من عرفان البيان في «كتاب الحيوان»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-05-11 19:43:42

د. سرور الحشيشة

كلّيّة الآداب بصفاقس- تونس

تدبّر الجاحظ في كلّ ما كتب الكون تدبّرًا عقليًّا أدرك منه حكمة من أيقن في تدبيره غاية الإتقان وتمام اللّطف. فلم يخل أدبه جميعًا من أن يكون فنًّا من الاستدلال على حكمة البارئ في ما برأ من الخلق وهيّأ لذلك من الأسباب والأحوال. والكثير من المفاهيم الّتي عرّفها الجاحظ ما زال لها اليوم من تعريفاتها حظّ تبرّره طبيعيّة الوصف. والطّبيعيّة naturalness مفهوم تنشده النّظريّة العلميّة لا سيّما في اللّسانيّات. وهو أن تكون معطيات الظّاهرة منطلقًا للدّراسة، فتُتناول من حيث خصائصها وانتظامها الطبيعيّ في واقع الأشياء، فيضارع الوصف حقيقة الظاهرة الموصوفة في الواقع، وتوافق النّظريّة طبيعة موضوعها.

ولئن كان المنطق هو المدخل إلى المنزع العقليّ في نظريّة البيان خصوصًا ونظريّة الأدب عمومًا فإنّ المدخل إلى طبيعيّة النّظريّة لا يكون إلاّ مدخلاً نفسيًّا تصوّريًّا عرفانيًّا cognitive يرتبط باشتغال الذّهن والنّظام التّصوّريّ الذي ينتظم نشاطه ودور التّجربة الجسديّة الحسّيّة في ذلك النّشاط وما له من تجلّيات نفسيّة ولغويّة وثقافيّة. فلا مناص من أن ينظر إلى المنطق على أنّه آلة من آلات العقل لا تخلو من أن تكون جزءًا من ذلك الشّيء المشترك بين بني البشر الذي به يفكّرون ويفهمون ويفعلون. ولا ريب في أنّ المنطق أو ما كان يسمّى بقوانين الفكر إن هو إلاّ بعض من ذلك العرفان استحوذ على تفكيرنا ومعارفنا حينًا من الدّهر كنّا نظنّ معه أنّه العلم الكلّيّ المطلق الذي يمكن أن نمثّل به أيّ معرفة يدركها العقل البشريّ أو ينتجها.

وحسبنا أن نعرض على قدر ما يتّسع له المجال مثالاً بسيطًا من أمر العرفان في فهم معنى البيان وتدبّر لطف المعجم المسخّر له. ومن ذلك ما يدخل عند الجاحظ في حدّ البيان. وأوّله تصوّر للخلق الكثير من الحيوان يقوم على تقسيمه باعتبار البيان إلى فصيح وأعجم. يقول الجاحظ في باب "تقسيم الحيوان إلى فصيح وأعجم": «ثمَّ لا يخرج الحيوان بعد ذلك في لغة العرب من فصيح وأعجم». (كتاب الحيوان، حقّقه فوزي عطوي وقدّم له، مكتبة محمّد حسين النّوري، دمشق، سوريا، مكتبة الطلّاب وشركة الكتاب اللّبنانيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1968، ج1، ص29)

فأمّا الفصيح فهو الإنسان نفسه. يقول: «والفصيح هو الإنسان». (نفسه،ج1، ص29) وأمّا الأعجم فهو غير الإنسان من الخلق الذي يكون موصوفًا بالبيان من غير أن يقتضي وصفه ذاك كونه فصيحًا. فأمّا وصفه بالبيان فلكونه بتأليف الأصوات المقطّعة يفهم عنه مثيلوه في الجنس. يقول الجاحظ: «والأعجم كلُّ ذي صوتٍ لا يفهَمُ إرادتَه إلاّ ما كان من جنسه». (نفسه،ج1، ص29) وهو الأصل في معنى البيان المرتبط بحاجات المُبين. وأمّا العُجْمَة فخلوّه من الفصاحة التي هي صفة بيان الإنسان دون غيره من الحيوان.

والفصاحة صفة الإنسان في بيان الإنسان. وهو أنّه لمّا كان الكائن المخصوص بالتّعيين وكان غيره من الحيوان ما به يتعيّن لم يخصّ في وصف بيانه بالفصاحة غيره ممّا يكون قسيمه في البيان ليس قسيمه في الفصاحة. والعجمة في البيان وصف الحيوان إذا قوبل بالإنسان. وإنّما هو وصف الإنسان للحيوان به يعرّف على الخلاف الفصاحة من حيث هي خاصّة للإنسان تتعدّى مجرّد الحسن في منطقه والقدرة على الإبانة عن الحاجات على كثرتها واختلافها وتباعدها إلى ما به ينبّه إلى الفرق بين ما يخرج من الإنسان من الأصوات المقطّعة المؤلّفة ويفهم عنه الإنسان وما يخرج من الحيوان من الأصوات المؤلّفة ولا يفهم عنه الإنسان نفسه. والإنسان يفرّق بين صوتين صوت به يتفاهم حاجاته ومنه يكون بيانه يسمّيه فصاحة وصوت لا فهم له عنه ولا تفاهم له به، وإنّما هو صوت يفهمه الواحد من أجناس غيره من الحيوان عن جنسه وبه تتفاهم تلك الأجناس حاجاتها المعلومة ولها فيه نهاية بيانها، ويسمّيه الإنسان عجمة.

إنّ هذا التّقسيم الذي يدخل تحته حدّ البيان لا يخرج من كونه تقسيمًا تصوّريًّا دلّت عليه في مستوى التّصوير فوارق معجميّة توسّل إليها الجاحظ بما يعيّن درجات البيان من فصاحة الإنسان وعجمة الحيوان. وهذا التّقسيم التّصوّريّ- التّصويريّ تحكمه مبادئ ذهنيّة تنبع من تصوّر كلّيّ يعتمد الجشطلت Gestalt ويستند إلى رؤية واقعيّة تجريبيّة  Experientialismللفكر وطريقة اشتغاله. (انظرWertheimer ، Gestalt Theory، 1924، in Ellis W.D. (eds.)، A Source Book of Gestalt Psychology، 1938، ص- ص8-9).

إنّ تقسيم الجاحظ الحيوان إلى فصيح وأعجم تقسيم في اللّغة أريد به تقسيم في التّصوّر. ولمقابلة الجاحظ الفصيح بالأعجم وتقسيمه الحيوان على أساس من تلك المقابلة أصل في المعجم العربيّ ومواضعات متكلميه. ولذلك الأصل اللغويّ المعجميّ مبادئ تصوّريّة ترتبط بنشاط الذّهن، وله في المعجم آية تهدي إليه وعلامة تدلّ عليه. ويمكن على سبيل التّقريب أن نفترض مبدأ الإغلاق واحدًا من المبادئ الّتي تحكّمت في تلك القسمة التي استوى منها البيان مقولة تصوّريّة معجميّة كان لها أثر ثقافيّ عميق سيطر قرونا طويلة على فكر العربيّ وتمثّله للكون وموقعه فيه. ذلك بأنّ إدراك مقولة الحيوان فمقولة البيان اقتضى جمع الأعجم إلى الفصيح كما اقتضى جمع الحيوان إلى الإنسان. فحصلت من ذلك الجمع بنية دلاليّة مغلقة عليها يقوم تمثّل المقولة تصوّريًّا وتمثيلها معجميًّا.

على أنّ إغلاق هذه البنية المفهوميّة :"الفصاحة"، "العجمة"، "الإنسان"، "الحيوان" أوجبه تقارب المتصوّرات الّذي أوجبته الحاجة إلى الخلف في حدّها. ومن ذلك ما توجبه معرفة الفصيح من معرفة الأعجميّ، وما يوجبه إدراك البيان من تقارب بين الفصاحة والعجمة يأتي على جهة ما يقتضيه المتصوّر من الخلاف وما يوجبه إدراك مقولة الحيوان من قرب مقولة البيان.

ومن القرب طبيعيّة أن يكون الإنسان المحور الذي بنى عليه الجاحظ تصوّره لمقولة الحيوان ثمّ تكون الفصاحة المحور الذي بنى عليه مقولة البيان، إذ الإنسان، وهو نفسه الفصيح، أقرب إلى المتمثِّل المدرِك، فكان مركز التّصوّر وقياس المقولة، ولذلك فضّله على من هو دونه في البيان. وعُرف من مفهوم العجمة أنّ كلّ ذي بيان لا يخلو من أن يكون أحد أمرين. فإمّا هو حيوان ذو فصاحة في بيانه، وهو الإنسان، وإمّا هو حيوان لا فصاحة له في بيانه، وهو الحيوان، مع ما يحمل من عجمة الإنسان على عجمة الحيوان.

ولمّا كان مثل ذلك الاستواء في البيان بين الحيوان والإنسان وكان الإنسان لقرب من المدرك الطّراز في تصوّر مقولة البيان، لم تخل أصوات الطّير مثلاً، وهي «مقطّعة مصوّرة ومؤلّفة منظّمة، وبها تفاهموا الحاجات، وخرجت من فم ولسان» (الجاحظ، المصدر نفسه، ج2، ص603) من أن تكون منطقًا وبيانًا، ولم تخل الطّير المتّصفة أصواتها بما في أصوات الإنسان ممّا تكون منه بيانًا ومنطقًا من أن تكون لمماثلتها أصوات الإنسان في الوصف قسيمة الإنسان في صفة البيان. ولا يخرجها من البيان قلّة فهم الإنسان عنها ولا قلّة فهمها عنه. غير أنّ الإنسان لمّا كان عن الإنسان أفهم وبيانه إليه أسرع سمّى بيانه فصاحة، وسمّى بيان ما خالفه من الخلق عجمة مع كونه قد يفهم عن الحيوان أصواته ويفقه منه بيانه.

ويجرّد الجاحظ من أحوال الموجودات في الطّبيعة وما يكون للعقل من القوانين في إدراك تلك الأحوال وما يقع للنّفس من الأمزجة الفطريّة في ذلك مبدأ يفسّر ما يكون في الاجتماع  من ضرورة البيان بما يكون في البيان من ضرورة المشاكلة، وما يكون في المشاكلة من دواعي المؤالفة وأسباب السّكنى وعوامل المؤانسة. والمشاكلة من مبادئ الفكر الكلّيّ. وتوافق ما يعرف في نظريّة الجشطلت بمبدأ المماثلة similarity principle. فلا يدرك المتشاكل في الفصاحة والمتشاكل في العجمة كلاهما إلاّ من حيث هما مجموعتان. ويكون لقرب الأولى ولمخالفة الثّانية أثر في القيمة الإدراكيّة دلّ عليه لطف الزّوج: "فصاحة" -"عجمة" أو "فصيح" - "أعجم".

وممّا دلّ على أنّ هذا التّقسيم عنده تصوّريّ دلّ عليه بتعيين لغويّ معجميّ تقسيم آخر قوبل به هو ما يكون من مقابلة العرب بالعَجَم. يقول الجاحظ: «فإذا قالوا: فصيح وأعجَم، فهذا هو التّأويل في قولهم أعجم، وإذا قالوا العرب والعجم ولم يلفظوا بفصيح وأعجم، فليس هذا المعنى يريدون، إنَّما يَعنُون أنَّه لا يتكلَّم بالعربيَّة، وأنَّ العربَ لا تفهم عنه». (نفسه، ج1، ص 29)، ولا يخرج من أن يكون تصنيفًا في اللّغة، يبرّره تصنيف في التّصوّر سابق له في الذّهن. والمعنى فيه أنّ صفة من بلسانه عجمة تقابلها في لسان العرب صفة العربيّ من أنّه يتكلّم العربيّة، فيفهم عنه قومه من أهل هذا اللّسان. وصفة الفرس والتّرك وغيرهم من الأقوام من كونهم أعاجم، هي ما به يدلّ العربيّ على ما في ألسنة أولئك من العجمة، وهو ليس لقلّة ما يراه في ألسنتهم من البيان، ولكن لجهله بمواضعاتها وما يجرّه عليه ذلك من قلّة فهمه عنهم، وتعرّفه حاجاتهم ومقادير تلك الحاجات.

لقد جعل الجاحظ للأعجم مدلولين. الأوّل ما يكون بإزاء فصاحة البيان عند الإنسان من عجمة الحيوان، والثّاني ما يكون بإزاء بيان اللسان العربيّ من عجمة الأقوام وألسنتها. والتّقسيمان "فصيح- أعجم" و"عرب-عجم" تقسيمان معجميّان لا يخلوان من أن يكونا تقسيمين تصوّريّين ذهنيّين من جهتين. الأولى هي ما يراه الإنسان في نفسه إذا قوبل بالحيوان من فصاحة البيان لما يتمّ له به من الإفهام، ويحصل منه عنده من الفهم، والثّانية هي ما يراه العربيّ في لسانه إذا هو قابله بألسنة غيره من الأقوام والأمم الّتي لا يحصل له بها إبانة ولا يتمّ له منها، فهم، من حسن البيان الذي يكون مع تفاهم الحاجات وبلوغ المقاصد والغايات. فلمّا كان الإنسان عن بني جنسه أفهم وعلى سجاياهم وطبائعهم وأمزجتهم أجرى وبهم أقيس صار ذلك البيان منهم عنده فصاحة معها يكون بيان الحيوان عجمة. ولمّا كان العربيّ بلسان العرب أبين وبمواضعات متكلمي ذلك اللّسان أفقه، وعلى سننهم فيه أجرى، صار ذلك اللسان عنده أفصح، وسمّى لسان غيره من تلك الأقوام أعجم، يريد أنّ العرب لا تفهم عنه مع علمها بكونه بيانًا.

وإنّما اللغة ملكة ذهنيّة تحكمها مبادئ نفسيّة تصوّريّة كليّة، تكون منها العبارة اللسانيّة انعكاسًا لعمل الذّهن في تصوّر المعنى، وطريقته في إدراك الموجودات والأوضاع. ولمّا كان المتماثل آلف عند الإنسان لكونه الأصل في إدراك الذّهن، وما يكون فيه من ميل في التّصوّر إلى حمل الشّيء على الشّيء، ممّا يكون له نظيرًا أو مشابهًا كان في اللغة، الّتي هي بيان الإنسان ما يعكس ذلك الميل الذّهنيّ إلى تجميع المتماثلات وإجراء الأقيسة التّصوّريّة عليها في إدراك ماهيات الأشياء وتعريفها.


عدد القراء: 932

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة عتيق العربي من الجزائر
    بتاريخ 2017-05-13 14:14:29

    أين دور المخيلة في الرصيد الغوي و تمثيل المفلهيم على مرموزاتها

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-