الفكر السان سيموني بين مصر وفرنسا في النصف الأول من القرن 19مالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 18:29:56

د. حمادة جمال ناجي

باحث ومدرس جامعي - كلية الآداب - جامعة حلوان

ظهر المشروع السان سيموني في فرنسا على يد المفكر الاشتراكي الفرنسي (كلود هنري دي روفروا) كونت سان سيمون، والذي كان من النبلاء الأثرياء في فرنسا وتنسب إلى عائلته مقاطعة سان سيمون الشهيرة في ذلك الوقت، ومع قيام الثورة الفرنسية عام 1789م تنازل سان سيمون عن لقب النبالة نهائيًّا متأثرًا بمولد المجتمع الجديد الذي تغيرت فيه كل الأوضاع السياسية والاجتماعية واختفت منه كل المعتقدات القديمة، وبدأ كتاباته بالدراسات الفلسفية والأخلاقية ووضع مؤلفًا في هذا المجال بعنوان (دروس في الفلسفة الواقعية)، ثم سرعان ما ترك هذا المجال واتجه إلى شرح آرائه ومبادئه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومن أهمها آرائه حول الصناعة باعتبارها أساس المجتمع، كما أنه نظر إلى الصناعة والتصنيع باعتبارهما أهم ما يدعم أفكاره الاشتراكية الجديدة.

تبلور الفكر السان سيموني مع أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وخاصة بعد انضمام أصحاب المدرسة الاشتراكية الخيالية للأفكار السان سيمونية، وأصبحت طبقة الصناعيين هي الطبقة الأولى التي تشمل جميع المنتجين سواء من المزارعين أو ملاك الأراضي أو أصحاب المصارف، وبدأ سان سيمون في نشر المقالات التي تدعم فكرته حول دور الصناعة في تحقيق الرقي بالمجتمع، كما أنه دعا إلى قيام حزب يعتمد على المنتجين لمواجهة ارستقراطية النبلاء وهو ما شرحه بالتفصيل في كتابه الذي نشر عام 1819م تحت عنوان (الحكمة)، أو في كتابه الذي ألفه بمشاركة سكرتيره وتلميذه النجيب أوجست كونت (A. comte)  تحت عنوان (شريعة الصناعيين).

وبعد وفاة سان سيمون عام 1825م، تولى أتباعه زعامة الحزب الاشتراكي في فرنسا، ولكنهم اختلفوا كثيرًا حول تفسير أفكاره، حيث دعا أرمان بازار (A. Bazard) إلى الثورة وإلغاء الملكية الخاصة، وصاغ أوجست كونت (A. comte) فلسفة وضعية محافظة لأنه كان يفضل الملكية الخاصة، وأصبح بعضهم من كبار الرأسماليين وأرباب الصناعة أمثال بريير (periere)، وشيفالييه (M. Chevalier) ، وبيير ليرو(P . leroux)  الذي طور المضمون الاجتماعي لفكر سان سيمون وأشار إلى دور المجتمع في ضبط الملكية الخاصة وتنظيم الصناعة لتلبي احتياجات السكان ونشر ذلك في صحيفتهم (العالم)، وبالرغم من كل هذه الاختلافات إلا أن الأفكار السان سيمونية في فرنسا وجدت تأييدًا كبيرًا من جانب أشخاص كثيرة وزاد عدد أنصارها وانضم إليهم كبار رجال الأعمال في فرنسا والكثير من خريجي المدارس وخاصة مدرسة الهندسة العسكرية التي انضم منها بارتلمي بروسبير إنفانتان (Prosper Enfantin)  الذي انتخب مرشدًا لجماعة السان سيمونيين بعد مدة قليلة من انضمامه لهم.

ولكن تعرض السان سيمونيون في عهد إنفانتان إلى اضطهاد شديد من جانب الحكومة الفرنسية وخاصة بعد مطالبتهم بتخلي الملك عن العرش، مما أدى إلى اعتقال إنفانتان وأربعة من أتباعه بتهمة تهييج الرأي العام، وصدر الحكم عليهم بالسجن لمدة عام، مع حل الجماعة ومصادرة كل أملاكها، ونتيجة لذلك ظهرت الدعوة بين السان سيمونيين للهجرة من فرنسا إلى أي بلد آخر يتبنى كل أفكارهم الاقتصادية، فاستقروا على الرحيل إلى الشرق وخاصة مصر التي ستتيح لهم تنفيذ الكثير من المشروعات وعلى رأسها مشروع حفر قناة تصل البحرين المتوسط بالأحمر.

لذا هاجر السان سيمونيون إلى مصر في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الميلادي، وتجمعوا حول اسم سان سيمون وأفكاره وترأسهم بروسبير إنفانتان الذي لعب دورًا بارزًا في تشجيع مجموعة من شباب الفكر السان سيموني للهجرة خارج فرنسا، وبالفعل هاجر نحو 80 شخصًا من شباب المهندسين والأطباء الفرنسيين إلى مصر وفي مخططهم الكثير من المشروعات السان سيمونية التي تهدف إلى تكوين جيش صناعي منظم على درجة كبيرة من الوعي بالأنظمة الاقتصادية الشرقية المستخدمة آنذاك.

وبدأت الهجرات السان سيمونية إلى مصر في 22 مارس عام 1833م، ثم سرعان ما نجحت الجماعة السان سيمونية في كسب ثقة الوالي محمد علي باشا (1769 – 1849م) عن طريق إقناعه ببعض المشروعات الصناعية وعلى رأسها إقامة سد على النيل في مدخل الدلتا (القناطر الخيرية) لتحسين الري والملاحة ولزراعة أكبر مساحة من الأرض في هذه المنطقة، وبالفعل وافق محمد علي باشا على المشروع ولكنه رفض تعيينهم كموظفين في الإدارة المصرية بصورة دائمة، بل وافق على تعيينهم كمندوبين أو متطوعين فقط يحصلون على أموال نظير عملهم.

وبالفعل وافق الزعيم السان سيموني بروسبير إنفانتان على شرط محمد علي، واكتفى بالعمل في المشروع فقط باعتباره فاتحة الكتاب للسان سيمونيين وبداية لحلمهم الذي يهدف إلى إقامة مدينة سان سيمونية في الأراضي المصرية، وبالفعل كلف محمد علي مهندسًا فرنسيًّا يدعي لينان دي بلفون لإدارة مشروع القناطر الخيرية وساعده في ذلك بعض المهندسين السان سيمونيين أمثال (إنفانتان، ولامبير، وبيير دنيس، وميشيل برونو، وغيرهم)، ولكن حال مرض الطاعون بين السان سيمونيين وفرصة تنفيذ المشروع، حيث مات بسبب هذا المرض الكثير من العمال، وأدت قلة الإمدادات في النهاية إلى إهمال المشروع لعدة سنوات لاحقة.

ولكن لم ييأس المخطط السان سيموني من كل العقبات التي حالت بينه وبين حلم تنفيذ مشروعاته، حيث ساهم السان سيمونيون بشكل كبير في العديد من المجالات المختلفة مثل تقديم محاضرات في الفن والأدب، والتدريس في مدارس الطب والهندسة والألسن، وتأسيس مدرسة للزراعة، والتفتيش عن المعادن في الصحراء، وإقامة نفق شبرا، وإنشاء مدرسة للرسم، وشق الطرق واستصلاح مساحات من الأراضي، وغيرها الكثير من المشروعات المقترحة التي نفذ بعضها ورفض بعضها، كما حاولوا تحقيق هدفهم الأكبر بإنشاء مدينة في مصر تخلد أعمالهم تحت اسم (مدينة سان سيمون الجديدة) ولكنهم فشلوا في ذلك.

وبدأت المشروعات السان سيمونية تميل إلى الانهيار في مصر بمجرد إحساس محمد علي بأن هؤلاء الأجانب يدعون بأنهم هم سبب كل المشروعات المقامة في مصر، كما أن الصحف في أوروبا أكدت على هذه الأخبار التي تُعلي شأن السان سيمونيين على حساب دور الوالي، وبناءً على ذلك رفض محمد علي الكثير من المشروعات السان سيمونية المقدمة إليه، وخاصة (مشروع قناة السويس) الذي رفضه خوفًا من التدخل الأجنبي في مصر. 

ولما كان مشروع حفر قناة السويس من المخططات الأولى التي وضعها سان سيمون ضمن مشروعاته الاقتصادية، دعا السان سيمونيون معظم الدول الأوروبية للمشاركة في تنفيذ مشروع شق قناة تصل البحرين المتوسط بالأحمر، ولتحقيق ذلك شجعوا على إقامة مؤتمر أوروبي يتكون من كل ملوك أوروبا لدراسة هذا المشروع حتى وإن أضطر الأمر إلى انتزاع الدول الأوربية لمنطقة قناة السويس من محمد علي، ومع فشلهم في تحقيق ذلك قرر السان سيمونيون الاعتماد على العمل الفردي لتنفيذ هذا المشروع عن طريق الاتفاق مع القنصلية الفرنسية في مصر بقيادة القنصل (ميمو) الذي حاول جاهدًا إقناع الوالي محمد علي بفكرة إنشاء القناة، ولكنهم فشلوا في إقناعه للأسباب المذكورة في السطور السابقة، وعاد بروسبير أنفانتان وأتباعه إلى فرنسا في أوائل عام 1837م دون أن ينفذوا مشروع  القناة.

وعلى الرغم من فشل المحاولة الأولى للسان سيمونيين، إلا أنهم لم ينسوا المشروع، وبمجرد عودتهم إلى فرنسا أخذوا على عاتقهم مهمة إقناع أصحاب رؤوس الأموال في مختلف الأقطار الأوروبية للحصول على موافقتهم في المساهمة في تنفيذ مشروع القناة، كما قاموا بنشر العديد من المقالات والدراسات في الصحف الأوروبية بشأن هذا المشروع، وكان أشهر هذه المقالات ما نشره أوجست كولان عام 1838م في مجلة (les Deux mondes) حول فائدة إنشاء هذه القناة التي ستسهل حركة السفن بين مصر والعالم، ولكن فشل السان سيمونيون في كل الحلول التي تتيح لهم حق احتكار فكرة تأسيس القناة، وخاصة بعد تدخل الإنجليز لتخوفهم من خطر المشروع على مصالحهم في الهند، مما دفعهم إلى عرقلة كل المساعي السان سيمونية بالاتفاق مع الوالي المصري عباس حلمي الأول لإنشاء خط سكة حديد بين القاهرة والإسكندرية بدلاً من مشروع القناة، كما أن وفاة عباس حلمي وتولية محمد سعيد باشا أدى إلى تغيير دفة المشروع ليدخل في حيز التنفيذ على يد الدبلوماسي الفرنسي فردينان ديليسبس والذي كانت تربطه علاقة صداقة كبيرة جدًّا مع الوالي محمد سعيد مما أتاح له الحصول على امتياز حفر قناة السويس.


عدد القراء: 939

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-