السرد الروائي بين التاريخي والتخييلي في رواية «قواعد العشق الأربعون»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 17:17:53

أ.د. نادية هناوي سعدون

كلية التربية - قسم اللغة العربية - الجامعة المستنصرية – بغداد

الكتاب: "قواعد العشق الأربعون"

المؤلف: إليف شافاق

تاريخ النشر: 2012

الناشر: طوى للثقافة والنشر والإعلام

عدد الصفحات: 511 صفحة

الرقم المعياري الدولي للكتاب ISBN:

13: 9786000274122

 

يشهد عالمنا المعاصر تقويضًا لكثير من المقولات والمفاهيم التي كنا قد اعتدنا على تداولها بدغماطية عالية واعتدادية لا تقبل الدحض ومن تلك المفاهيم مفهوم التاريخ كعلم له حقوله ونظرياته لكن هذا المفهوم تخلخل بفعل الفلسفة ما بعد الحداثية وتضعضع في ظل العولمة وأدبياتها التي فتّت علميته فأتاحت بذلك التعاطي معه مفهومًا معرفيًّا قابلاً للتقولب في حقول الأدب أو الفلسفة أو الفكر أو النقد انطلاقًا من حقيقة أن كتابة التاريخ إنما هي كتابة إنسانية لأخبار جمعت ودوّنت لتكون في الأصل مسرودات أنتجتها ذهنية الإنسان وهذا ما يجعلها قابلة للتصديق والتكذيب وأنها ليست بمعزل تمامًا عن ثنائية الحقيقة/ الخيال.

ولهذا صار ممكنًا التعاطي مع التاريخ من باب أنه مسرودات إنسانية صغرى تضم أخبارًا ومرويات وسيرًا وشخصيات ووقائع وأحداثًا خلّدها التاريخ الرسمي ذاكرًا مآثر أصحابها ممركزًا بطولاتهم وساكتًا في مقابل ذلك عن كل ما هو ليس في صالح من يكتب هذا التاريخ أو من يكتب إليه وهكذا غيبت أحداث وأبعدت تفاصيل وهُمشت أناس وأنكر دورها..

وفي ظل حقبة ما بعد الحداثة انبرى الفكر الإنساني إلى إعادة كتابة ما دوّنه التاريخ الرسمي من مرويات لأجل إنتاج تاريخ جديد يحفل بالمسكوت عنه مهتمًا بالكشف عن أحوال الهامشيين وأخبار المقموعين ليعيد لهم مركزيتهم فيكون لهم فيه مكان ورتبة وهذا هو (محكي التاريخ)..

 ومن هنا ما عادت مادة التاريخ الرسمي حكرًا على المؤرخين وعلماء الآثاريات وإنما هي مشاعة للفكر الإنساني انطلاقًا من رؤية نقد ثقافية ترى إمكانية أن يتولى مهمتها أي مثقف واع بالتنويرية ما بعد الحداثية وما تملكه من أدوات التفكيك والتقويض لأجل إعادة إنتاج المنتج من الفكر الإنساني وفي إطار مستجد وتحفيزي.

وللفنون الإبداعية السردية وفي مقدمتها الرواية دورها الجوهري والصميم في تحقيق هذه الرؤية وتبنيها ونقلها إلى أرض الواقع بفاعلية أدبية وفكرية نظرًا لما يتمتع به فن السرد من مقدرة على رصد الواقع بذهنية تخييلية لأجل كشف المخبوءات ووضع اليد على السلبيات وكشف مناطق الضعف فيه سعيًا نحو حياة توصف في أقل تقدير بأنها جمالية.

وقد لا يتحصل الكاتب الروائي بلوغ هذا المسعى ما لم يفتت زمنية السرد ويتعامل مع الأزمنة بتداخل وتمازج يوصف بأنه لا زمني ليغدو ذلك النهج واحدًا من وسائل التعامل مع التاريخ المدون باتجاه جعله متغلغلاً في الواقع عبر كتابة واقعية تعصرن المؤرشف وتؤرشف المعاصر والبغية استشراف رؤى مستقبلية أو تعميق رؤى الحاضر المعيش وكشف ملابساته أو إضاءة المناطق المعتمة فيه وتنسيق الفوضوي والمشوش منه..

ووفقًا لهذا التصور يصبح التاريخ حيًّا نابضًا بما يمنح الحاضر مزيدًا من الامتداد والعمق وهذا ما يحتّم على الروائي مهمة جديدة في كيفية الإفادة من التاريخ الرسمي مع الاستعانة بالمخيلة في صنع محكي تاريخي ينهض جنبًا إلى جنب التاريخ الوقائعي ليصنع سردًا تاريخيَّا وبذلك يناط بالروائي دور نهضوي جديد ينتظر منه أن يكون بحجم المرحلة التاريخية قادرًا على تأدية المهمة بفاعلية ليكون بديلاً عن المثقف العضوي الذي انزوى متجهًا صوب النهاية وربما مات بتعبير المفكر علي حرب (موت المثقف) الذي وجد أن "ما يجري الآن من تحولات في البنى والعقليات يشهد على أن المثقفين والدعاة لم يعودوا يملكون مفاتيح النهوض والتقدم والتغيير"1 مع أن حرب آمن أن" نهاية المثقف لا تعني موت الحلم .. ولا يعني نقد المثقف النخبوي أو العضوي أن البديل هو المثقف التقني المتغزل داخل دائرة اختصاصه .. بقدر ما يعني أن الدخول في عصر العولمة والوسائط المتعددة يخلق الإمكان لبناء نظام جديد من الوصل والفصل يجسد نمطًا جديدًا من أنماط التعايش والتداول بين البشر.. لتشكيل مخيال عالمي جديد أو لولادة فاعل بشري جديد"2 .

وبهذا المخيال العالمي الذي هو ذاته المخيال الرمزي الذي دعا إليه المفكر الإسلامي الفرنسي محمد أركون يمكننا أن نتعامل مع التاريخ مستعينين بالسرد لإنتاج رواية لا توصف بأنها تاريخية وإنما رواية تاريخ تستحضر حدثًا تاريخيًّا أو سيرة شخصية تاريخية، لتعالجها برؤية واقعية معاصرة مفيدة من تقانات السرد وإمكاناته التخييلية.

وهذا ما مثلته رواية (قواعد العشق الأربعون)3 للكاتبة التركية أليف شافاق التي جعلت البنية السردية عبارة عن خريطة تم وضعها في إطار بنائي ذي رؤيتين إحداهما رؤية فلسفية ترى الوجود مبنيًّا على العناصر الأربعة (التراب الماء النار الهواء) مضيفة إليها العدم لتكون الرؤية الثانية التي انبنت عليها الرواية رؤية مادية تاريخية تؤكد أن الزمن لا نهائي أو هو في الأصل تزامني باعتبار أن الوجود مبني على قانون ديالكتيك الأضداد فلا مجال للثبات إلا بوجود التغيير وهذا التضاد هو أساس الاستمرار ولهذا صارت الحياة صخبًا وهدوءًا حرية وقيودًا خيرًا وشرًا.. وعلى أساس هاتين الرؤيتين توزعت فصول الرواية في أجزاء خمسة تمثلها عناصر الكون الفيزيقية (الهواء/الماء/التراب/النار) مضيفة إليها عنصرًا آخر هو العدم:

الجزء الأول: الأرض الأشياء التي تكون صلبة متشربة وساكنة.

الجزء الثاني: الماء الأشياء السائلة تتغير ولا يمكن التنبؤ بها.

الجزء الثالث: الريح الأشياء التي تتحرك تتطور وتتحدى

الجزء الرابع: النار الأشياء التي تدمر وتحطم.

الجزء الخامس: العدم الأشياء الموجودة من خلال غيابها.

 ثم ينقسم كل جزء إلى فصول تحمل أسماء السراد أو المسرودين بالتناوب ما بين قصتين القصة الأولى تاريخية تستحضر سيرة المتصوف الإسلامي جلال الدين الرومي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي ويعده بعضهم شكسبير العالم الإسلامي وأما القصة الأخرى فمتخيلة محورها مخطوط هو عبارة عن مسودة لرواية عن جلال الدين تحمل اسم (الكفر الحلو).

وسيكون هذا المخطوط هو الأمر الأول الذي منه تشرع الرواية في سحب التاريخ إلى منطقة الواقع بعد أن تتحدد مهمة بطلة القصة (ايلا) في تقييم هذا المخطوط وبيان مدى صلاحيته للنشر أما الأمر الثاني فهو الصداقة التي هي ثيمة مركزية مشتركة بين القصتين السيرية والتخييلية.

والصداقة هنا ليست بمعناها الضيق وإنما بالمعنى الشمولي المهتم بما وراء الوجودي الذي يتعدى حدود الجنوسة ومديات الأمكنة ومحددات الزمان .. لتغدو الصداقة هي تلك العلاقة النورانية الاشراقية بمعناه الفيزيقي والميتافيزيقي مجسدة في العشق الصوفي المنزه عن الماديات والمحلق في اللامرئيات والمتعاطي مع الوجود والعدم بتجليات خاصة وعرفانية ترقى بالعلاقات الإنسانية ما بين (ايلا وازهارا) و(شمس التبريزي وجلال الدين الرومي) حيث لا فارق بين جنس وآخر وفئة وأخرى وهذا ما سيضيئ المناطق المعتمة داخل النفس ويشع على ما حولها بالعرفان" توجد في هذا العالم صداقات قد تبدو غير مفهومة للأشخاص العاديين لكنها في حقيقة الأمر تشكل قنوات تفضي إلى حكمة هي بصيرة أعمق". الرواية /307

ولو أن الرواية اقتصرت على سرد سيرة الصوفي جلال الدين الرومي لكانت رواية تاريخية وعند ذاك لن تتعدى مهمة السرد عملية اجترار السيرة التاريخية وتكراريتها وستكون المحصلة هي التمجيد أو التذكير بسيرة شاعر من القرن الثالث عشر الميلادي كأعظم زعيم روحي مبجل في التاريخ الإسلامي، لكن الكاتبة أليف كانت على دراية أن ما تريد طرحه في الرواية يتعدى حدود الفهم الكلاسيكي للتاريخ إلى فهم ما بعد حداثي يطرح المسلمات جانبًا ويتعامل مع التاريخ بوصفه مسرودًا مدونًا لا غير.

ولذلك وزعت خارطة السرد بين سرد ذاتي وآخر موضوعي مما جعل الرواية متعددة الصوت بوليفونية إذ ليس فيها بطولة فردية لأن كل سارد من السراد هو بطل مثل البغي وردة الصحراء وسليمان السكران وكيميا الفتاة الطيبة وحسن المجذوم والقاتل رأس الواوي والمقاتل بيبرس والتلميذ وسلطان ولد وعلاء الدين.. وكل هؤلاء السراد يتولون السرد بضمير الأنا ولا يتدخل أي راو في ذلك بينما تسرد القصة المتخيلة بسارد موضوعي باستعمال ضمير الغائب من أول الرواية إلى آخرها.. وقد اسهم تداخل بنية المحكي المعصرن ببنية المحكي التاريخي في أن يصادر الساردان الذاتي والموضوعي دور المؤلف والمسرود له، فلم يظهر لهما دور البتة.

وهذه الأصوات الساردة والمسرودة ما كان لنا أن نراها ونشعر بمآسيها وهول أدوارها لولا محكي التاريخ الذي قلب هامشيتها إلى مركزية فكشف لنا حياتهم الهامشية وما كان يقع عليها من قمع الساسة وجورهم وحيف الحكام والسادة ومقدار المعاناة التي تحملوها لنعرف عندها كم أغمط التاريخ الرسمي حقهم وأقصاهم في مقابل تركيزه على الشخصيات الحكيمة والمؤثرة اجتماعيًّا وسياسيًّا ودينيًّا جاعلاً منها الأهم والأساس.

والرواية اعتمدت البناء الدائري فقد بدأت من النقطة التي انتهت بها وهي مقتل شمس التبريزي على يد رأس الواوي ليتم بعد ذلك استرجاع الأحداث "مضت الآن أربع سنوات منذ أن طعنته في ذلك الفناء وألقيت بجسده في البئر". الرواية/19

وإذا كانت الرواية قد اعتمدت سرد سيرة جلال الدين الرومي، فإنها كذلك تعدت السيرة التاريخية إلى ما يجاورها ويوازيها من أمور تاريخية تتعلق باطلاعنا على أساليب العيش وأنواع الغذاء وأنماط التنقل والتدريس والأزياء وأساليب مواجهة الأعداء وما كان الناس يخافونه ويثير قلقهم ويهدد حياتهم في ذلك العصر وغير ذلك من نواح تتصل بطبيعة الحياة آنذاك.

وهذه لوحدها فلسفة فليس المهم الحكام بل المحكومين وما كان للرواية أن تتجه صوب سيرة مريدي الصوفية إلا لأجل استطلاع واقع العوام من الناس وأحوالهم لا سيما المتسولين والمجانين والبغايا والسكارى والمجذومين من ضحايا الحروب والفساد والظلم الذين لم يعطهم المجتمع آنذاك استحقاقهم الإنساني ولذلك لم ينصفهم التاريخ ولم يقر بدورهم في صنعه فقمعهم وسكت عن التوثيق لهم.

ولقد حاولت الكاتبة الدخول إلى تفاصيل حياتهم المعيشة فعرضت أخطاءهم التي انحدرت بهم إلى الحضيض وكيف أن الواقع لفظهم بدلاً من يقوم بإصلاحهم .. ولعلها نجحت في محاولتها، حين كشفت كيف استطاع شمس التبريزي إصلاح البغي وردة الصحراء كما رسمت الطريقة التي بها عقلن الرومي نهج سلمان السكران حتى عرف هذا الأخير حقيقة قدراته وإمكانياته كما كشفت عن البواطن النفسية للذات المؤنثة مثل كيميا الفتاة التي تتلمذت التصوف على يد التبريزي فوقعت في حبه فكانت مأساتها ناتجة عن تعارض مادية الحب وروحانيته وكذلك كيرا المرأة المسيحية التي دخلت في الإسلام لتكون الزوجة الثانية للرومي والتي تقع فريسة تشظي الهوية ما بين الديانتين وبذلك تكون الشخصيتان قد واجهتا الأزمة نفسها متمثلة في حلم الأنثى بالتحرر والمشاركة في ظل مجتمع يرفض هذا الحلم ويزدريه.

ومما عزز الغور في أعماق الواقع للقرن الثالث عشر الميلادي فكرة أن التصوف لم يكن مجرد تأمل يوتوبي خارج إطار الواقع أو غوص حلمي في متاهات اللاوجود وإنما هو تحكيم العقل بالمنطق بهدف العودة بالمزيف إلى الأصل وتدعيم القلب بالعقل وهو ما عمل عليه التبريزي والرومي ومن قبلهم الفلاسفة والمتصوفة من أمثال ابن عربي ورحلته التي ما كانت لبغية فردية أو هدف شخصي وإنما كانت لأجل الإنسانية وتدعيم عرى جمالياتها..

 ولعل هذا هو السبب الذي دفع التبريزي لأن يقصد الرومي كمريد على الرغم من إنه كان عنده تلميذًا انطلاقًا من فكرة أن المؤمن مرآة المؤمن وأن المحبة أساس المؤمن وإن حقيقة الفلسفة ليست مثاليات بعيدة عن واقع الحياة بل هي الخوض في دنيا الوجود لكشف حضيضها ومعرفة حقيقتها ..

ولا غرو أن هذه الرؤية الفكرية توطن مفاهيم التسامح والانفتاح والتعايش الحر والتفاعل الخلاق والحوار المتبادل فالإذعان مثلاً ليس ضعفًا والبحث عن مريد هو الرغبة في المعرفة حتى وإن تطلّب ذلك أن يصبح المعلم مريدًا لتلميذه وهذا ما جعل شمس التبريزي خادمًا للرومي "وهو الذي أراد أن يكون خادمه" وهو الذي أدرك أن رحلته للرومي ستنتهي بفنائه مثل دودة القز التي عليها أن تقتل نفسها لتنتج حريرها "أن دوره في هذه القصة يشبه دودة القز وينسحب هو والرومي إلى شرنقة العشق الإلهي ولن يخرجا منها إلا عندما يحين الوقت وينسج الحرير الثمين لكن في النهاية لكي يعيش الحرير يجب أن تموت دودة القز". الرواية/ 122

حتى إذا تمكن التبريزي من اصطياد قواعد العشق الأربعين تأكد له أن الرومي ليس فيلسوفًا عقلانيًّا حسب وإنما هو شاعر "لقد أصبح لديك قلب يترنم بدلاً من عقل خطيب". الرواية/ 302 وهكذا صار الرومي شاعرًا له ديوان شعر معروف بالمثنوي..

ليغدو الشعر هو الخيط الذي يوصل إلى المحبة والجمال ومع موت كل شمس تبريزي يظهر شمس جديد في عصر مختلف باسم مختلف فالأسماء تتغير وتأتي وتذهب لكن الجوهر يبقى ذاته "يظن الرومي إنه لا يمكن أن يكون شاعرًا لكن يوجد شاعر في داخله شاعر رائع وقد برز ذلك الشاعر الآن نعم إن الرومي على حق فهو ليس من الشرق ولا من الغرب إنه ينتمي إلى مملكة الحب إنه ينتمي إلى المحبوب". الرواية/270

أما الرقص فهو الآخر فن يخلص النفوس من أدرانها فكانت الرقصة التي ابتدعها الرومي هي الرقصة التي ما زال الدراويش يمارسونها في جميع الأزمنة وهي الرقصة التي ستؤديها ايلا لتنتهي الرواية بتوكيد لا زمنية العشق ولا نهائية تمثيله، وأن لا حدود للإيمان لتكون القاعدة التاسعة والثلاثون "مع إن الأجزاء تتغير فإن الكل يظل ذاته .. لأنه مقابل كل صوفي يموت يولد صوفي آخر في مكان ما من العالم.. فإذا انفصلت حلقة منها حلت محلها حلقة أخرى في مكان آخر ومع موت كل شمس تبريزي يظهر شمس جديد في عصر مختلف باسم مختلف إن الأسماء تتغير تأتي وتذهب لكن الجوهر يبقى ذاته". الرواية/492

وبذلك نجح شمس في أن ينقل التصوف إلى واقع عملي ينزل إلى الأسواق والحانات مصلحًا حال البغايا والشحاذين واللصوص والمومسات ومؤديًا غرضًا قد لا تؤديه المثالية بطريقة عملية وواقعية من على المنابر أو الصوامع.

وقليلاً ما تستدعي الكاتبة في سردها التخييلي وثائق من التاريخ المروي تدعم بها محكي التاريخ ولكنها اعتمدت التأرخة كمنزع مذكراتي عتباتي تفتتح بها كل فصل بالتاريخ الميلادي بالشهر والعام لكنها نسيت أن التقويم الإسلامي كان هجريًّا قمريًّا لا شمسيًّا كما وردت في تضاعيف السرد ألفاظ لم تكن متداولة زمن الرومي مثل الحشاش والذكورة والأنوثة "توجد في داخل كل رجل درجة من الأنوثة". الرواية/290

وقد أفادت من السرد بطريقة الرسائل الإلكترونية متلاعبة بالزمن والضمائر السردية ولم تخل الرواية من الاستباق الزمني "ذات يوم ستعرف بصوت الحب في الشرق والغرب سيجد الناس الذين لم يروا وجهك قط إلهامًا في صوتك .. ستكون يا صديقي أحد أجمل الشعراء الذين سيعرفهم العالم". الرواية/304

أما غايتها من الجمع بين قرنين مختلفين الثالث عشر الميلادي والحادي والعشرين الميلادي فكانت تصوير كيف أن الصراعات الدينية وسوء الفهم الثقافي الذي تجسد في احتلالين شهدتهما بغداد الأول مغولي والآخر أمريكي لن يتحقق لهما الإصلاح إلا بالرجوع إلى النفس وتهذيبها بالعشق فهل يعني هذا إن الخانقاه هي المخرج؟ أو إن التكايا والتصوف وحلقات الرقص والدروشة هي التي ستحل أزمة الوجود؟.

إن ما أقدم عليه شمس الدين التبريزي في رحلته من بغداد إلى قونية بحثًا عن مريد جليل لم يكن بحثًا عن مزيد من التأمل والتصوف بقدر ما كان بحثًا عن مخلِّص يخرج العالم من الظلام إلى النور وتوكيد لدور المعرفة التي ستظل في حلقتها دائرية لا نهاية لها ولا رأس لها ولا تابع إذ لا نقطة فيها للابتداء أو الانتهاء.

وهذا ما حدسته ايلا أيضًا حين أهداها زوجها بطاقة عيد الفالانتين فرأتها أشبه بنعي "قالت لنفسها هذا ما سيكتبونه عني عندما أموت". الرواية/10 .. إنها عرفت إن الثبات والحياة العادية لن تديم الحب بل تقتله وإن لا بد من المجاهدة في سبيل قيم الحب والعشق الحقيقي وفي هذا تلاق مع ما رآه جلال الدين الرومي عن الجهاد الداخلي الذي فيه تستعيد الحياة توازنها وقد غالبت النفس والهوى "في واقع الحال لم تكن هناك نهاية فبعد مضي زهاء ثمانمائة سنة لا تزال روح شمس وروح الرومي تنبضان بالحياة حتى يومنا هذا تدوران في وسطنا في مكان ما". الرواية/32

ولهذا اتبعت ايلا نداء القلب لتصل إلى الحكمة التي لا تترشح بضغط الواقع ومنغصاته فوقعت في علاقة حب من نوع خاص مع كاتب مخطوطة سيرة جلال الدين الرومي متأثرة بطريقته الصوفية في العيش التي نقلته من حياة الرذيلة إلى فضاء الفضيلة ومن الإدمان إلى التعرف ومن اللافاعلية إلى الفاعلية الاجتماعية ومن بوهيمية العيش ولا أدريته إلى حياة الإشراق الذي هو بوابة الصدق والحقيقة.

وكأن الفلسفة ما عادت هي المنطق بل هي اللامنطق في التحرر والخلاص .. وهذا ما خلصت إليه القاعدة الأربعون "لا قيمة  للحياة من دون عشق لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده روحي أم مادي إلهي أم دنيوي غربي أم شرقي فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف إنه كما هو نقي وبسيط العشق ماء الحياة والعشيق هو روح من النار يصير الكون مختلفًا عندما  تعشق النار الماء". الرواية/500

وبهذا تكون (قواعد العشق الأربعون) قد جمعت العناصر الأربعة الطبيعة في رواية ما بعد حداثية، استعانت بمحكي التاريخ، واعتمدت تعددية الصوت السردي مع تناوب السرد الذاتي والموضوعي وهذا ما سمح بالمشاركة السردية بين شخصيات العمل الروائي التاريخية والمتخيلة معًا، ومن منظور تبئيري مدَّ التاريخ إلى الواقع، كما جعل الواقع متصلاً بالتاريخ.

 

المراجع:

1 - حديث النهايات فتوحات العولمة ومأزق الهوية، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2004/19

2 -  المرجع نفسه/190

3 - قواعد العشق الأربعون رواية عن جلال الدين الرومي، أليف شافاق، ترجمة خالد الجبيلي، دار طوى للثقافة والنشر والإعلام، لندن، طبعة أولى، 2012


عدد القراء: 753

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-