تأملات في الفكر التربويالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-05-11 18:24:17

خالد بن عبدالعزيز البواردي

مستشار تربوي ومهتم بالفكر التربوي - الرياض

أثنى الله سبحانه وتعالى على التفكُّر حينما قال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران: 190).

وحث على التفكر حينما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) (الروم: 8).

وله سبحانه الفضل في تعليم البشر حيث قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)  (النساء: 113).

التفكّر هو إعمال العقل إيمانيًّا وهو الجانب الإيماني من الفكر، وسيأتي الحديث عنه في الأسطر التالية.

  يقال: إﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺛﻼﺛﺔ أﻧﻮﺍﻉ:

 1 - أﻧﺎﺱ ﻳﺘﺤﺪﺛﻮﻥ ﰲ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ.

 2 -أﻧﺎﺱ ﻳﺘﺤﺪﺛﻮﻥ ﰲ ﺍﻷﺧﺒﺎﺭ.

3 - اناس يتحدثون في الأفكار.

ماذا أعني بالفكر؟

أعني به التعمُّق في العلم حتى الوصول لدرجة الاستنتاجات  1 -  الجديدة. 2 - والمفيدة. 3 - والعميقة في هذا العلم.

التربية العقلية: وهي ترويض عقولنا ثم عقول غيرنا على الحصول على المعرفة، إلى أن نصل إلى مرحلة السعادة في الحصول على هذه المعرفة، ونسعى أن تستمر هذه السعادة.

شرح التعريف/العقل يحتاج ان يُروّض ابتداءً على حب الحصول المعرفي، ثم بعد ذلك نشعر بالسعادة المعرفية، ونسعى أن تستمر هذه السعادة باستمرار الترويض العقلي.

س/ ما علاقة التربية العقلية بالفكر؟

الفكر أرقى درجات التربية العقلية

س/هل للفكر أنواع؟

ج/نعم. فهناك فكر إسلامي وسياسي وتربوي, والفكر التربوي فيه الإيماني (ومنه عبادة التفكُّر)، والعقلي والسلوكي والاجتماعي والعاطفي والترويحي والجسمي.

ومن صور الفكر:

1 - الاستنباط في العلوم الشرعية.

2 - الاختراع في العلوم البحتة.

3 - النظريات الفكرية في العلوم الإنسانية ومن هذه العلوم (علم التربية).

الفكر التربوي: هو التعمق في علم التربية حتى الوصول لاستنتاجات جديدة وعميقة ومفيدة في هذا العلم.

 في ﺍﻟﻔﻜﺮ والمفكر التربوي      

  ﻋﻠﻢ التربية يحتوي ﻋﻠﻰ:

1 -  ﺟﺎﻧﺐ ﻧﻈﺮﻱ.

2 -  ﺟﺎﻧﺐ ﺗﻄﺒﻴﻘﻲ.

3 - جانب ﻓﻜﺮي: ﻭﻫﺬﺍ أﻫﻢ ﺟﺎﻧﺐ؛ ﻷﻧﻪ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﻭﻟﻴﺲ مجرد اﺳﺘﻬﻼﻙ له.

لذلك التربية كعلم هي سلوك ونظريات وفكر والفكر أرقاها.

س: من هو المفكّر التربوي؟

- ﻻ ﻳﺼﻞ إلى ﺩﺭﺟﺔ المفكِّرالتربوي ﺇﻻ ﻣﻦ ﺗﻌمّق في علم التربية، فوﺻﻞ لدرجة ﺍﻟﺘﻨظير أي ﺻﺒﺢ ﻣﻨﻈﱢﺮًا، له إسهامات جديدة وعميقة ومفيدة في هذا العلم (ﻭﻟﺬﻟﻚ أعتقد أﻥ ﻛﻞ ﻣﻔﻜﱢِﺮ ﻋﺎﻟِﻢ ﻭﻟﻴﺲ ﻛﻞ ﻋﺎﻟِﻢ ﻣﻔﻜﱢِﺮًا).

لذلك فالثقافة العامة مهما ارتقت عند الشخص فهي غير كافية للوصول لفهم ما يقوله المفكِّرون التربويون, فما بالك بالإنتاج الفكري التربوي؟!

إن قراءة الفكر التربوي شيء وإنتاج الفكر التربوي شيء آخر، ولا يعتقد من قرأ عددًا من الكتب الفكرية التربوية أنه سيصبح مفكرًا تربويًّا!!  فالوصول للإنتاج الفكري التربوي له شروط, منها: أن يكون للشخص ابتداءً ملَكة فكرية تربوية، وأن يبدأ في الفكر التربوي من الصفر وإن يكون يجب هذا النوع من الفكر.

أعتقد أن المفكرين التربويين في العالم الإسلامي نوادر بشكل مجمل؛ لأسباب منها:

1 - التعليم غير الجيد.

2 - ضعف احترام الفكر التربوي والعلم في العالم الإسلامي في الغالب.

3 - النظرة للمفكر التربوي على أنه فيلسوف بالمعنى السلبي، وأنه بعيد عن التيار العام، وما ذاك إلا بسبب ضعف فهم المتلقِّي, طبعًا الفلسفة بمعناها الإيجابي هي إعمال العقل للوصول لاستنتاجات عميقة وجديدة, وهي أرقى من الفكر ولكن الفكر خدمة أصحابه بتوضيحه وتبسيطه لأكبر شريحة ممكنة من المتلقين بينما أصحاب الفلسفة في أبراجهم لم يترجموا فلسفتهم فجعلوها نخبوية.

4 -عدم وجود محاضن للعناية بالمفكرين التربويين.

5 - الاهتمام بأمور دون الفكر والعلم.            

من صفات المفكر التربوي:

1 - امتنانه لعلم التربية واحترامه له؛ لأنه هو من صدّره بعد الله سبحانه.

2 - كما يقول أستاذي عبدالكريم بكار: إن المفكر لا يوجد لديه طريق يشقه إنما خُطاه هي التي تشق الطريق لمن بعده.

3 - ويقول كذلك: إن الشغف بمعرفة الحقائق من صفات المفكرين العظام.

4 - يُضيف لعلم التربية أطروحات جديدة.

5 - لديه ملكة فكرية تربوية.

6 - له شخصيته الاعتبارية الفكرية المستقلّة.

7 - لا يُستلَب من الآخرين غالبًا, ولديه حصانة فكرية.

8 - قد يصل لدرجة راقية فكريًّا، وذلك بإخضاع كل شيء في الحياة لتخصصه.

9 - لديه قوة حجة تجعل الآخرين غالبًا يقتنعون بأفكاره.

10 - يثق بعقله ويعتزُّ بإنتاجه الفكري.

11 - لا يأخذ فكرة من غيره دون إشارة لصاحبها.

21 - له القدرة على إيصال فكرته.

  للفكر التربوي لغة خاصة تتميز بعمق المدلول والشكل، وهي العبارات الفكرية التربوية.

أذكر هنا بعض جماليات العبارات الفكرية التربوية:

1 - من جماليات العبارات الفكرية أمران نقيضان؛ الأول: أنها قد تؤخذ على عواهنها شكلاً للحفاظ على جمال صورتها وفهم معناها, والثانية: أنها قد تؤخذ على قوتها وعمقها مضمونًا وشكلاً حتى وإن أدى ذلك لضعف فهم المتلقي لها، وفي كلتا الحالتين لا يتم شرحها، فالعبارات الفكرية مثل المشهد التلفزيوني "هي تشرح نفسها ومن الفشل أن نشرحها"!

2 - قدرة هذه العبارات على الاستمرار لأطول مدة ممكنة والصلاحية لأجيال عديدة وحثها أيضًا على العزة والإباء, لذلك يقول أستاذي عبدالكريم بكار «ﻟﻨﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻋﻈﻤـﺔ ﺍﻷﻓﻜـﺎﺭ ﺗﻜﻤﻦ في ﻗﺪﺭتها ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻓﺮﻓﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻖ، ﻭفي ﻗﺪﺭتها ﻋﻠﻰ التعبير ﻋﻦ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ، ﻭالتعبير ﻋﻦ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻹﺩﺭﺍﻙ ﻭﺍﻟﻘﺮﺍﺭ».

3 - عبارات عظيمة في جمل قصيرة.

4 - في الحكم الأولي على العبارات الفكرية التربوية فإنها قد تكون طرفي نقيض في قوتها وذلك بأن تضيف لعلم التربية إضافة عميقة وجديدة ومفيدة، وفي ضعفها وذلك بصعوبة إثباتها و إعضادها  بمقولات سابقة لها، وهي هنا عرضة للمعارضة ، وهذا طبيعي في العلوم الإنسانية فهي علوم معرّضّة للنقد و قابلة له.

من مزايا الفكر والمفكِّر التربوي:

1 - للمفكرالتربوي نظرة استباقية في مجاله.

2 - الفكر التربوي يعطي صاحبه مناعة فكرية ضد التأثر السلبي.

3 - مقاومة الاستلاب السلبي.

4 - يرفع سقف العلم التربوي.

5 - الفكرالتربوي يجعل صاحبه يدرك الاتجاهات الغالية في علم التربية.

6 - قد يصل المفكِّرالتربوي لدرجة راقية فكريًّا، وذلك بإخضاع كل شيء في الحياة لتخصصه.

7 - لدى المفكر التربوي قوة حجة تجعل الآخرين غالبًا يقتنعون بأفكاره.

من سلبيات الفكر والمفكِّر التربوي:

1 - ضعف بعض المفكرين  في تقبُّل الخلاف.

2 - التحزب الفكري لدى المفكرين التربويين.

3 - التأثير السلبي لعاطفة المفكر التربوي على عقله.

4 - الغرور الفكري: ومن صوره الاعتداد بالرأي المبالغ فيه، وهذا من أسوأ أنواع الغرور, لأنه غرور في أمر نبيل ألا وهو الفكر والعلم.


عدد القراء: 576

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-