الطهارة والقذارة بين الشرق والغرب -1الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-05-11 18:10:44

أ.د. مهند الفلوجي

لندن

أول توثيق للقذارة الأوروبية (السفارة العباسية لبلاد الفايكنغ):

تـُعدّ رحلة أحمد بن فضلان البغدادي إلى ضفاف نهر الفولغا ورسالته في توصيف شعوب الفايكنغ أروع مغامرة فريدة من نوعها في التاريخ البشري، وأول توثيق أكاديمي لطبائع الفايكنغ (تُدرّس اليوم في جامعات العالم)، بل وأول سفارة إسلامية للعباسيين في الشمال الأوروبي البعيد، تلبية لطلب ملك الفايكنغ (أو ملك البغار) نفسه لنشر الدعوة الإسلامية وشرح مبادئ الدين الحنيف للفايكنغ، ولبناء الجامع المركزي هناك كقلعة حصينة ، وكي يُطلّ ملك الفايكنغ من محراب الجامع الكبير هذا على شعبه، ولتوثيق عرى التحالف الإسلامي بين العباسيين وشعوب الفايكنغ ضد الروس الخزار والذي اعتنق مليكهم الديانة اليهودية (هذه هي المطالب الثلاثة لملك الفايكنغ البلغاري لخليفة المسلمين آنذاك).

 

استجابة من الخليفة العباسي المقتدر بالله (تولى الحكم من 908 - 932 م) لطلب ملك البلغار، تشكلت بعثة رسمية لأول سفارة عباسية عربية إسلامية إلى أوروبا.  ضمت البعثة قافلة كبيرة من خمسة آلاف رجل مصحوبين بثلاثة آلاف دابة محملة بالهدايا والأمتعة والمال الوفير، يقودها سوسن الروسي، وتكين التركي، وبارس الصقلبي (من الفايكنغ )، ورأسها الأكبر الفقيه: أحمد بن فضلان البغدادي. انطلقت البعثة يوم الخميس 21 حزيران/يونيو عام 921 ميلادي (يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر 309 هجري) من مدينة السلام (بغداد) عاصمة الخلافة والحضارة الإسلامية آنذاك حين كانت أوروبا الغرب تغطّ في نوم عميق وتتخبط في دياجير العصور المظلمة. وصلت القافلة إلى بلاد البلغار أو الصقالبة على نهر الفولغا في الأراضي الروسية الحالية  يوم الأحد 12 أيار/مايو عام 922 ميلادي، بعد مسيرة أحد عشر شهرًا.  ترك لنا ابن فضلان تقريرًا في رسالة صغيرة (جُمِعت في كتاب: انظر الصورة) حول أحداث الرحلة كتبها عام 924 ضمنها مشاهداته وانطباعاته.

ومن أهم ما سجّل فيها تقاليد الفايكنغ الأوروبيين وأساليب حياتهم، ومنها قذارة الأوروبيين. فيصف أحمد بن فضلان الفايكنغ الروس (غير المسلمين) على أنهم أقذر خلق الله، فيقول: «وهم أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط ولا بول، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من الطعام، بل هم كالحمير الضّالة، يجيئون من بلدهم فيرسون سفنهم بإتل، وهو (نهر) كبير، ويبنون على شطّه بيوتًا كبارًا من الخشب.

ويجتمع في البيت الواحد العشرة والعشرون والأقل والأكثر. ولكلّ واحد سرير يجلس عليه، ومعهم الجواري الرّوقة للتجار، فينكح الواحد جاريته، ورفيقه ينظر إليه.

وربما اجتمعت الجماعة منهم على هذه الحال بعضهم بحذاء بعض. و(ربما) يدخل التاجر (عليهم) ليشتري من بعضهم جارية فيصادفه ينكحها فلا يزول عنها حتى يقضي إربه». «ولا بد لهم في كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء يكون وأطفسه. وذلك أن الجارية توافي كل يوم بالغداة، ومعها قصعة كبيرة فيها ماء، فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه، وشعر رأسه فيغسله ويسرّحه بالمشط في القصعة، ثم يتمخط ويبصق فيها، ولا (يدع شيئًا من القذَر إلا فعله) في ذلك الماء.

فإذا فرغ مما يحتاج إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي إلى جانبه ففعل مثل ما فعل صاحبه، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتى تديرها على جميع مَن في البيت. وكلٌ منهم يتمخّط ويبصق (فيها) ويغسل وجهه وشعره فيها»!!! (انتهى)

آداب قضاء الحاجة (الإتكيت الإسلامي):

تكمن عظمة الإسلام في تفصيله لأصغر الصغائر وأكبر الكبائر حتى قال أحد المشركين آنذاك لسلمان الفارسي: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءةَ! فَقَالَ سَلْمَانُ: "أَجَلْ، لقد نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم" (صحيح مسلم:  كتاب الطهارة، باب الاستطابة).

• فمن الآداب الشّرعية التسمية والاستعاذة فكان النبي إذا دخل الكنيفَ (أي المرحاض) قال: (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) وإذا خرج قال: (غفرانك).

• الاستتار كيلا يُرى من عورته شيء أو يُسمع منه ريح، فكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِن الأَرْضِ (رواه الترمذي وصحيح الجامع) وقد كان أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ (أي مرتفع من الأرض أو حائط نخل وهو البستان). وإذا كان الإنسان في الفضاء وأراد قضاء حاجة، ولم يجد ما يستره، فليبتعد عمن حوله، لما رواه الْمُغِيرَةِ بْن شُعْبَةَ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ" و"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجةَ، لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض". إنّ الاستتار عند التبوّل والتغوّط هو عادة فطرية جُبلت عليها الكثير من البهائم.

• عدم استقبال واستدبار القِبْلة عند قضاء الحاجة (وقبلة المسلمين هي الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام بأمر من الله في مكة)، وهذا من احترام القبلة وتعظيم شعائر الله، للحديث: (إذا أتيتُم الغائط، فلا تَستقبِلوا القِبْلة ولا تَستدبِروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا)، قال أبو أيوب: "فقَدِمنا الشامَ، فوجدنا مراحيض قد بُنيتْ نحو الكعبة، فنَنَحرِف عنها، ونستغفر الله"؛ متَّفَق عليه.

• وقوله: (اتقوا الملاعِنَ الثلاث: البراز في الموارد (أي ينابيع المياه)، وقارعة الطريق (لحفظها للمشاة والسيّارة)، والظل (مواضع الراحة)) يشكل معلمًا رائدًا في نظافة البيئة. وأَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. لأنّ في ذلك تنجيسًا للماء وإيذاء لمستعمليه. لذا لا يجوز قضاء الحاجة بالقُرْب من ممتلكات الناس العامَّة والخاصة؛ كالمصارف، والمشافي، والمدارس، ودور الناس، ومحلات أعمالهم.

• الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة، أو ما يقوم مقامها للقُبُلِ والدُّبر؛ للحديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار، فإنها تُجزئ عنه). والاستنجاء بالماء أفضل، فقد جاء عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلاثًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَعَلْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ دَوَاءً وَطُهُورًا . (رواه ابن ماجة وصحيح الجامع). وللحديث: "نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) التوبة: 108، قال: كانوا يَستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية".

• وأن لا يستعمل العظم ولا الرّوث في الاستجمار (وهو إزالة النجاسة بالمسح). وإنما يستعمل المناديل والحجارة ونحوها. لما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ. فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟! قَالَ: هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ ..

• ولا يستنجي بيمينه؛ للحديث: (إذا بال أحدكم، فلا يمسح ذَكرَه بيمينه، ولا يستنجي بيمينه)؛ ولقوله: (إِذَا اسْتَطَابَ أَحَدُكُمْ فَلا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، لِيَسْتَنْجِ بِشِمَالِهِ). وروت حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَثِيَابِهِ وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ. وبال النبي جالسًا وبال قائمًا وفي سباطة (شرط أن يأمن التلوث وتطاير رذاذ البول، وأن يأمن الناظر).

• الاعتناء بإزالة النجاسة بعد الفراغ من قضاء الحاجة لقوله صلى الله عليه وسلم محذّرًا من التساهل في التطهّر من البول: (أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِن الْبَوْلِ). وأن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ.

• لا يجوز البُصاق والنخامة في المسجد أو تُجاه القبلة، سواء كان ذلك في الصحراء أو داخل المباني، وهذا ما ذهب إليه الألباني؛ للحديث: (يجيء صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه)؛ الصحيحة، وفي رواية: (البُصاق في المسجد خطيئة، وكفَّارتها دَفْنها)، وفي رواية: (النخامة في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها).

• وجمهور العلماء على كراهية الكلام في الخلاء لغير حاجة، فلقد كان  النبي لا يَرُد السلام على مَن سلَّم عليه وهو يبول؛ كما في الحديث: (إذا رأيتني على مِثْل هذه الحالة، فلا تُسلِّم عليَّ؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك، لم أَرد عليك).

تعجّ كتب الفقه الإسلامي بمفهوم الطهارة (المعدومة عند الغربيين)، وتفصيلاتها ومفرداتها مستفاضة حتى مع أوضاع الخِراء والتبول.  وهناك فرقٌ بين النظافة والطهارة فهو أن الطهارة أخصّ من النظافة، فالنظافة تشتمل إزالة كل وسخ أو مستقذر.

والطهارة على ضربين: معنوية ومادية

الأول: الطهارة المعنوية؛ مثل تطهير القلب من تعظيم غير الله، وهو معنى كون الإنسان مسلمًا، ويتبع ذلك طهارة اللسان بالنطق بالشهادتين. وتصديق كل ذلك بالعمل الصالح، فتتحقق الطهارة المعنوية. قال تعالى في حق أزواج النبي: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب:33).  وبالمقابل وصف القرآن الكريم المشركين بالنجاسة لشركهم وفساد معتقدهم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 28).

والثاني: الطهارة المادية، وهي صنفان:

1. طهارة من الحدث، وذلك بالغُسل والوضوء الشرعيين أو التيمم. والغُسل يُغني عن الوضوء أحيانًا في حالات خاصة.

2. طهارة من الخبث، وهو النجس، بإزالته وغسل محله.

كشف العـورة عند الغربيين: 

العـورة باللغة العربية هي موضع الاستتار من الجسد، ولا يوجد في اللغة الإنجليزية نظير لمصطلح (العـورة) الإسلامي! وحتى كلمة عِفّة وعفاف Chastity ومنها العفيف Chaste,Chastitute) opposite Prostitute) صارت من الكلمات الإنجليزية المهجورة Obsolete فما عاد لها رصيد من الواقع. والإنجليز كثيرو التهكم والضحك على حزام العِفّة Chastity Belt المستخدم لمنع المرأة من ممارسة الجنس في عصور أوروبا الوسطى.

وهنا اغترفُ نصوصًا مقتبسة من رسالة أحمد بن فضلان أيضًا (للتوثيق العلمي) حيث يُبدي اندهاشه من التحرر الجنسي لدى شعوب الفايكنغ والأوروبيين، بل ويذكر أنّ استحياءه كان مثارَ ضحك القوم عليه (بسبب قلة الغيرة عندهم). كما ويصف ابن فضلان كيف يغتسل الرجال والنساء عـُراة دون أن يزني أحدهم بالآخر. فيقول: «ولقد نزلنا يومًا على رجلٍ منهم فجلسنا، وامرأة الرجل معنا، فبينا هي تحدثنا إذ كشفت فرجها وحكـّته. ونحن ننظر إليها فسترنا وجوهنا، وقلنا: "أستغفر الله" فضحك زوجها، وقال للترجمان: "قل لهم تكشفه بحضرتكم فترونه وتصونه فلا يوصل إليه، هو خير من أن تغطيه وتمكن منه».

«وينزل الرجال والنساء إلى النهر فيغتسلون جميعًا عُـراة لا يستتر بعضهم من بعض, ولا يزنون بوجهٍ ولا سبب».

ويقول في موضع آخر: «ولا يغتسلون من جنابةٍ ولا غير ذلك. وليس بينهم وبين الماء عمل، خاصة في الشتاء. ولا يستتر نساؤهم من رجالهم ولا من غيرهم. وكذلك لا تستر المرأة شيئًا من بدنها عن أحدٍ من الناس».

«وهم منّا على ثلاثة أشهر عُـراة يحول بيننا وبينهم البحر, لأنهم على شطّه، وهم مثلُ البهائم ينكح بعضهم بعضًا». (انتهى)

أقول: إنّ توصيف ابن فضلان لشعوب الفايكنغ (وهم أصل مهم لشعوب أوروبا تكوينًا وسلوكًا) لا زال قائمًا إلى اليوم، فما زال التعرّي شائعًا من ذلك الحين في الدول الإسكندنافية Scandinavia (الدانمارك Denmark والنرويج Norway والسويد Sweden) وفي فنلندا Finland وفي النورماندي الفرنسي (النورماندي يمثل بقايا الفايكنغ النصارى في فرنسا) وفي غرين لاند Greenland وفي آيس لاند Iceland وفي فنلاند Vinland شمال أمريكا وفي أمريكا الشمالية North America، بل وفي بلاد الغرب عمومًا - في الكثير من سواحل السباحة والسياحة، ونوادي العراة والمطاعم ونوادي الليل، وهم لا يخجلون أبدًا من التعري والسباحة في البحر عراة (بلا ساتر للصدر ولا ساتر للفرج ولا ساتر للعورة Topless, with topless brassiere, with cupless bras, Mini Bikinis, and Micro Bikini) في الريفيرا الإيطاليه (ريفيرا تعني الشاطئ أو ساحل البحر) والريفيرا الفرنسية والريفيرا الإسبانية وشواطئ صقلية، ولا تلبس الكثير من نسائهم لباسًا داخليًّا، بالضبط كما وصفهم ابن فضلان - وكأن الزمان لم يتغير قطّ والعصر لم يتبدل أبدًا.

بل حتى لباس اسكوتلندا الرجالي التقليدي الرسمي صار بزيّ تنـّورة رجالية دون أي لباس داخلي. وصار مفتش العساكر الإسكوتلندي يصِفّ فصيله، فيفتحوا أرجلهم واقفين (والسلاح بأيديهم)، فيضع المفتش حذاءه بين أقدامهم على التوالي (الواحد بعد الآخر) وعلى حذاء المفتش مرآة علوية تعكس ما بين فخذي كل عسكري ليتأكد من عدم لبس اللباس الداخلي، وإلا فإن ذلك العسكري الذي يلبس لباسًا داخليًّا يُعدّ مخالفًا لقوانين الخدمة العسكرية الأسكوتلندية!!! 

بين قصرين: مقارنة بين مَلِكَين وعَالَمَين

إذا كان الناسُ على دينِ ملوكهم, فالملك يمثّل شعبَه ورعيتَه، وهو يؤثر فيهم ويتأثر بهم فهمًا وسلوكًا، ونظافة الملك تنعكس على نظافة شعبه ورعيته. إذن لنقارن موضوع الطهارة بين قصرين: بين قصر السلطان الشرقي المسلم وبين قصر الملك الأوروبي النصراني؛ ولنأخذ مثالين لذلك: قصر طوب كابي في أسطنبول  (حيث الخليفة العثماني المسلم) ولنقارنه بقصر فرساي في باريس (حيث الملك  الفرنسي النصراني).

فبينما يحتوي طوب كابي (Top Capi قصر السلطان العثماني في أسطنبول – أصبح الآن متحفًا) على ركنٍ كبيرٍ للاستحمام والتدليك، بعكس ذلك فإنّ قصر فرساي (Versailles Palace) في باريس، لا يوجد فيه حمام واحد!!!

كانت الحمَّامات العامة والحمّامات الخاصة شائعة في العالم الإسلامي. وما زالت آثارها شاخصة إلى اليوم، فحمام (شامبرليتاش Chamberlitash) العام قرب السوق الكبير Grand Bazar في أسطنبول ما زال قائمًا ومزارًا يوميًّا لاستحمام الآلاف من الأتراك والسياح والزائرين. وبينما تمتع الإسبان بالماء الساخن في الحمّامات العامّة تحت ظل حُكم المسلمين في الأندلس، كان أحد المؤرخين الإخباريين يزدري الحالة الصحية البدائية عند الأوروبيين في مواضع أخرى، قائلاً: (الذين لا ينظفون أنفسهم ولا يغتسلون إلا مرة أو مرتين في السنة، وبماء بارد، وهم لا يغسلون ثيابهم بعد لبسها حتى تتساقط عنهم قطعة قطعة).

كانت الكنيسة النصرانية في بداية عهدها كثيرًا ما تـُثني الناس عن الاهتمام بالنظافة، وذلك (ردًّا على فسوق الحمّامات الرومانية).

• ففي القرن السادس بعد الميلاد أمر القديس "بندكت" بما يأتي: (إلى الذين هم بصحة جيدة ولا سيّما الشباب، سيكون الاستحمام ممنوعًا إلا ما ندر).

• أما القديس فرنسيس الأسيسي فإنه عَدَّ الجسم غير المغسول علامةً نتنةً لتقوى الله!!!

ولهذا فبعد انهيار الامبراطورية الرومانية والانحدار نحو العصور المظلمة، فإن الاهتمام بالصحة العامة قد اختفى فعليًّا. وغالبًا ما يقال عن أوروبا العصور الوسطى أنها بقيت ألف عام دون استحمام!!! لقد استُبدِلَ الاستحمام باستعمال العطور!

• كانت "إيزابيل ملكة قشتالة (اسبانيا) Queen Isabella of Castile" تتفاخر أنها اغتسلت مرتين في حياتها: بعد الولادة وقبل الزواج.

• أما الملكة "إليزابيث الأولى ملكة إنجلترا Queen Elizabeth I of England"، فكانت تغتسل مرتين في السنة، وكانت تستعمل مَهفّةً (مروحة) يدوية في الجو البارد لأجل طرد رائحتها الكريهة، وكانت تضعها تحت أنفها لإشمئزازها من رائحة جسمها المقرفة!

• وكان "ملك فرنسا لويس الرابع عشر King Lois XIV of France" يغتسل مرةً واحدة في السنة!!!

لهذا السبب كان ابتكار العطور ذوات الأساس الكحولي alcohol-based perfumes أولاً في باريس، وفي لندن، واستعمالها لكي تغطي الرائحة الكريهة، (من الناحية الطبية الفسلجية فإن حاسة الشم عند الإنسان لا تستطيع شمّ رائحتين في آنٍ واحد ولكنها تستطيع تعرّف الرائحة القوية فقط أي الرائحة الغالبة بين الرائحتين).

وبينما كان عند المسلمين أنظمةُ ري متقنة ومجارٍ تحت الأرض (للخلاء والمياه القذرة) مع مستوى عالٍ من النظافة الصحية، فعلى العكس من ذلك كانت الفضلات في أوروبا تُلقى في الشوارع مباشرةً، أو تفرَّغ في الأنهار التي يشربون منها الماء. إن كلمة مرحاض بالعامية (لُوُ Loo)، قد ذكر أنها مُشتقة من صيحة التحذير بالفرنسية: كارديز ليو “Gardez l'eau!” (تُلفظ كاردي لُوُ، وتعني اِنتَبِه ماء! (pronounced gardy loo – meaning “mind the water) قبل إفراغ وعاء زبالة الغرفة من الطابق العلوي إلى الشارع التحتاني.

وبعد الهلاك الذي حصل بسبب انتشار الطاعون الدّبْلىّ Bubonic Plague، كانت هناك محاولات في بعض مناطق أوروبا لتحسين الأوضاع الصحية والنظافة العامة، ولمنع ممارسة عادة رمي القمامة في الشوارع العامة. لكنّ إنشاء مجاري المياه القذرة تحت الأرض لم يحدث في أوروبا حتى بداية القرن التاسع عشر.

بين أميرين في حمّام

الأمير أسامة بن منقذ، (الملقب بـ مؤيد الدولة: 1095 - 1188م، 488 - 584 هـ) هوأحد قادة صلاح الدين الأيوبي أثناء الحروب الصليبية، وقام ببناء قلعة عجلون على جبل عوف في عام (580 هـ - 1184 م)، بأمر من صلاح الدين الأيوبي. وهو فارس وشاعر، وله كتب كثيرة منها كتاب الاعتبار. وكانت هناك فترات هدنة وسلام بين المسلمين والصليبيين. ونذكر هنا مفارقة لطيفة بين الأمير المسلم أسامة بن منقذ مع أمير صليبي وهما يتحادثان في حمّام عام (لعله في القدس بعد التحرير) لنتعرف من خلالها على قذارة الأوروبيين: وهذه الحادثة مذكورة بالنص الإنجليزي في كتاب (الكفار: وتاريخ الصراع بين النصرانية والإسلام) لمؤلفه "أندرو ويتكروفت" الصفحة 190، والكلام هنا للأمير أسامة، فيقول: «ذات يوم دخل فارس إفرنجي (أي صليبي للحمّام). وهم لا يتبعون عاداتنا في ارتداء إزار حول الخصر في أثناء الاستحمام، مَدّ هذا الزميل يده (للممازحة)، وانتزع إزاري وطرحه جانبًا. فرأى مباشرة أنني قد حلقت حديثًا شعرعانتي. وهتف متعجبًا "سالم" (نداء للمسلم) فقربت منه فأشار لذلك الجزء مني. "سالم" ! إنّه رائع! أنت بالتأكيد ستفعل نفس الشيء لي! واضطجع مستويًا. فوجدت شعر عانته بطول شعر لحيته! فحلقته.


عدد القراء: 2147

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة الاستاذ محمد أحمد نجم الدين من العراق
    بتاريخ 2017-05-14 15:12:52

    عاشت اناملكم دكتور على هذا الطرح الرائع مقاربتكم ومقارنتكم بين الحضارة الاسلامية والغربية في مجال النظافة الشخصية مثيرة وتجمع اسلوب السهل الواضح الحقيقة الغرب كان ولا زال في بعض جوانب النظافة الجسدية مختلف عنا جدا وخاصة الطهارة والاستنجاء من الحدثين اما مشكلة الانحلال الاخلاقي فهذا حسب رأيي هو ما سوف يتسبب بانهيار الحضارة الغربية نتيجة انتشار المثلية الجنسية المنحرفة وتقبلها من قبل مجتمعاتهم اضافة الى الخيانات الزوجية وعدم الحياء وسمعت من بعض الاشخاص ان هناك شرط اجباري قبل دخول حوض الاستحمام في حمامات السباحة هو الاستحمام في دوش عاريا وامام الجميع فهل هذه حضارة ام سفالة

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-