن تقدير الفرد لذاته، والتي تكون متاحة للملاحظة الخارجية (في: سليمان، 1999م، ص 96، 97). كما يُعرف تقدير الذات بأنه حكم الشخص تجاه نفسه، وقد يكون هذا الحكم والتقدير بالموافقة أو بالرفض، وقد صُمم لقياس اتجاهات الفرد نحو نفسه في مجال الخبرات الشخصية والأسرية والأكاديمية والاجتماعية. ويُعد تقدير الذات نتاجًا للتقديرات التي يدركها الفرد من الآخرين المهمين بالنسبة له، كما يعد نتاجًا أيضًا لمشاعر الفرد بالقدرة والكفاءة، وتمثل الوظيفة الأولى الاستحسان الاجتماعي، بينما تمثل الوظيفة الثانية الإحساس بالقوة والكفاءة. ويمكن القول بأن تقدير الذات يمثل الوسيط النفسي بين ذات الفرد والواقع الاجتماعي، الذي يعيش فيه والأحداث السلبية أو الإيجابية التي يواجهها، وهو بذلك يعني أن الأفراد الذين يتمتعون بتقدير مرتفع للذات، يتميزون بالقدرة على التفاعل الاجتماعي الجيد، في حين أن الأفراد منخفضي تقدير الذات يكونون غير قادرين على التوافق مع الظروف الاجتماعية.

ويهتم الباحثون كثيرًا بدراسة العلاقة بين تقدير الذات وبعض المتغيرات والخصائص النفسية الأخرى، وذلك للوقوف على الإسهام النسبي لتقدير الإنسان لذاته في دعم تلك الخصائص، ومن ذلك دراسة العلاقة بين تقدير الذات والرضا عن الحياة (Life Satisfaction). حيث لقي مفهوم الرضا عن الحياة اهتمامًا كبيرًا لدى الباحثين في مجال علم النفس بصفته مؤشرًا مهمًّا للتكيف والصحة النفسية، وأن الشعور بعدم الرضا عن الحياة يعد واحدًا من المشكلات المهمة في حياة الفرد وقد تترتب عليه مشكلات نفسية أخرى. والرضا عن الحياة يعني تحمس الفرد للحياة والإقبال عليها والرغبة الحقيقية في أن يعيشها، ويتضمن ذلك عددًا من الصفات أهمها؛ الاستبشار، والتفاؤل، وتوقع الخير، والرضا عن النفس، وتقبلها واحترامها.

وقد تبين أن هناك ارتباطًا إيجابيًّا بين تقدير الذات والرضا عن الحياة لدى الأفــراد من الجنسين، وارتبط ذلك بعدد من سمات الشخصية الإيجابية، ومنها (الانبساطية Extraversion، والاتزان الانفعالي Emotional Stability، ويقظة الضمير Conscientiousness، والتفتح للخبرات Openness to Experience)  .(Baltny, 2002, pp. 385-392)كما تبين ارتباط الرضا عن الحياة إيجابيًّا بتقدير الذات، والذي يعد أحد العوامل المسؤولة عن إحساس الفرد بالرضا عن الحياة، كما وضح أن العلاقات البينشخصية الجيدة بالأفراد الآخرين ترتبط إيجابيًّا بتقدير الفرد المرتفع لذاته (الدسوقي، 1999م، ص 3، 4؛ (Kang, et al., 2003, p. 1607.

وبالنسبة للدراسات الحديثة حول الرضا عن الحياة وتقدير الذات فقد ركزت على جوانب ذات صلة بدراسة العلاقة بين هذين المتغيرين في ظل التباينات الثقافية، حيث قام داينير وداينير (2009م) Diener & Diener  بدراسة عبر ثقافية لبحث العلاقة بين الرضا عن الحياة وتقدير الذات، وشارك في الدراسة (13118) طالبًا وطالبة من (31) بلدًا حول العالم. وأظهرت النتائج بشكل عام أن الرضا عن الحياة متمثلاً في الرضا عن العلاقات الأسرية والعلاقات مع الأصدقاء، وكذلك الرضا عن الدخل المادي يرتبط إيجابيًّا بتقدير الذات لدى جميع أفراد العينة على تباين خلفياتهم الثقافية. كما أشارت النتائج إلى أن العلاقة بين الرضا عن الدخل المادي وتقدير الذات تبدو أقوى في البلدان الأفقر. كذلك ركزت الدراسات الحديثة على الاختلافات عبر الأجيال في العلاقة بين الرضا عن الحياة وتقدير الذات، حيث قام أورث وآخرون (2012م) Orth, et al.  بدراسة طولية لتتبع نمو تقدير الذات وعلاقته بمتغيرات أخرى من خلال بحث تأثير نمو تقدير الذات على نمو كل من الرضا عن العلاقات الاجتماعية والتأثير الايجابي والسلبي في الآخرين، والرضا الوظيفي، والمكانة الوظيفية، والدخل، والشعور بالاكتئاب، وكذلك الصحة الجسمية. وقد تم تحليل البيانات من خلال (5) قياسات نفذت على مدى (12) سنة، واستمدت من عينة تمثل أجيالاً متعددة، قوامها (1824) من الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 16-97 سنة. وأظهرت النتائج أن منحنى النمو الخاص بتقدير الذات يتزايد من مرحلة المراهقة إلى منتصف مرحلة الرشد، ويصل إلى القمة تقريبًا في عمر الخمسين، ثم يبدأ بالتناقص بعد ذلك مع التقدم في العمر. وأشارت النتائج كذلك إلى أن تقدير الذات يؤثر وبدرجة متوسطة على الشعور بالاكتئاب، وعلى الرضا الوظيفي والعلاقات الاجتماعية، وبدرجة قليلة على الصحة الجسمية، ولا يؤثر على المكانة أو المنصب الوظيفي والدخل المادي. هذه الدراسة التي أجريت على أربعة أجيال؛ الأبناء وآبائهم وأجدادهم وآباء الأجداد، أوضحت نتائجها أن تقدير الذات له تأثير ذو دلالة على خبرات النجاح والفشل في الحياة لدى الأفراد على اختلاف أعمارهم.       

إذًا فإن تقدير الذات الذي يعكس مشاعر الثقة والكفاءة والفاعلية والتقبل الاجتماعي والإحساس بالقيمة، يقود إلى الشعور بالرضا عن الحياة، وما يتضمنه ذلك من مشاعر إيجابية تنعكس على سعادة الإنسان وتفاؤله.

 

أهم المراجع:

- الدسوقي، مجدي محمد (1999م). "دليل تعليمات مقياس الرضا عن الحياة"، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.

- سليمان، عبدالرحمن سيد (1999م). "قياس تقدير الذات في مرحلة الطفولة – مقارنة بين أربعة مقاييس"، مجلة الإرشاد النفسي، جامعة عين شمس، العدد (11)، ص ص 87 – 133.

- الصبان، انتصار (1993م). "الاكتئاب وعلاقته ببعض المتغيرات الشخصية وأثره على التحصيل الدراسي لطالبات المرحلة الثانوية"، رسالة دكتوراه، كلية التربية للبنات، جدة.

- النملة، عبدالرحمن بن سليمان (2013م). تقدير الذات وعلاقته بالرضا عن الحياة لدى طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدارسين باستخدام الإنترنت. مجلة دراسات، العلوم التربوية، المجلد (40) ملحق (4)، ص ص (1318 - 1333)، الأردن.

- Blatny, M. (2001). Personality determinants of self-estee and life satisfaction: gender differences. Ceskoslovenska Psychologie, Vol. 45, No. 5, 385 – 392.

- Diener. E. & Diener, M. (2009). Cross-Cultural Correlates of Life Satisfaction and Self-Esteem. Social Indicators Research Series, Vol. 38, 2009, pp 71-91.

- Kang, Sun M. & Shaver, P. & Sue, S. & Min, K. & Jing, H. (2003). Culture – specific patterns in the prediction of life satisfaction: roles of emotion, relationship quality and self-esteem. Personality and Social Psychology Bulletin, Vol. 29, No. 12, 1596 – 1608.

- Orth, Ulrich; Robins, Richard W.; Widaman, Keith F. (2012). Life-span development of self-esteem and its effects on important life outcomes. Journal of Personality and Social Psychology, Vol. 102 (6), 1271-1288.


عدد القراء: 1812

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 2

  • بواسطة د. محمد العبدالكريم من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-05-12 21:49:08

    تحليلٌ منطقي وكفاءة طرحٍ تنطِق فكراً وكبير علمٍ بالحقائق؛ فتوازن التفكير والأداء بين مُتطلبات الذات واحتياجات التناغم مع الحياة، تجعل من تقدير الذات واقعاً جلياً لا مجرد ثقةً واهمة. بوركت سعادة الدكتور عبدالرحمن لا عدمنا نبض فكرك وروائع قلمك؛ فهذه السطور تُشكِل منفذاً للصحة النفسية بالتكامل الموضوعي الواعي بين الذات والمحيط ،،

  • بواسطة د. أسامة النوسى من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-05-12 15:24:33

    كلام رائع وصائب فاكتشاف ومعرفة الذات من أهم جوانب حل المشكلات النفسية لدى الفرد والمجتمع

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-