الأبعاد الاجتماعية والنفسية للمعاملة الحسنةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 16:58:15

د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

المعاملة الحسنة أو حسن المعاملة، مفهوم يتضمن العديد من المهارات الاجتماعية والسلوكيات الإيجابية التي تدعم وجود العلاقات الاجتماعية الناجحة بين الأفراد في أي تجمع بشري. وبناءً على ذلك يمكن اعتبار المعاملة الحسنة آلية أو وسيلة لزيادة الترابط والتفاعل بين الأعضاء في أي جماعة سواء كانت الأسرة أو الأصدقاء أو زملاء العمل أو غير ذلك. وإذا كان الإنسان يظهر في علاقاته مع الآخرين صور الود والاحترام والتعاون وغير ذلك من المهارات الشخصية والاجتماعية فإن ذلك يشير إلى تمتعه بذكاء اجتماعي، وبأنه متوافق مع الآخرين حيث التوافق مع الآخرين يعني تحقيق مستوى مرتفع من الصحة النفسية السليمة. وفي بيئة العمل تعد إقامة علاقات إنسانية واجتماعية ناجحة مع الزملاء من رؤساء ومرؤوسين محكًا لمدى تمتع الموظف بالرضا الوظيفي. كذلك فإن للمعطيات الثقافية السائدة في أي مجتمع دور في دعم سلوك المعاملة الحسنة أو تحجيمه، فهناك ثقافات قد تؤكد على أهمية العلاقات الحسنة من أجل المنفعة الآنية، بينما ثقافات أخرى قد تربط المعاملة الحسنة بين الأفراد بغايات أسمى. وسيتم مناقشة هذه القضايا من خلال السياق الأتي في محاولة لإبراز مفهوم المعاملة الحسنة ضمن سياقه النفسي والاجتماعي.  

بالنسبة للمعاملة الحسنة والعلاقات الاجتماعية، فإن العلاقة الاجتماعية تظهر في كافة أشكال النشاط الإنساني سواء في نشاط العمل أو النشاط الترويحي أو النشاط الأسري ،،، إلخ، ومع أن الإنسان مزود بآليات عضوية تمكنه من العيش بمفرده إلا أنه يجد في نفسه دافعًا للاجتماع والتواجد مع الآخرين بل إن ذلك ينعكس ايجابيًّا على نموه بكافة جوانبه، مما يؤكد أهمية العلاقات الاجتماعية مع الآخرين. والعلاقات الاجتماعية قد تكون وقتية أو مستمرة أو دائمة، فالعلاقة الاجتماعية الوقتية تبدأ وتنتهي مع الحدث الذي يحقق هذه العلاقة. أما العلاقات الاجتماعية المستمرة فهي تتصف بكونها طويلة الأمد يغذيها أنواع من المشاعر مثل الثقة والإطمئنان والراحة، مثال ذلك قد تكون هنالك علاقة اجتماعية مستمرة بين البائع والمشتري إذا تحقق للمشتري ما يرجوه من راحة وثقة من ناحية البائع. وبالنسبة للعلاقات الاجتماعية الدائمة فإنها تعتمد على عناصر لها صفة الثبات والاستقرار مثل روابط الدم أو الروابط القومية أو الوطنية، فروابط الأبوة والبنوة مثلاً تعد من أسباب العلاقات الاجتماعية الدائمة.

كذلك قد تكون العلاقات الاجتماعية إيجابية أو سلبية، ومن أمثلة العلاقات الاجتماعية الإيجابية، الصداقة والأخوة في الدين وغير ذلك من العلاقات القائمة على الود والتفهم والاحترام المتبادل والتعاون، ومن أمثلة العلاقات الاجتماعية السلبية تلك العلاقات القائمة على الاختلاف مثل التنافس غير الشريف والصراع والتي يغذيها الحسد والكره. والعنصر النفسي مهم في تماسك وديمومة العلاقات الاجتماعية حيث يذهب بعض الباحثين إلى أن الوجود البيئي أو المكاني، أي وجود مجموعة من الأفراد في مكان ما، لا يعني مطلقًا وجود علاقات اجتماعية أو قيام مجتمع إذا لم تكن هنالك صلات نفسية تعتمد على قيم روحية وأخلاقية. ولذلك يعد الجانب النفسي بما يحويه من مظاهر عاطفية-وجدانية كالمودة والثقة والرفق ولين الجانب، ومظاهر عقلية كإدراك القيم المشتركة من أهم الآليات التي تحافظ على دعم وإنجاح العلاقات الاجتماعية وبالتالي تماسك الجماعة. والمعاملة الحسنة مفهوم يتضمن الكثير من العواطف الإيجابية لذلك يعتبر معززًا للعلاقات الاجتماعية وعاملاً مساعدًا لاستقرارها وديمومتها.

وضمن هذا الطرح، هل يمكن القول أن المعاملة الحسنة تقود إلى الصحة النفسية؟

الواقع أن المعاملة الحسنة تعد ذات تأثير في قدرة الفرد على صياغة علاقات اجتماعية ناجحة، لذا فإن لها بالضرورة علاقة بالصحة النفسية وتكيف وتوافق الفرد مع من هم حوله. ذلك أن قدرة الفرد على إقامة علاقات اجتماعية ناجحة مع الآخرين وتمكنه من المحافظة عليها يعد محكًا لتمتع الفرد بصحة نفسية جيدة. من جانب آخر، فإن الصحة النفسية مفهوم متعدد المعاني حيث يصعب في الواقع إيجاد تعريف شامل يغطي كافة جوانب واهتمامات الصحة النفسية. مثلاً عندما ينظر إلى الصحة النفسية على أنها البرء أو الخلو من المرض النفسي أو المرض العقلي. بمعنى أن الشخص الذي تتسلط عليه مخاوف وأوهام أي يشكو من أعراض المرض النفسي المعروف "المخاوف المرضية" أو الشخص الذي يملؤه شعور بالعظمة الكاذبة أو الاضطهاد الكاذب أي يشكو من أعراض المرض العقلي المعروف "البارانويا" يعتبران غير سليمين من وجهة نظر الصحة النفسية حسب هذا التعريف. ماذا لو وجدنا شخصًا لا يشكو من أعراض المرض العقلي أو النفسي، ولكنه مع ذلك غير ناجح في حياته، وعلاقاته سواء الاجتماعية أو المهنية تتسم بالاضطراب وسوء التكيف، فهل نقول بأنه يتمتع بصحة نفسية جيدة؟

وعلى ذلك فمفهوم الصحة النفسية يفترض أن يكون أكثر شمولاً، ويرتبط بقدرة الفرد على التوافق مع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيه. بمعنى أن يرضى الفرد عن نفسه، وأن يتقبل ذاته كما يتقبل الآخرين، فلا يبدو منه ما يدل على عدم التوافق الاجتماعي، كما لا يسلك سلوكًا اجتماعيًّا شاذًا، بل يسلك سلوكًا معقولاً يدل على اتزانه العاطفي والعقلي، في ظل مختلف المجالات وتحت تأثير جميع الظروف.

وبناءًا على ذلك يمكن القول أن الصحة النفسية تشير إلى:

• كيفية الشعور تجاه النفس.

• كيفية الشعور تجاه الآخرين.

• كيفية مواجهة مطالب الحياة. 

وأن الأفراد ذوي الصحة النفسية الجيدة يتصفون بالآتي:

• أنهم يشعرون تجاه أنفسهم بارتياح ورضا وسرور.

• لا تهدمهم عواطفهم - (مخاوفهم وغضبهم ومحبتهم وقلقهم).

• لا يتوقفون كثيرًا أمام الفشل.

• متسامحون مع أنفسهم ومع الآخرين.

• لا يقللون من أهمية ما يمتلكون من قدرات، كما أنهم لا يبالغون في أهميتها.

• يتقبلون أخطاءهم وتقصيرهم.

• يحترمون أنفسهم.

•يشعرون بأنهم قادرون على مجابهة معظم ما يعترض طريقهم في الحياة.

• ينالون الرضا من مباهج يومية بسيطة.

مواقف ذوي الصحة النفسية الجيدة وعلاقاتهم بالآخرين:

• يتخذون موقفًا صحيحاً تجاه الآخرين.

• يوطدون مع الآخرين علاقات شخصية حسنة ومرضية وثابتة.

• ينتظرون أن يثقوا بالآخرين ويحبونهم ويتأكدون أن الآخرين يحبونهم بدورهم ويثقون بهم.

• يحترمون الفروق التي يجدونها بين الآخرين.

• لا يضايقون الآخرين ولا يسمحون للآخرين بأن يضايقوهم.

• يشعرون بأنهم جزء من المجتمع.

• يشعرون بالمسؤولية تجاه جيرانهم وإخوانهم في البشرية.

مواقف ذوي الصحة النفسية الجيدة في مجالات ومواقف الحياة المختلفة:

• يتمكنون من مجابهة مطالب الحياة.

• يحلون مشاكلهم بأنفسهم كلما ظهرت.

• يتحملون مسؤولياتهم.

• يؤثرون على بيئتهم إذا قدروا ويكيفون أنفسهم لها إذا رأوا ذلك ضروريًّا.

• يضعون الخطط للمستقبل ولا يخافونه.

• يرحبون بالأفكار والاختيارات الجديدة.

• يستخدمون قواهم ومواهبهم الطبيعية.

• يضعون لأنفسهم أهدافًا حقيقية عملية.

• لديهم القدرة على التفكير بأمورهم واتخاذ القرارات اللازمة بأنفسهم.

• يعملون باجتهاد في كل عمل يقع بين أيديهم ويجدون السعادة والرضا في القيام بذلك العمل.

كل ما سبق من خصائص لذوي الصحة النفسية الجيدة يدل على تكيف سليم سواء مع النفس أو مع الآخرين أو مع مواقف الحياة المختلفة. وعكس ذلك سوء التكيف والذي يتم التعبير عنه بفعل شاذ قد يأخذ شكل أمراض نفسية أو أمراض جسمية ذات منشأ نفسي (Psychosomatic) أو أمراض عقلية (ذهانية) أو اضطرابات سلوكية. كذلك يتضح مما سبق أن العلاقة مع الآخرين والقائمة على المحبة والثقة واحترام الاختلافات والشعور بالانتماء وتقدير المسؤولية تجاه الآخرين، لها دور في تحديد مدى اتصاف الفرد بالصحة النفسية. والواقع أن هذه المهارات في العلاقات مع الآخرين تشير إلى أن الفرد يعامل الآخرين بالحسنى وتشير كذلك إلى تمتعه بذكاء اجتماعي. وعليه يمكن القول أن المعاملة بالحسنى تعد صورة من صور الذكاء الاجتماعي. ذلك أن ربط سلوك المعاملة الحسنة بالذكاء الاجتماعي قائم على اعتبارات يبدو أن من أهمها أن المعاملة الحسنة تعد خاصية ذات بعد اجتماعي وأنها تقوم على التعامل بفاعلية مع الآخرين، وكذا فإن الذكاء الاجتماعي يتضمن تمتع الفرد بمهارات شخصية واجتماعية تمكنه من القيام بعلاقات اجتماعية ناجحة.

فالذكاء الاجتماعي Interpersonal Intelligence والذي قد يسمى بذكاء التعامل مع الآخرين يتكون من القدرة على العمل التعاوني والقدرة على الاتصال الشفوي وغير الشفوي مع الآخرين، ويتضمن استعمال فهم الشخص لأهداف الآخرين ودوافعهم ورغباتهم لكي يتفاعل معهم بطريقة مرضية. أيضًا يمكن اعتبار من يراعي مشاعر الآخرين بأنه ذكي اجتماعيًّا. أيضًا يشير مصطلح الذكاء الاجتماعي إلى فهم الناس بكل ما يعنيه هذا الفهم من تفرعات، أي فهم أفكارهم واتجاهاتهم ومشاعرهم وطبعهم ودوافعهم والتصرف السليم في المواقف الاجتماعية بناءً على هذا الفهم. يتضح من ذلك، أن الذكاء الاجتماعي قائم على فهم الآخرين وأنه يمثل القدرة التي نحتاجها جميعًا، وإن كان الفرد يعمل في سلك التعليم أو الطب أو المبيعات أو السياسة فإن حاجته للذكاء الاجتماعي ستكون أكبر. وبالجملة فإن أي شخص يتعامل مع الآخرين فيجب أن يكون حاذقًا في مسألة العلاقة بين الأفراد.

إذاً عندما يكون لدى الشخص تعاطفًا مع الآخرين واهتمامًا بهم ومراعاة لمشاعرهم وفهما لأفكارهم وحالاتهم المزاجية ومتعة في التواجد مع الناس وغير ذلك من الصفات التي تصب في هذا القالب، فإنه يمتلك قسطًا من الذكاء الاجتماعي. والواقع أن كثيرًا من هذه السمات والخصائص تعبر عن سلوك التعامل بالحسنى مع الآخرين، الأمر الذي يجعلنا نعتبر المعاملة بالحسنى صورة من صور الذكاء الاجتماعي.

وفي هذا السياق، لا يمكن اغفال الدور الذي تلعبه العوامل الثقافية في تشكيل سلوك الإنسان جوهريًّا، وبالنسبة للعلاقات مع الآخر فإن هنالك ثقافات قد تعزز سلوك أفرادها نحو تأسيس علاقات اجتماعية ناجحة وبناءة مع الآخرين ومعاملتهم بأسلوب طيب. وهنالك ثقافات أخرى قد تنظر إلى العلاقة مع الآخر على أنها علاقة صراع وتنافس، وعليه قد يميل الأفراد في المجتمع الذي تسيطر عليه هذه الثقافة إلى الإعراض عن التعاون مع الآخرين والبعد عن العمل التطوعي ،،، إلخ. وبالنسبة للمعطيات الثقافية في المجتمعات الإسلامية, فإذا نظرنا إلى المعاملة الحسنة كآلية لنجاح العلاقات الاجتماعية فإن هذا المفهوم أي المعاملة الحسنة في الإسلام يعد إطارًا تنتظم فيه الكثير من الأخلاقيات. والأخلاق في الإسلام لها مكانة عظيمة حيث أشارت كثير من التعاليم الخلقية إلى التحلي بصفات مثل الصدق والأمانة والوفاء والإخلاص والأدب في الحديث وسعة الصدر للخلاف والمجادلة بالتي هي أحسن، إلى غير ذلك من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم على المستوى الشخصي أو في علاقاته مع الآخرين. وكذلك على المستوى العام فالأخلاق تعد حسب وجهة النظر الشرعية صمام أمان لبقاء الأمم والشعوب. إن جملة المنظومة الأخلاقية في الإسلام تسهم وبشكل كبير في تآلف الأفراد داخل المجتمع المسلم وفي بقاء واستمرارية هذا المجتمع، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات، 13).

إذًا فالتعارف وليس التنافر هو أساس العلاقات بين البشر، وكل رابطة توطد هذا التعارف وتزيل عنه العوائق فهي رابطة يجب تدعيمها والانتفاع بخصائصها، كما ذهب إلى ذلك الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه خلق المسلم. كذلك من المهم الإشارة إلى أن الإسلام عندما يدعو إلى أي خلق فإنه يربطه بالجانب التعبدي، ولذلك فغاية المسلم من التحلي بخلق ما كالمعاملة الحسنة مثلاً متصل بغايات أسمى من أي منفعة وقتية، وهذا فارق جوهري بين الطرح الإسلامي وغيره من الأفكار في هذا المجال.

 

أهم المصادر:

- إبراهيم, سليمان عبدالواحد يوسف (2012م). الذكاء الإنساني بين الأحادية والتعددية رؤية تحليلية لأنواع العقول الإنسانية. دار الجامعة الجديدة.

- الجيوسي, محمد بلال (2002م). أنت وأنا: مقدمة في مهارات التواصل الإنساني. مكتب التربية العربي لدول الخليج, الرياض.

- الغزالي، محمد (1408هـ، 1987م). خلق المسلم. الطبعة الأولى، دار الريان للتراث، القاهرة.

- Cavell, T. A. (1990). Social adjustment, Social performance, and social skills: Atria Component model of social competence. Journal of Clinical Child Psychology, Vol. 2 , 111- 122 .

- Gardener, H. (1993). Multiple intelligence the theory in practice, Basic Book. A division of Harber Collins Publishers, inc.

- McFall, R. (1982). A review and reformulation and concept of social skills. Behavioral Assessment, Vol. 8, 3- 10    .


عدد القراء: 247

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة د.محمد العبدالكريم من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-08-08 19:50:11

    كبير الثناء لا يفيكم قدركم وحجم امتناننا لسطور علمكم وبنات فكركم الإنساني الراقي؛ فهذه المقالة المُشعَّة بأسمى معاني الصحة النفسية الفائقة، وجميل التقارب الاجتماعي الإنتمائي المتوازن، تُغذي العقول إدراكاً ورحيق ارتياح، وتوقظ الوجدان همةً نحو رفق التعامل وكفاءة التفاعل بالمحبة والتقدير والثقة في مسارات الود والسلام، بقيم عقلانية روحية ومبادئ حياة نفسية تحفظ ارتقاء العلاقات، وتُزهر بها ترابطاً لا تلوكه هموم التعارضات، وأنتم سعادة د.عبدالرحمن سيدها وتاج وقارها الذي يشهد له القاصي والداني. لك كل التحايا برفيع تقدير وعطِر احترام ..

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-