الشيخ عبدالرحمن الدوسري رحمه الله قاهر الماسونية 1332-1399هـالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-05-11 20:12:13

صبري بن سلامة شاهين

الرياض

هو الشيخ الجليل عبدالرحمن بن محمد بن خلف بن عبدالله الفهد آل نادر، من قبيلة الدواسر، ولد الشيخ عبدالرحمن في مدينة البحرين، ثم انتقل مع والده عند رجوعه إلى الكويت .وعاش بها معظم وقته، وتلقى فيها تعليمه الأولي، ثم انتقلوا إلى الرياض وبقي فيها بقية حياته.

تلقى الشيخ تعليمه في المدرسة المباركية الأهلية القائمة على مناهج العلماء وعلى طريقة المتقدمين من أهل العلم، فحفظ بها كثيرًا من المتون العلمية، وكثيرًا من قصائد الشعر.

وكان الشيخ حريصًا على طلب العلم، مما جعله واسع الاطلاع ملمًّا بكثير من العلوم الشرعية، وعلى دراية بمؤامرات الأعداء، وكان أكثر ما يلفت نظره وجود الاختلافات والنزاعات التي أنشأها الاستعمار في ذلك الوقت، فقاده ذلك الى التوسع في أصول المسائل التي كثر فيها النزاع، فحصل له علم غزير ومعرفة شاملة، بدت في كثير من مقالاته ومحاضراته ومؤلفاته.

ولقد نشأ الشيخ نشأة علمية رصينة على منهج السلف الصحيح والصريح، ما جعله على قواعد راسخة وأصول سليمة في منهجه الفكري، وجمع بين علوم الشريعة والثقافة المعاصرة باطلاعه وصلته المباشرة بأحداث عصره .

كان كأنما يغرف من بحر، فقد وهبه الله ذاكرة عجيبة، فلا يكاد ينتهي من قراءة بحث، حتى يحفظه عن ظهر قلب، وعلومه لم تكن قاصرة على جانب من الجوانب، فهو مفسر، وفقيه، ومحدث، وعنده اطلاع واسع على مخططات أعداء الإسلام، فتراه يحدثك عن دعاة العلمانية، وتاريخهم وأفكارهم، ويرد عليهم، ثم ينتقل بك إلى الماسونية واليهودية، وعن أوكارها في العالم الإسلامي وأهدافها، ثم يحدثك عن الشيوعية والشيوعيين، وكتبهم وأباطيلهم وفضائحهم، ويكشف زيف الفلاسفة الوجوديين كـ(جان بول سارتر) وأمثاله.

تمتع الشيخ بصفات شخصية فريدة:

* منها: سرعة الحفظ:

 فقد كان ذا حافظة سريعة وذهن وقّاد، ساعده على سرعة حفظ القرآن لم يجمع معه غيره، فأتم حفظه في شهرين فقط، ولا ريب أن ذلك موهبة إلهية وأثر الإخلاص والتقوى لله تعالى فيما نحسبه.

* ومنها: الفراسة الصادقة:

 فقد كان الشيخ من أثر علمه وتقواه وغيرته على دين الله، وحماسته لنصرة الشريعة، ذا فراسة صادقة صائبة في كثير من آرائه وتطلعاته، فكان يحذر من كثير من الأمور قبل وقوعها، وكان مما قاله في بعض محاضراته: أنه لما حصل ما حصل من احتلال اليهود لفلسطين، ووجود دعاة القومية، الذين كانوا يعلنون: إنهم سوف يلغون إسرائيل من الخارطة، وأنهم سوف يلقون اليهود في البحر، وسوف يحررون العالم العربي، وأنهم، وأنهم. كما كان زعيمهم الأكبر الذي كان الشيخ الدوسري يسميه: العبد الخاسر. كان الشيخ يقول عن ذلك :إن حصلت الحرب فسيهزم القوم، وتضيع الجولان وسيناء والضفة الغربية، وتكون بعد ذلك مفاوضات تسبق إليها مصر.

وكان الأمر كما قال الشيخ في ذلك الوقت المتقدم، وكانت له الكثير من المقالات التي ينبِّه فيها على أخطار الماسونية والعلمانية، في الوقت الذي لم يكن أحد يتنبه لذلك، ولا يدركه، ولا يتصور عواقبه، وما قد يترتب عليه .

* ومنها: الشجاعة في الدفاع عن الحق:

فقد اشتهر بالجرأة والصراحة، فكانت لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يخشى أن ينكر منكرًا رآه أو سمع عنه، ولا يسكت عن ظلم علم به، فقد كان قلبه جريئًا قويًّا، ولسانه صارمًا، لا يقول إلا حقًّا وصدقًا، فمن مواقفه الشجاعة التي تسطر بمداد من الذهب: أنه صلى في الجامع الكبير بالرياض، وبعد الصلاة قام ليعظ المصلين، فتكلم عن خطورة المحافل الماسوينة، وتلاعبها بالمسلمين، وخطورتها على العالم الإسلامي، ثم ركَّز على واضعي المناهج التعليمية وتلاعبهم فيها، وحذر من أخطار ما يضعه العلمانيون في مناهج التعليم، وحذر من تسلل ذلك ونبه عليه، وكان من بين الحضور الملك الصالح، الملك فيصل آل سعود رحمه الله، وكان الشيخ يعلم بوجوده، فتكلم بهذا الكلام بين يديه، والذي جعله يتكلم بذلك أمام الملك لما يعلمه عن جلالة الملك فيصل من حبه لدينه وحرصه على نقاء الشريعة وسلامتها من الشوائب والدسائس، وعلى سلامة المملكة من المفسدين، فما كان أن انتهى الشيخ من كلمته هذه إلا والملك رضي به وعنه، وتمنى له التوفيق، وفي إثر ذلك أمر الملك فيصل رحمه الله وزير المعارف: أن يكوِّن لجنة لبحث المناهج، وحذف ما يتعارض مع الإسلام، فغُيِّرت المناهج التربوية في أنحاء السعودية بفضل الله، ثم بفضل الملك فيصل، أخذًا بنصيحة الشيخ الدوسري، مع العلم أن المناهج التعليمية كان يُؤتَى بها من مصر مطبوعة جاهزة، وكان فيها ما فيها، حتى يسر الله تغييرها .

وكان الشيخ عبدالله العقيل وقد عايش الشيخ في الكويت يقول عن الشيخ الدوسري: "كان فيه من قوة الحجة والصرامة في الحق ما يُسْقِط دعاوى المجادلين، ويرهب المبطلين، حيث كان الكثيرون يشفقون عليه من هذه الجرأة، ولكنه لا يزداد إلا صدعًا بالحق، إعلاء لكلمة الدين، وتعرية لسَوْاءات الباطل، وكشفًا لعورات الفساد وتعرية للمفسدين والهدَّامين.

ولا أنسى مواقفه الصريحة الصلبة أمام دعاة الأخذ بالقوانين الوضعية والأنظمة الجاهلية، فقد كان الشيخ كالسيف الباتر، هو الوحيد في وقته الذي كان متنبِّهًا أعظم التنبُّه وأكبره، لدسائس الماسونية والعلمانية، ولقضية القوانين الوضعية والأحوال الشخصية".

وقد كان له موقف قوي في نقد دستور الكويت، فنقده وبين مخالفته للشريعة، وألّف في ذلك مع الشيخ محمد النوري كتابًا في سبعة أجزاء (الحق أحق أن يتبع)، فنَّدوا فيه هذا القانون، وبيَّنوا فيه المواد المخالِفة لشريعة الله، وكان هو من أشد الناس على دعاة القومية العربية، التي كانت النغمة السائدة في ذلك الوقت، فقد كان ينقدها، وينقد زعماءها، بل يصفهم بأقذع الأوصاف في غير ما ضعف ولا مواربة .

*  ومنها: العِزَّة والاستعلاء:

فقد كان الشيخ متميِّزًا متفرِّدًا في هذا الجانب، لا يرضى بالذل مطلقًا، ولا يمكن أن يُداهن أو يجامل في دين الله، مهما كانت الأمور والأحوال والظروف، ولذلك قال عن هذا الخلق المهم في تفسيره: "وما أحرى المسلمين لا سيِّما علماؤهم أن يقفوا متدبِّرين متَّعظين، ليعلموا أن العزة بيد الله وحده، فلا يطلبون من غيره من البشر مما يضطرهم إلى تقليده ومحاكاته وتعظيمه تعظيمًا يصل إلى حد القداسة، يتلقون منه المناهج والقوانين، وحذر العلماء أن يكونوا عبيدًا للساسة، فإن العزة والملك بيد الله وحده، لا بيد أحد من البشر، فإن رامه أحد من غير هذا الطريق، فلن يجني إلا الذل والخزي، فليحذر العلماء من التزلف والنفاق والأكل بدينهم".

ومنها: سعة اطلاعه بالمذاهب المخالفة للإسلام:

قال الشيخ العقيل: كنا نجتمع في بعض المجالس مع بعض أهل الاقتصاد وأهل السياسة، فإذا خاضوا في مواضيعها، فتكلم الشيخ، انبهروا من علمه بعلومهم، لظنهم كونه من علماء الشريعة والفقه فحسب، فكان يطلع على كل شيء، وكان يطلع على التوراة والإنجيل لينقض كلامهم.

وتميز الشيخ بملامح منهجية فكرية صافية، ففي مسائل العقيدة.

فقد كان الشيخ يهتم بعلاج أوضاع المسلمين ومجابهة أعدائهم، ويركِّز على حقيقة العقيدة ومفهومها الصحيح، ويهتم بشمول العقيدة لسائر جوانب الحياة، وخاض في دحض الشبهات ونبذ الخرافات ومحاربة البدع والشركيات معارك ضارية مع العلمانيين والماسونيين والمنافقين الذين يسيرون في ركاب الطغاة، فكتب في ذلك كتابات نفيسة، كان لها في وقتها وما زال أثرٌ كبير، فقد كانت أكثر البلاد العربية واقعة تحت سلطان الاحتلال الأجنبي، وكان هناك دعاة القومية العربية والاشتراكية الذين كانوا يبيعون قضايا الأمة بثمن بخس دراهم معدودة أو مناصب وهمية، وكانت سيطرة الماسوينة التي تنظِّر لهذه المذاهب الوضعية، وتضع لها القواعد والأصول، وكانت هناك بدايات العلمانية التي كانت تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وكانت قضية العقيدة هي أن يكون الحكم بشرع الله في كل مناحي الحياة كانت لدى جموع غفيرة قضية مستهجنة غريبة، وكانت قضية خطيرة، ومع ذلك حملها الشيخ حملاً قويًّا جريئًا .

فكان يتفاعل مع قضية العقيدة، لأنها ليست قضية ساكنة جامدة، وليست قضية علمية نظرية، أو جزئية فرعية، بل هي عقيدة حركية عملية شاملة لجميع مناحي الحياة، ولذلك تكلم في هذه المجالات بكلام نفيس رائع، فألّف كتابه (الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة)، و(الحق أحق أن يتبع)؛ وبيَّن أن القوانين الوضعية والقبول بها وتحكيمها ولو في جزء يسير، هو ضرب من هدم العقيدة، وخلل في التوحيد، بل هو لون من الكفر والشرك، وكان هذا هو ديدن العلماء الكبار في وقته وعصره، كما صنع الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة سابقًا، عندما ألَّف رسالته (عن الحكم بالقوانين الوضعية)، وبين فيها أن الحكم بالقوانين الوضعية والرضى بها وتقديمها على حكم الله عز وجل، هو لون من ألوان الكفر والشرك بالله، ويقول الشيخ الدوسري في قضية القرآن وما تضمنه من المنهج العقدي:

" إن الله جعله المنهج المتين لعباده في الأرض، ليكون منهاجًا لسيرهم في جميع ميادين الحياة، ومرجعًا وحيدًا لهم في سائر ما ينوبهم من ذلك، لا يبقى رمزًا في الخيال مجمَّدًا في الذهن، أو محجورًا في مكان، أو مقصورًا في شيء دون شيء، والذين يريدون حصره في شيء من ذلك من المثقفين ثقافة عصرية مادية حسب مخطط أعداء الإسلام قد سلكوا أقبح مسالك الشرك في تنقيص الله، وبخسهم حقه، وانتزاعهم سلطانه، وتأليه أنفسهم من دونه، بجعل الحاكمية لغيره من البشر، الذين يريدون أن تكون لهم الخيرة من أمرهم".

هذا موقف الشيخ الذي كان ضليعًا في التفسير، بارعًا في الفقه، نابغة في الحديث، بحرًا واسعًا في الثقافة المعاصرة، ويقول في شمول العقيدة: "يجب أن تسيطر عبودية الله على العابد الصادق في سائر أنحاء سلوكه، في تصرفه بماله، وفي تربيته لعياله، وفي معاملته مع الناس في الشارع والمتجر والمؤسسة والدائرة، وفي جميع واقعيات الحياة من شؤونه الاجتماعية، ونظرته السياسية، ومعاملاته الاقتصادية، وسلوكه في الحكم: إن كان حكمًا أو منتظمًا في دواوين الحكم".

هذه هي عباراته تجد فيها قوة وجلاء في قضية الحكم بما أنزل الله، وأنه ركن ركين من أركان التوحيد، ومتعلق أكبر تعلق بالألوهية، فيقول: "عبودية الله تقتضي ألوهيته في الأرض كألوهيته في السماء، فتخضع القلوب لسلطانه، وتنقاد الجوارح لطاعته، وتمتلأ القلوب من محبته وتعظيمه، وتندفع جميع القوى والطاقات في نصرة دينه، وجعل الحاكمية له وحده، وتكريس كل الجهود لانتزاعها من كل ظالم وطاغوت، يريد الاستبداد بها وفق أهوائه"  .

ومما كان يوضِّحُه: أن العقيدة ليس لها تدرج وليس فيها تميُّع، لذلك قال في تفسيره عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "لم يكن من سيرته وطريقته التدرُّج في العقيدة، بل عكس ذلك طريقته الصرامة التامة فيها، وحادثة هدم صنم اللات مشهورة، حيث طلبوا منه إمهالهم شهرًا، فلم يمهلهم ولا ساعة، وكان قد ربَّى أمته على ذلك، بحيث كان الرجل إذا أسلم خلع على عتبة إسلامه جميع أحوال الجاهلية، وصرامة النبي صلى الله عليه وسلم معروفة، وقد هدم مسجد الضرار وأحرقه بكل سرعة ودون مبالاة بملابسات القضية، لأن رسالته العظمى توجب عليه أن يكون مسيِّرًا لا مسايرًا صريحًا لا مداهنًا، قويًّا صارمًا، لا خائنًا محابيًا".

كما يقول بعض الناس: أن نساير العصر، وأن نتكيَّف مع الواقع.

وكان الشيخ يبين أن العقيدة أساس الولاء والبراء، وأساس الوحدة والترابط، وأساس الانفصام والانقطاع، فقال :"وهذه الآية صريحة في قطع جميع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والإيمان، فهي تقطع جميع وسائل القربى إذا انقطعت وشيجة العقيدة، وتسقط جميع الاعتبارات المادية والأرضية، إن وشيجة العقيدة تفصل بين الوالد وولده وبين الزوج وزوجته، وتفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل آخر إذا خالف أحدهما الآخر في العقيدة، فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر، ولا صلة بينهما أبدًا، ولا قربى ولا وشيجة مع اختلال وشيجة العقيدة، إن الأسرة الإسلامية ليست مجرد آباء وأبناء وإخوان وأعمام إذا اختلفوا في العقيدة، وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين، وإنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم وأوطانهم، وهذا هو التصور الإيماني المنبثق من وحي الله الكريم".

وبين الشيخ معنى الجاهلية المذكورة في القرآن ردًّا على من يقصرونها على الحقبة الزمنية التي سبقت الرسالة المحمدية، فقال: "إن المسلم الحق لا بد أن يعرف أن الجاهلية ليست صورة معينة لفترة تاريخية قد مضت وانتهت بلا رجعة، وليست مقابل ما يسمى بالعلم والمعارف والرقي والحضارة. وقال في آخر كلامه: وبهذا التعريف الظاهر المنضبط الصحيح يتضح لعبد الله أن لكل قوم في زمان جاهلية".

فبالجملة من أهم نقاطه المنهجية الفكرية تركيزه الصحيح والواعي على قضية العقيدة، لتتحول إلى أمر مهيمن على حياة المسلمين كلها، ولتتحول إلى صورة حية متحركة في واقعهم، وليكونوا بها مواجهين لأعداء الإسلام، وعارفين لجاهليتهم وشركياتهم، وما عليه بعض المسلمين مما وافقوا فيه أهل الكفر في بعض جوانب حياتهم .

وكان رحمه الله شديد التأثر بمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وبدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

 والوعي بفقه الواقع المعاصر، كان من أبرز السمات المنهجية الواضحة في سيرة الشيخ؛ فإنه على الرغم من عنايته بالوحيين: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واهتماماته بقضايا العقيدة والتوحيد واعتماده على النصوص الشرعية في استنباط الأحكام الفقهية، كان يضم إلى ذلك معرفة بالواقع وربط نصوص القرآن والسنة بالوقائع المعاصرة، وكان من الذين تفردوا وتميزوا، فتقدم تقدُّمًا بيِّنًا على كثير من علماء عصره، فكشف خطورة الماسونية والعلمانية قبل أن يكون لهما ذلك الوضوح وتلك الخطورة عند كثير من الناس، بل كان كثير من المسلمين مغترِّين بها، وغير مدركين لخطرها .

وكان يربط التفسير بالواقع المعاصر، وينزِّل الآيات على ما يجدّ في حياة المسلمين،

وألف في الوعي المعاصر ما يبين الانحرافات المعاصرة، ومن ذلك كتابه الذي ألفه عن المنافقين، بيَّن فيه صفات المنافقين وربطها بنفاق العلمانيين والإشتراكيين والقوميين، الذين يأخذون جزءًا من الدين ويتركون جزءًا، ويريدون أن يجعلوا في الإسلام اشتراكية، وينادون بوحدة الأديان، وكان يرد على مقالاتهم وما ينشرونه في صحفهم ومجلاتهم، وألف كتبًا في الرد عليهم، وقد فصل في ذلك تفصيلاً واسعًا وبين مخططات اليهودية، وما أنشأته من المذاهب الوضعية، فكان في هذا الباب نجمًا ساطعًا وعَلَمًا بارزًا .

وكان ذا أصالة علمية، يعتني بالأدلة الصحيحة، فإذا تكلم تكلم بأصالة ومتانة وجزالة، وكان يعرف في المسألة كل ما قيل فيها، وما يعترض على قوله فيها، وما قاله المخالفون وحججهم فيرد عليهم بحجج قوية وبراهين ساطعة. كل ذلك مكنه من مجادلة ومناظرة المخالفين، فكان يخشاه العلمانيون والقوميون والإشتراكيون؛ لأنه كان ينقدهم بأصول مذاهبهم، ويفند نظرياتهم ويهدمها بعزوها إلى الأصول والواقع والبحوث التاريخية، فيكشف زيف باطلهم.

وكان شديد التركيز على توضيح المفاهيم.

لأن كثيرًا من المفاهيم والمصطلحات كان حولها الكثير من اللغط والتبديل والتزوير، واختلافات كثيرة، وإشكالات غامضة غابت على الكثير، فكان يفند الباطل ويكشف زيفه.

 وما وقع فيه المسلمون إلا بسبب الهجمة الاستعمارية، وضعف المسلمين وانهزامهم الروحي والفكري، وتأثرهم وانبهارهم بالغرب الملحد، حتى بدأوا يغيرون المفاهيم، فطفقوا يدافعون عن أنفسهم بروح انهزامية، في ظل شيوع المذاهب الوضعية، كل ذلك وصل بالناس أن بلبل أفكارهم، فارتموا في أحضان العلمانية والماسونية ظانين أن دينهم سليم، طالما ما زالوا يقولون: لا إله إلا الله، ويؤدون الشعائر التعبدية، وإن كانت حياتهم كلها قائمة على مناهج أوروبا الكافرة .

فكان حريصًا على توضيح المفاهيم، سيما في الأمور الأساسية في هذا الدين، فألّف كتاب (إرشاد المسلمين إلى فهم الدين). وقال: "فالإسلام ليس مجرد عقيدة حتى يكتفي أهله بإبلاغها، بل إنما هو حركة تحرير عالمية شاملة".

ومن المفاهيم التي كان يركِّز عليها: مفهوم الدعوة، ومفهوم الجهاد، ومفهوم الجاهلية، وكان مما قال في الدعوة كلامًا نفيسًا، يبين أن الدعوة لون من ألوان الجهاد، فقال: "ولا يطيق ذلك ولا يصبر عليه إلا من صبر على تكاليف الدعوة، وما يصيبه في سبيلها من أذى، قد يزيد الصبر عليها على الصبر في الحروب الدامية، فهناك صبر على الغزو الفكري المتنوع، وصبر على مطاردة الطواغيت والدجاجلة، وصبر على أراجيف الحساد والمنافقين، وصبر على الضعف الذي يعتري النفس، وصبر على الضغوط الجاهلية التي يصطدم بها، وصبر على أذى الجهلة والمتمردين، الذين يرمونهم بشتى أنواع التهم والألقاب، وصبر على طول الطريق ومشقته، وصبر على الفترات التي يجول فيها الباطل، ويتسلط على أهل الحق، إلى غير ذلك من أنواع الصبر، الذي يجب أن يتحمله الداعية في سبيل تمكين الدين وكلمة الله في الأرض".

ولم يغفل الشيخ الجانب الروحي، فقد كان يرى أن التربية الروحية من أعظم أسس النهضة الإسلامية، فوضع منهجًا في التفسير تكلم فيه كلامًا مفيدًا جدًّا، عن تصفية ما يرد على الإنسان من الهمسات والخواطر والآراء والنظريات وفساد المقاصد والتعلق بغير الله"، وبيَّن "أن من أعظم أسباب الهزيمة ضعف التربية الروحية".

وكان يتمتع بنظرية تحليلية، فكان يدرس أصول الإسلام وأركانه وعباداته بنظرة تحليلية، يبين فيها الحكم والمقاصد والغايات، ويبين أنها كلها تشتمل على كل خير، وتدفع كل شر، وسطر في ذلك كلامًا جميلاً يحتاج إليه المسلمون في هذا العصر.

وكان أمامه قضيتان أساسيتان:

أ ـ استغلال جميع الطاقات :فقد كان ينادي جميع المسلمين بأن يستغلوا كل طاقاتهم (أموالهم وجهودهم وأوقاتهم)، ويبين أن هذا مهم وضروري في مواجهة أعداء المسلمين.

 ب ـ الدعوة إلى المجابهة الشاملة لأعداء الإسلام، وأنه لا بد أن نحارب أعداء الإسلام بكل ما حاربونا به، فإن الأعداء غزوا الأدمغة باسم العلم والفن، فلا بد من تكريس الجهود لمقاومة المذاهب الفكرية مقاومة علمية عميقة، حتى فنَّد كل شيء في وقته.

وكان يعمل على نشر العلم والتوعية والتربية الروحية بإلقاء المحاضرات والندوات والدروس وطباعة الكتب ونشرها وتوزيعها، لما لها من عظيم الأثر والفوائد التي تبين للمسلمين حقيقة أعدائهم وخطورة هذه المناهج كلها.

إن حياة الشيخ ومواقفه وكلماته من أعظم ما يحرك الهمة، فقد كان عالمًا صادقًا عاملاً جريئًا غيورًا، أوصى بثلث ما يملك للجمعيات الدعوية ولطباعة الكتب ونشر الإسلام، ولما مرض سافر إلى لندن للعلاج ونصحه الطبيب بالراحة، وكان كثيرًا في أوقات مرضه ما ينسى مواعيد الأطباء، ويتأخر عنها لانشغاله بالدعوة، وانهماكه بشؤون المسلمين.

وصرف جزءًا مهمًّا من وقته في سنينه الأخيرة في كتابة تفسيره للقرآن الذي أسماه: (صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم)، وأُذيع معظمه على شكل حلقات في إذاعة المملكة العربية السعودية، فلقي إقبالاً ورواجًا بين أهل العلم، وفارق الحياة دون أن يتمه.

من أقواله:

"ما أكذب القوميين إذ يقولون: الدين لله والوطن للجميع، الدين لله: صلوا واركعوا وتدروشوا في المسجد، أما الوطن فللجميع: لليهودي والنصراني والدرزي والمجوسي ومن يحكم حكمًا علمانيًّا بقوانين وضعية".

" الناصح لله المحب الصادق في محبته لله لا يحب أحدًا من الطواغيت الحاكمين بلادهم حكمًا علمانيًّا كافرًا، يبيحون فيه الخمور والفواحش والزنا حالة الرضا والمراقص والربا والبلاجات العارية والقمار، ويحلون كل ما حرم الله، ويحكمون بغير شريعة الله، هؤلاء لا يجوز للمسلم محبة أي رئيس من رؤسائهم ولا التبرع في سبيلهم حتى لو ادعوا حرب إسرائيل وهم لو حاربوها فهم كاذبون".

"وجعلت أدمغة الشباب متبلورة بدعاوى الطواغيت. سلاح العدو أقوى، العدو وراءه أمريكا. هذه الكلمات الملعونة تأثر بها العرب، حيث تكونت فيهم هزيمة نفسية واعتذارات للطواغيت المصطلحين مع إسرائيل، بحجة عدم وفرة السلاح".

وكان سماحة الشيخ ابن إبراهيم آل الشيخ، يثني على الشيخ الدوسري، ويطلب منه المشاركة في الحوار ومناقشة المسائل العلمية المطروحة على بساط البحث، وزكاه سماحة الشيخ ابن باز، ومعالي وزير المعارف حسن آل الشيخ، وبعض المشايخ الآخرين.

إن الشيخ الدوسري بحرٌ من العلم لا ساحل له، غيور على حرمات الدين، جسور على مقارعة الطغاة، فكان فريد عصره، ووحيد دهره، ولم يعرف الناس قدره إلا بعد وفاته، إذا وقف خطيبًا انطلق كالسيل المتدفق، يهدر بالعلم، وينثر الدر، ويلهب الحماس، ويستثير المشاعر، ويصدع بالحق.

مؤلفاته:

قد بلغت مؤلفاته أكثر من ثلاثين مؤلفًا، منها: الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، والجواهر البهية في نظم المسائل الفقهية (وهي اثنا عشر ألف بيت)، وإيضاح الغوامض من علم الفرائض، والجواب المفيد في الفرق بين الغناء والتجويد، وإرشاد المسلمين إلى فهم حقيقة الدين، ومعارج الوصول إلى علم الأصول، ومشكاة التنوير على شرح الكوكب المنير، وصفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم، والإنسان العامل الشريف والحيوان الناطق المخيف، والحق أحق أن يتبع... إلخ.

كما كانت له جولات ومحاضرات، وشارك في الندوات، فظل هذا شأنه وديدنه حتى بعد أن تكـاثرت عليه الأمراض، فقد كان صابـرًا، لا يتردد في الاستجابة لإلقاء درس أو محاضـرة، بل كـثيرًا ما يسعى بنفسه دونمـا حرج، ليقوم بمهمة الدعوة والتبليغ.

مرضه ووفاته:

 مرض رحمه الله، وأثقلته الأمراض، ومع ذلك كان يسافر شمالاً وجنوبًا، ويكتب ويؤلف، ويناقش ويرد، ويناضل ويناظر، حتى خطب خطبة في لندن في المركز الإسلامي، ومات في ذي القعدة سنة 1399هـ، ودفن في الرياض.

رحم الله الشيخ الفاضل والداعية الجليل فضيلة الشيخ عبدالرحمن الدوسري، وغفر لنا وله وأدخلنا وإياه في عباده الصالحين.


عدد القراء: 1040

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-