ستيفن هوكينغ قصة عالم على كرسي متحركالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 17:02:23

ناصر بن محمد الزمل

"عندما سُئل أينشتاين ما شعورك بأن تكون أذكى رجل في العالم، قال حينها: اسألوا نيكولا تيسلا"

لكن لو كان أينشتاين بيننا وسُئل هذا السؤال حتمًا سيقول: اسألوا ستيفن هوكينغ.

يُعد ستيفن هوكينغ من أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم.

 يقول هوكينغ: "ولدت في 8 يناير 1942، بالضبط بعد ثلاثمائة سنة من وفاة غاليليو. مع ذلك، أن حوالي 200 ألف طفل آخرين ولدوا أيضًا في ذلك اليوم. لكنني لا أعرف ما إذا كان أي منهم لديه اهتمام في علم الفلك".

ولد هوكينغ في أكسفورد حينما كانت لندن تقصف من قبل طائرات هتلر، ويُعد هوكينغ نفسه محظوظًا بعائلة متميزة، وخصوصًا زوجته "جين وايلد" التي تزوجها عام 1965، كما يُعد قُدوةً في التحدي والصبر ومقاومة المرض، وإنجاز ما عجز عنه الأصحاء. إلى جانب باله الطويل في مجال العلوم الفيزيائية.

يقول هوكينغ: "لم أكن أعلى فئة في المدرسة، ولكن زملائي كانوا ينادونني بلقب أينشتاين".

في هذه الأيام يظهر حضور ستيفن هوكينغ طاغيًا ووقوفه بجانب عدد من العلماء المؤسسين؛ أينشتاين وإسحاق نيوتن وماري كوري وريتشارد فاينمان وغيرهم. إنه حضور فرضه، وبإبهار شديد، عالِم الفيزياء النظرية وصاحب نظريات علم الكون والثقوب السوداء والديناميكية الحرارية.

ففي الوقت الذي منحه الأطباء فرصة الحياة لعامين إضافيين فقط عقب إصابته بمرض التصلّب الجانبي الضموري وهو في الـ 21 من عمره، كان ذلك في عام 1963، وها هو يدخل الآن بوابة العام 74، وهو أمد أطول مما توقعه الأطباء.

في أواخر عام 1960، تدهورت قدراته البدنية: بدأ باستخدام العكازات وتوقّف عن إلقاء المحاضرات بشكل منتظم. بينما خسر ببطء قدرته في الكتابة، طوّر ستيفن أساليب بصريّة تعويضيّة، بما في ذلك رؤية المعادلات بمنظار هندسي. شبّه الفيزيائي وورنر إسرائيل لاحقًا هذه الإنجازات لتأليف موتسارت لسمفونيّة كاملة في رأسه. ومع ذلك، كان هوكينغ مستقل ورفض بشدة قبول المساعدة أو تقبل التنازلات بسبب إعاقته. وقال إنه يفضل أن يُعتبر "أولاً عالم، ثانيًا كاتب علوم شعبية، وفي كل الأمور التي تهم، إنسان عادي مع نفس الرغبات، المحفّزات، الأحلام، والطموح كالشخص الآخر" فيما أشارت زوجته جين هوكينغ لاحقًا أن "بعض الناس قد تسمي ذلك الإصرار، والبعض قد يسميها العناد. أنا اسميها الاثنين في وقت واحد أو آخر". تطلّب الأمر العديد من المحاولات لإقناعه حتى قبل استعمال كرسي متحرك في أواخر الستينيات، ولكن في نهاية المطاف أصبح معروفًا بقيادته الوحشية للكرسي المتحرك.

في أواخر السبعينيات تدهور كلام هوكينغ، استطاع فهمه فقط أبناء عائلته وأصدقاؤه المقربون. من أجل التواصل مع الآخرين، كان يترجم شخص ما يعرفه جيدًا كلامه إلى خطاب واضح، ومع تطوّر مرض التصلب الجانبي الضموري الذي يعاني منه هوكينغ، تباطأت قدرته على التواصل لتصل إلى كلمة واحدة في الدقيقة.

ومع بدء فقدانه لاستخدام أطرافه، طور طريقة لتصور المشاكل في ذهنه للوصول إلى حل بدلاً من كتابة المعادلات. وقد اقترح بعض زملائه أن هذه الطريقة في التفكير قد أدت إلى أعظم اكتشافاته.

قامت شركة إنتل للمعالجات والنظم الرقمية في عام 1997 بتطوير نظام حاسوب خاص متصل بكرسيه يستطيع هوكينغ من خلاله التحكم بحركة كرسيه والتخاطب باستخدام صوت مولد إلكتروني وإصدار الأوامر عن طريق حركة عينيه ورأسه، حيث يقوم بإخراج بيانات مخزنة مسبقًا في الجهاز تمثل كلمات وأوامر.

وفي الوقت الذي لا يخفي صاحب نظرية "التسلسل الزمني للكون" حبّه للشخصية الأسطورية "سوبرمان" فيقول عنه "إنه الشخص الذي يستطيع القيام بما نعجز عن فعله" لا يبدو، هو، أسيرًا لفكرة تحديات الإعاقة الجسدية، التي أجهزت على صوته بالكامل، إذ إن انشغاله بتقديم إجابات جديدة على أسئلة الكون العظمى وعلى مدار أكثر من خمسين عامًا، كانت كافية، على ما يبدو، لتعلن انتصار إرادة العقل على تحديات الجسد وإكراهاته التي كادت تودي بحياته في أكثر من منعطف صحي من سنوات عمره.

يقول في إحدى أشهر مقابلاته: "الجانب المظلم من كوني واحدًا من المشاهير، هو أنني لا أستطيع الذهاب إلى أي مكان متخفيًا؛ النظارة الشمسية السوداء والشعر المستعار ليس كافيًا، طالما أنني أتحرك على كرسيّ متحرّك مثل هذا".

في كتابه "تاريخ موجز للزمن" الصادر عام 1988، يذهب هوكينغ إلى تقديم تفسيرات للأسئلة المؤسسة في الفيزياء والكون لغير المتخصّصين بها، في نبشٍ اتجه صوب الإجابة على سؤال: هل سيذهب هذا الوجود إلى نهايته؟ وكيف؟

وهو الأمر ذاته الذي درج عليها في كتابه اللاحق "تاريخ أكثر إيجازًا للزمن" الصادر عام 2006 من خلال معالجة قضايا أكثر تعقيدًا كالمدخل إلى الفيزياء الموحّدة التي تشتمل على كل عناصر القوة غير المغناطيسية في الطبيعة في حين أصر على تخصيص كتابه "التصميم العظيم للكون" الصادر عام 2010 للتعامل مع أكثر الأسئلة التي تشغل الفرد العادي حول الكون والوجود والطبيعة، أسئلة تذهب في معظمها حول: متى بدأ الكون؟ لماذا نحن هنا؟ ما هي طبيعة الواقع؟ كيف وُضِع هذا النسق الكوني؟

تتعاظم تخوّفات صاحب "الانفجار العظيم والثقوب السوداء" (1993) من سيطرة العقل الآلي والآلات الذكية (الروبوت) على عالم اليوم كثيرًا، معتبرًا إياها تهديدًا جديًّا محدقًا بالوجود البشري (إنها لا تستولي على وظائفنا فحسب، إنها تجعل من مجتمعاتنا، مجتمعات غير متساوية).

هكذا ينحاز هوكينغ وبشكل صريح إلى العقل البشري الخالص، الذي ومن خلال تطوره وعلوّه يصبح شيئًا فشيئًا أكثر تمدنًا وحضارة، دعا في أكثر من محاضرة إلى ضرورة انطلاق الاكتشافات إلى الفضاء، معتبرًا هذا المجال هو السبيل الوحيد لحماية البشرية من أخطار كثيرة، على رأسها الفناء.

يبدأ مؤلف "نظرية كل شيء" (2002) حديثه بصوت روبوتي معدني منطلقًا من أجهزة التنبؤ الصوتي باستخدام حركة عضلات الخد والحبال الصوتية بالقول: "هل تسمعونني بوضوح؟"، ثم يواصل: "هنالك بعض الحقائق العلمية تبدو أكثر غرابة وجنونًا من الخيال".

وبشغفٍ محمول على روح الاكتشاف والمراقبة، واصل سعيه لتقديم إجابات حول أكثر قضايا الكون إرباكًا لعلماء سابقين حول أسرار الفضاء والكون الفسيح، وعلى رأسها الثقوب السوداء. يقول "إذا وقعت في واحد من تلك الثقوب السوداء، لا تيأس، هنالك دائمًا مخرج، صحيح أنني متحمس لفكرة الرحلة هذه، لكنني لن أخوض تلك التجربة".

يضيف: "إن الثقوب السوداء ليست سوداء كما درج الحديث عنها علميًّا لوقت طويل، إنها بوابة دخول إلى تاريخ جديد، أو إلى مجرة جديدة، لكن البوابة هذه باتجاه واحد؛ إذا ذهبت إلى هناك فلن تتمكن من العودة إلى هذا العالم أبدًا".

وفي الوقت الذي يُعد فيه هوكينغ أعظم عالم فيزياء إلى جانب ألبرت أينشتاين في القرن العشرين، على الأقل من زاوية جرأة الأسئلة الكونية التي يطرحانها، إلا أنه لم ينل جائزة نوبل في الفيزياء، على أي من أعماله ونظرياته (كون هذه الأعمال لم تخضع لتحقّق علمي) وإن كان قد حظي بعدة جوائز وتكريم أخرى رفيعة.

ينصح  هوكينغ المعاقين الآخرين "أن لا تجعل إعاقتك تمنعك ولا تعطل فيك الروح".


عدد القراء: 703

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-