النموذج المعرفي مدخلاً لفهم الفكر الغربيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 17:35:42

د. بدر الدين مصطفى

أستاذ علم الجمال- آداب القاهرة

المتأمل لتاريخ الفكر العربي الحديث، على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين، سيجد أن محاولات التواصل مع الفكر الغربي (فهمًا، قراءةً، تحليلاً، ونقدًا) لم تنقطع. وقد استندت تلك المحاولات، في معظمها، إلى مواقف أيديولوجية مسبقة تحدد طريقة هذا التواصل وترسم معالمه. ولهذا ظلت تلك المحاولات أسيرة ما تستند إليه، ولم تتجاوز ذلك إلى رؤية أكثر شمولية تسعى لفهم تجربة الوعي الغربي على امتدادها التاريخي، من خلال القوانين الناظمة لها؛ وأعني هنا القوانين التي تستند إلى النموذج المعرفي Paradigm السائد في مرحلة تاريخية ما.

أن أي محاولة للكتابة عن الغرب، خاصة إذا كانت تسعى لأن تكون فاعلة ومؤسسة وتلتزم بالقواعد العلمية، لابد أن تقوم بداية بدراسة "حالة" للمحاولات السابقة عليها وتقييمها، كيما تتدارك مشكلاتها وتدرك أوجه قصورها. خاصة مع الوضع في الاعتبار أن الفكر العربي الحديث لا زال يغلب عليه الطابع الأيديولوجي في التعامل مع الموضوعات المدروسة، بالإضافة إلى سيادة اللغة الخطابية الإنشائية التي تبعد به عن صفة العلمية.

وقد ركزت معظم الكتابات، التي خصصت موضوعاتها لدراسة الفكر الغربي بنتاجاته المختلفة، على قضايا أو ظواهر جزئية ظهرت في الغرب أو حاولت تتبع تاريخ فكرة أو مفهوم أو قراءة مفكر أو فيلسوف. وتراوحت المقاربات ما بين القراءة والتأويل، الوصف والتحليل، العرض والتأريخ، من دون رؤية كلية تربط تلك النتاجات بالقوانين التي أنتجتها. رغم أن محاولة تحديد تلك القوانين سيحول في النهاية دون الانزلاق في فخ الانتقائية، وسيحجم إلى حد كبير الدوافع الأيديولوجية، كما أنه سيخرج الباحث من دائرة الخطابة والإنشاء وسيفرض إطارًا علميًّا صارمًا إلى حد كبير.

لقد تكون الوعي الغربي عبر التاريخ في عدة مراحل، المرحلة اليونانية التي امتدت على مدار خمسة قرون والتي شكلت بمرور الوقت مصدرًا رئيسيًّا من مصادر الوعي الغربي. ثم عصر آباء الكنيسة من القرن الأول حتى القرن السادس حيث تنشأ العقائد على النمط الأفلاطوني الإشراقي اليوناني وتحسم الكنيسة في القرن الرابع الخلاف حولها وتقنن العهد الجديد. ثم من القرن السابع حتى القرن السابع عشر عصر الفلسفة المدرسية المبكرة أو المتأخرة حيث يتم عرض العقائد المسيحية ابتداءً من الفلسفة الأرسطية. وفي أواخر هذه الرحلة يتم نقل التراث الإسلامي العربي العقلاني العلمي من العربية إلى اللاتينية وتصبح أحد مكونات النهضة الأوروبية الحديثة. وتبدأ المرحلة الحديثة للوعي الأوروبي ابتداءً من القرن الرابع عشر (عصر  أحياء الآداب القديمة)، ثم القرن الخامس عشر (الإصلاح الديني)، ثم القرن السادس عشر (عصر النهضة)، ثم العقلانية في السابع عشر، ثم التنوير في الثامن عشر، ثم الوضعية العلمية والمادية في التاسع عشر، ثم القرن العشرين بمدارسه المختلفة وصولاً إلى منتصف القرن وظهور ما اصطلح على تسميته بما بعد الحداثة. لقد كان لكل مرحلة من هذه المراحل الرئيسية معالم فكرية محددة، وكانت هذه المعالم تجليًّا لنموذج معرفي يحكمها ويحدد طبيعتها.  

ماذا يعني النموذج المعرفي إذن؟ وكيف يساعد في فهم التحولات الفكرية التي حدثت في العصور المختلفة؟

في مقدمة الكلمات والأشياء Les Mots et les Choses 1966 كتب ميشال فوكو 1926 - 1984 Michel Foucault رابطًا بين النموذج المعرفي السائد في عصر ما وبين تجليات هذا النموذج ومظاهره داخل ثقافة هذا العصر "إن القوانين التي ينتظم وفقًا لها مجتمع ما، هي ذاتها التي تنظم لغته ومجالات إدراكه، مبادلاته، تقنياته، قيمه، ومراتب ممارساته...لقد أظهرت ثقافتنا أن ثمة نظامًا، وأن التبادلات مدينة بقوانينها والكائنات الحية بانضباطها، والكلمات بتسلسلها وقيمها التمثيلية لصيغ هذا النظام. وقد ارتبطت تلك الصيغ بالمكان والزمان وشكلت القاعدة الرئيسية للمعارف كما هي منتشرة في النحو وفقه اللغة، في التاريخ الطبيعي وعلم الأحياء، وفي دراسة الثروات والاقتصاد السياسي...". ما يقصده فوكو هنا أن ثمة نموذج معرفي يتحكم في البناء الثقافي لكل مجتمع وأي عصر. وأنه إذا ما تم تجريد المجتمع من مظاهره الثقافية وتجلياتها يمكن اكتشاف النظام المعرفي الكامن ورائها. يؤكد فوكو أنه لفهم أي ظاهرة ثقافية داخل المجتمعات، وأيضًا في أي عصر من العصور الرئيسية التي مرت بها البشرية، لابد من اكتشاف النموذج المعرفي أو بتعبيره هو "الصيغة التي يكون عليها النظام".

بناء على ذلك يمكننا القول أن النموذج المعرفي هو ذلك الإطار أو النسق الفكري الذي يحاول أن يصل إلى الصيغ الكلية والنهائية للوجود الإنساني. وتدور النماذج المعرفية حول ثلاثة عناصر أساسية؛ الإله، الطبيعة، والإنسان. وكل مرحلة رئيسية من مراحل الفكر البشري يحكمها نموذج معرفي يحدد علاقات تلك العناصر بعضها ببعض وينظمها. ومعرفة النموذج السائد في كل مرحلة تجعل الإجابة عن الأسئلة الآتية أمرًا ممكنًا: ما هي علاقة الإنسان بالطبيعة؟ هل الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة أم له استقلال نسبي عنها؟ هل الإنسان وجود طبيعي محض أم أنه يتميز بأبعاد أخرى لا تخضع لعالم الطبيعة؟ هل الإنسان سابق للطبيعة، متجاوز لها، أم أنها سابقة عليه، متجاوزة له؟ هل يدرك الإنسان الطبيعة بشكل سلبي متلق، أم بشكل إيجابي إبداعي خلاق؟

محاولات الإجابة عن هذه الأسئلة سيجعل تفسير العديد من الظواهر الثقافية الأخرى أمرًا ممكنًا. لكن هل يعني هذا أن النموذج المعرفي يقدم تفسيرًا لكافة الظواهر السائدة في عصر ما؟ لا يمكن بالتأكيد الزعم بهذا، فهو يقدم إطارًا تفسيريًّا عامًا يشمل معظم الظواهر لكنه لا يحيط بها بالكامل، فدائمًا ما يوجد استثناء. والواقع أن النموذج التفسيري الشامل لا وجود له حتى في العلوم الطبيعية؛ فكل نموذج تفسيري يُفترض كونه شاملاً لكافة الظواهر، لكن يكون ذلك على سبيل الافتراض ويظل التعميم في النهاية مسألة لا يمكن التحقق منها تجريبيًّا، ولهذا أطلق عليها الفيلسوف الإنجليزي كارل بوبر 1902 - 1994 Karl Popper القفزة الاستقرائية  Inductive Jumping .

سؤال آخر أيضًا ربما يكو ن مهمًّا في هذا السياق مفاده؛ هل  النموذج المعرفي الأحدث يلغي النموذج السابق عليه؟ الحقيقة أنه لا يمكن النظر  إلى التاريخ الإنساني في عمومه على أنه يقوم على فكرة الإحلال والتبديل. وبالمثل لا يمكن أن نحدد تاريخًا معينًا يمثل الانتقال من نموذج معرفي إلى نموذج آخر، فالنموذج المعرفي يكشف عن نفسه تدريجيًّا حتى يصبح بمرور الوقت مهيمنًا على التفكير  ومن ثم على الثقافة السائدة، لكن لا يمكن الزعم بأنه يلغي القديم تمامًا أو ينسفه إن صح التعبير. وهذا الفهم أيضًا هو السائد في العلم الحديث؛ إذ لم تلغ فيزياء آينشتين فيزياء نيوتن بل أعطت مساحة تفسيرية أوسع منها.

لو حاولنا أن نطبق ما ذكرناه عن النموذج المعرفي وعلاقته بالأسئلة السالفة، سنجد، على سبيل المثال إذا أخذنا مرحلة العصور الوسطى نموذجًا،  أن هناك توائمًا حدث بين نظرية بطليموس في الفلك التي اعتمدها أرسطو وبين الموقف الذي تبنته السلطة الدينية آنذاك والذي كانت دوافعه دينية في المقام الأول حيث وجدت الكنيسة أن تصور بطليموس لمركزية الأرض يتسق والتصور الديني الذي يكرم الإنسان عن المخلوقات الأخرى. الإنسان أكرم المخلوقات والكون خُلق من أجله. من الطبيعي إذن أن تكون الأرض التي يحيا عليها هذا الإنسان هي مركز هذا الكون وغايته. وقد استدلت السلطة الدينية في العصور الوسطى من هذه الرؤية على مركزية أخرى هي مركزية الكنيسة، فإذا كانت الأرض هي مركز الكون، فالكنيسة هي مركز الأرض. من هنا نستطيع أن نفهم مركزية الدين في العصور الوسطي، فقد أسست السلطة الدينية لنموذج معرفي قوامه فكرة المركزية سواء في العلم أو  في الحياة، وقد حدد هذا النموذج طبيعة الثقافة السائدة ورسم معالم النتاج الفكري آنذاك. هذا النموذج على سبيل المثال ترتب عليه ضياع فكرة الفردية والذاتية، وهي فكرة أساسية في التطور والتقدم، فالكل يعمل من أجل الكنيسة وفي خدمة الإله ولا مجال للحديث عن "الأنا". وهذا النموذج يستطيع أن يفسر لنا موقف إنسان العصر الوسيط من الطبيعة والعالم الخارجي. فلما كان العالم الخارجي نتاج الخطيئة، فقد أصبحت الطبيعة، وما تحتويه من مناظر، نتاج لنفس الخطيئة. لقد كان إنسان العصر الوسيط، ونتيجة لسيطرة النموذج المعرفي الديني، شاخصًا ببصره تجاه السماء لا الأرض.

إن هذا الفهم سيجعلنا ندرك السبب وراء بعض الظواهر الجزئية التي يمكن أن يصادفها المتتبع لتاريخ الفكر الغربي. لماذا، على سبيل المثال، غاب المنظر الطبيعي في الألفية الأولى للمسيحية، مع الوضع في الاعتبار أن عالم الإقطاع والنبالة كان ريفيًّا بالكامل؟ لماذا لم تظهر الطبيعة في أعمال الفنانين إلا في عصر النهضة؟ أسئلة من هذا القبيل لا يمكن الإجابة عنها إلا بالكشف عن النموذج المعرفي المسيطر على فكر العصر الوسيط وثقافته. فقد كان للمسيحية في العصور الوسطى نظرة إلى الأرض تتصف بالتسامي ولا تدرك الأرض إلا من خلال ما تكشفه من رموز. وقد اعتبرت الحواس منحطة ولو سُئل إنسان العصر الوسيط، هل الطبيعة ممتعة أم لا؟ لكانت إجابته أنها غير ممتعة. والنتيجة غياب تام للمنظر الطبيعي في الرسم والشعر. لقد كان الفن في العصور الوسطى جزءًا لا يتجزأ من كل يحتويه. فكان تعبيرًا عن الروح الدينية التي كانت تهيمن على هذا العصر. وتظهر تجليات هذه الروح في كل نواحي الحياة، في السياسة والعلم والفلسفة... إلخ. لذا فإن الفن آنذاك كان فنًّا دينيًّا. ولم يكن العمل الفني عملاً بالمعنى المفهوم، بل كان حرفة أكثر  منه أي شيء آخر، ولم يكن أسلوب الإنتاج فردي، فلم يكن الفنان ينظر إلى نفسه بوصفها ذاتًا مستقلة مبدعة، بل جزءًا من فريق يهدف لإتمام سقف كنيسة ما أو لوحة جدارية أو ترنيمه كنسية. وكما كان أسلوب الإنتاج يغلب عليه الطابع الجماعي، كان أسلوب التلقي أيضًا يتم بصورة جماعية، فمشاهدوا هذا الفن أو مستمعوه كانوا مجموعة من رواد الكنيسة الذين يستهدفونها لأداء صلواتهم. أما الأدب والمسرح فلم يختلفا كثيرًا عن باقي الفنون، فكانت المسرحيات ذات الصبغة الوعظية Morality Plays وتلك التي تقوم على فكرتي "اللغز" و"السر" Mystery plays- والتي تستمد جوهرها من حكايات من الكتاب المقدس- هي المنتشرة آنذاك، أما الشعر فقد كان يستمد موضوعاته كذلك من نفس التراث ويظهر ذلك في ملحمة حكايات كانتربرى Canterbury Tales للشاعر الإنجليزى جيفرى شوسر 1343 - 1400 Geoffrey Chaucer وبعض الأشعار الأخرى الأقل أهمية لشعراء آخرين.

بعد النموذج المعرفي الذي ساد في العصر الوسيط، حدثت النقلة الثانية في الوعي الغربي مع بداية إرساء نموذج معرفي جديد استند في المقام الأول إلى الشرعية العلمية التي أرساها كوبرنيك ثم جاليلو، ومن بعدهما نيوتن. اكتشاف الطبيعة ومحاولة البحث عن قوانينها من أجل الإحاطة بها. لهذا لم يحدث التحول إلى تصوير الطبيعة إلا مع بداية عصر النهضة. حيث تضاءل الخوف من الطبيعة تضاؤلاً سمح بالمراقبة والتصوير للنباتات والطيور. ويفسر دوبريه هذا الأمر إلى التحول الذي حدث في عصر النهضة من الاهتمام بالسماء إلى الاهتمام بالأرض، انتصار للمحسوس على المجرد يقول دوبري "لقد كان المنظر الطبيعي تحويلاً، لكن نحو الأسفل، للنص نحو الأرض، وللروحاني إلى كيانات صلبة، وللنور الإلهي إلى نور أرضي".

"عقلنة الطبيعة" Rationalization of Nature إن شئنا وضع توصيف لطبيعة هذا النموذج. والحال أن عملية العقلنة ستمتد إلى كافة مظاهر الحياة. لذا سنجد أن المنحى الغالب على كافة العلوم والمعارف آنذاك هو المنحى الذي يسعى للكشف عن القوانين التي تحكم طبائع الأشياء وظواهر الحياة. قوانين الفكر مع ديكارت، قواعد المنهج التجريبي مع بيكون، قوانين الاقتصاد مع آدم سميث، قوانين المنظور مع دافنشي، قوانين الحق الطبيعي مع الثورة الفرنسية. وبالإضافة إلى ذلك ستبدأ النزعة الوظيفية للطبيعة في السيادة بداية من القرن السابع عشر، وقد كان هذا متزامنًا مع إرساء ديكارت نموذجًا معرفيًّا قوامه سيادة الإنسان على الطبيعة. لقد وضع ديكارت الذات في مقابل عالم الأشياء، وبذلك عزل الإنسان عن الطبيعة عزلاً تامًا وسار كل منهما في طريق مواز  للآخر دون أن يلتقيا. وعلى الرغم من أنه حفظ للطبيعة استقلالها، إلا أنه جردها من طابعها السحري وقوتها الذاتية، وقدم نظرية للمعرفة قوامها العقل وغايتها أن نجعل أنفسنا سادة قاهرين للطبيعة. هكذا صاغ ديكارت في مستهل العصر الحديث نموذجًا معرفيًّا عقليًّا تزامن مع نشأة العلم الحديث وتأسيس مناهج دقيقة للسيطرة العلمية على الطبيعة بفضل علماء المنهج التجريبي أمثال جاليليو وكبلر ونيوتن وغيرهم. وقد كان هذا التطور إيذانًا باختفاء المفاهيم الكيفية للطبيعة التي سادت البحث الفلسفي من قبل لتحل محلها لغة الكم المستمدة من الرياضيات.

وعلى الرغم من أن عصر التنوير  يمثل ذروة الانقلاب على أفكار العصر المسيحي الوسيط؛ إلا أن الفكرة التي سادت العصر الوسيط والتي مؤداها أن "الإنسان محور الكون" أو ما عرف باسم "المركزية الإنسانية"، قد ظلت كامنة في العقل الغربي إبان عصر التنوير، وحاضرة بصورة مضمرة في الإنساق الفلسفية لفلاسفة هذا العصر. فالإنسان له وضع خاص بين المخلوقات الأخرى في الطبيعة، وعليه فإن له الحق في السيطرة والاستحواذ وتسخير كل ما يرى فيه منفعته أو يجلب له مصلحة ما. هذه المكانة التي منحها الإنسان لنفسه، وعضدتها التصورات الدينية، استمدت مشروعيتها من ثلاثة عوامل: العقل، السيادة، والغائية. فقد استطاع الإنسان بفضل العقل أن يسيطر على الطبيعة ليصبح محور الكون وغايته.

هذه المظاهر هي بصورة من الصور وليدة فلسفات الذات والنموذج المعرفي الذي أرساه ديكارت- الذي رسخ لمقولة الذات في مقابل الأشياء أو ما عرف باسم الثنائية الديكارتية، بحيث انتهى هذا النموذج العقلي بعد سلسلة طويلة من التطورات إلى عقلانية أداتية- وفقًا لأدورنو، وإلى نوع من التقنية المدمرة- على حد وصف هيدجر.

لا يمكن الزعم، بطبيعة الحال، أن النموذج المعرفي الديكارتي مسؤولاً مسؤولية تامة عن جور الإنسان على الطبيعة، أو القول أن الفكر الديكارتي هو السبب الرئيسي للمشكلات البيئية الراهنة، ففي هذا نوع من التجني على ديكارت أو تسطيحًا للمسألة. لكن بالتأكيد هناك نوع من الارتباط بين سيادة النموذج المعرفي الديكارتي بكل مكوناته الفكرية والعلمية، ومظاهر  وتجليات هذا النموذج الثقافية والاجتماعية وحتى السياسية والعلمية، وقد  سبق لتوماس كون 1922 - 1966 T. Kuhn   في كتابه بنية الثورات العلمية Structure of Scientific Revolutions التأكيد على هذا المعنى. وسواء كان هذا النموذج سابق على هذه التجليات أو متزامنًا معًا، فإنه يعكس بدقة الإطار الفكري الذي يحكمها ويوجهها، وهذا بالضبط ما نقصده عندما نقول أن النموذج المعرفي الديكارتي كان انعكاسًا أو تكريسًا لفكرة قهر الطبيعة بالعلم. وقد عضد من سيادة هذا النموذج المعرفي الاكتشافات العلمية المثيرة التي رسخت من شعور الإنسان بالسيطرة على الطبيعة والقدرة على قهرها.


عدد القراء: 305

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-