صيد طيور الجراجيح في جزيرة فرسانالباب: ثقافة شعوب

نشر بتاريخ: 2017-05-12 02:33:57

حسن محمد النعمي

لكل شعوب الدنيا تراثها وإرثها الثقافي الخاص بـها، وهي فقط من تتميز به خلاف غيرها من الشعوب الأخرى، ولهذا الإرث الثقافي ارتباط بثقافة كل شعب من هذه الشعوب.

فرسان عالم من التراث والشعر والأدب والتاريخ. عالم من الأهازيج الشعبية التي تصحب طقوسها الحياتية المتعددة.

فرسان جزيرة لا عالم لها سوى البحر، بأمواجه الهادرة، وعواصفه الهوجاء، ودرره الثمينة، وعنبره النادر.

ولنتعرف على ثقافة جميلة خاصة بطيور الجراجيح،  وهي نوع من الطيور المهاجرة في أسراب كبيرة جدًّا من دول أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية لتتوقف للراحة على جزر فرسان في نهاية شهر أبريل وبدايات شهر مايو من كل عام بعد انتهاء موسم سمك الحريد.

وجزر فرسان إحدى محطاتها تبعد هذه الجزيرة عن مدينة جازان حوالي 40 كيلو مترًا تقريبًا بين خط العرض 16.7 شمالاً وخط الطول 41.7 شرقًا، وتقع في القسم الجنوبي الشرقي للبحر الأحمر، وتبلغ مساحتها حوالي 600 كيلو مترًا مربعًا، حيث تضم مجموعة كبيرة من الجزر الأخرى ليصل تعداد جزر جزيرة فرسان إلى 84 جزيرة تقريبًا، ويصل طول شواطئها حوالي 216 كيلو مترًا وتعد فرسان (فرسان الكبرى) هي أكبرها من حيث المساحة والتواجد السكاني، حيث إن مساحتها يصل إلى حوالي 369 كيلومترًا مربعًا وتأتي السقيد (فرسان الصغرى) الثانية من حيث المساحة والتواجد السكاني أيضًا، حيث تبلغ مساحتها حوالي 109 كيلو مترًا مربعًا. وصيد طيور «الجراجيح» رياضة من نوع مختلف وخارجة عن المألوف، الذي يفرض طوقًا حول مفهوم الرياضة والترفيه للمرأة السعودية، وهذا النوع من الصيد الذي تمارسه النساء في جزيرة فرسان، يبدأ بموسم صيد طيور الجراجيح، وهي طيور مهاجرة تأتي خلال شهري نيسان/أبريل، وأيار/مايو من كل عام، وتأتي في أسراب كبيرة يقال إنها في طريقها للهجرة من دول أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية وبحر قزوين، وتحط رحالها على «جزيرة قماح»، إحدى جزر فرسان، بغرض التكاثر أو للراحة ومن ثم مواصلة الرحلة أو في أثناء موسم عودتها صيفًا من أطراف إفريقيا إلى أقصى الشمال، حيث أعشاشها في بحر قزوين والقارة الأوروبية.

وفي هذا الموسم يخرج جميع النسوة من مختلف الأعمار إلى منطقة الصيد التي تنصب فيها المصائد حاملات معهن الأقفاص والشباك مشيًا على الأقدام كموروث اجتماعي تناقله الصغار عن الكبار عبر العشرات من السنين. تخرج النساء على شكل جماعات، ويقمن بنصب المصائد في الأماكن المعروفة لديهن، ولكل عائلة مساحة من الأرض تنصب فيها المصائد، والتي هي عبارة عن أغصان يابسة تغرس متقاربة في الأرض بشكل دائري على شكل أعشاش بارتفاع مترين أو أكثر، وتلف حولها شباك الصيد لتعوق حركة الطير وتسهل عملية اصطياده.

يصاحب ذلك طقوس عدة، منها رقصات وأغانٍ تقام عندما يحالف الحظ إحدى الصائدات، وتجد «الأكحل» في شبكتها، وهو طير مميز، ربما يكون قائد السرب، ويكون مختلفًا عن باقي الطيور في الحجم والشكل، فتقام الأهازيج في بيت من قامت بصيد «الأكحل»، ويجتمعن عندها نساء الجزيرة للغناء والرقص وطرق الطبول. ومن الأعراف المتبعة في صيد «الجراجيح»، عدم التعدي على مصائد الغير، والكل يعرف هذا العرف المتبع في الصيد، ولهذا يبقى الطير في المصيدة، ولا يقترب منه أحد إلا بغرض النظر فقط، إلى أن تحضر صاحبته وتقوم بأخذ حفنة من التراب، وهي غالبًا ما تكون تحتوي على حصى صغير، وتقذف بها في اتجاه الطائر وتستمر في ملاحقته بهذه الطريقة حتى يخرج من بين الأغصان، ويقع في الشبكة، بعد ذلك تعود النساء إلى القرية حاملات صيدهن استعدادًا لعملية الطبخ.

ويعد طير «الجرجوح» الطبق المفضل لتقديمه للضيوف، وهدية خاصة بسكان الجزيرة خلال موسم الصيد، سواءً كان مقليًّا أم مشويًّا، بحسب الرغبة. ولا يقتصر الأمر على النساء فيتوجه من يريد صيد هذه الطيور من الرجال إلى جزر بعيده مستوية قليلة الأشجار والمرتفعات ويبدؤون بوضع الشباك على الشجيرات الموجودة على الجزيرة أو وضع ما يسمى بالصمص على الأماكن المرتفعة لخبرة الأهالي ومعرفتهم بأن أغلب هذه الطيور تفضل الأماكن المرتفعة - والصمص هو عبارة عن عصاتين مرتبطتين بحلقة معدنية في الأسفل وخيط مربوط بالطرف العلوي لإحدى هاتين العصاتين، ويمر خلال فتحه صغيرة في العصا الأخرى، وبعد أن تُضَم العصاتين إلى بعضها تثبت عصا صغيرة في الفتحة الذي يمر الخيط من خلالها، ويوضع هذا الخيط الذي هو على شكل حلقه على العصا الصغيرة، وما أن يقف الطائر عليها حتى تسقط العصا، ويُشد الخيط ليمسك بالطائر - وقديمًا عند حلول موسم الجراجيح كان الناس يرقصون احتفالاً ببدايته وينشدون فيها أشعارًا رقيقة.. وتبدأ هذه الأفراح والرقصات بمجرد صيد أول طائر من النوع الذي يسمونه (بالأكحل) أو (العقوبي)، إذ يحمل أحدهم الطائر على إشارة بارزة (عصا طويلة مثلاً)، ويدور به في الشوارع وبين المنازل, وعندئذ يتجمع الناس حوله ينقرون دفوفهم وطبولهم يغنون ويرقصون معلنين بداية الموسم الراقص، وهذا التقليد عادة متوارثة منذ زمن قديم ومن أغانيهم الشعبية.

ويمثل الجرجوح  أحمر الظهر المعروف محليًّا بالأكحل إلى جانب الرمادي المعروف بيعقوبي أهم أنواع الجراجيح وأكبرها من حيث الحجم، وإلى جانب هذين النوعين يوجد أيضًا الأشهب, والرمادي الصغير المعروف أيضًا بيعقوبي، والمقنع المعروف بالأخرش. وتقدر أعداد الطيور التي تعبر البحر الأحمر في طريق عودتـها للشمال بنحو مليوني طائر. إن طقوس صيد الطيور وطريقة نصب الشباك لها، وما يصحب بداية الصيد من أغانٍ وأهازيج يرددها السكان عبر جزيرتهم، تتجه نحو الاختفاء. وفي ذلك فقدان لتراث ذي قيمة فنية وحياتية ومجتمعية، وهذا أمر يحتاج إلى وقفة وعناية، من أهالي فرسان، ومن الجهات الرسمية ذات الصلة. فإذا كانت كثير من الطقوس ترتبط بالحاجة المادية، وعيش الناس، فإنه يجدر أن ينظر إليها، بوصفها تراث عريق تجب المحافظة عليه، والعمل على استمراره بصفته الثقافية، وإن قل المردود الاقتصادي.

 


عدد القراء: 379

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-