التطرف: قراءة كاس سينشتاينالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 20:12:23

د. حفيظ اسليماني

تخصص مقارنة الأديان - المغرب

في عالم لم يعد يسمع فيه إلا صوت المدفعيات الرصاص، ولغة التكفير، أصبح لزامًا التطرق لظاهرة التطرف والإرهاب من خلال البحث عن الأسباب بغية تقديم الحلول المناسبة الناجعة، تجنبًا لمزيد من التدمير وترويع الآمنين في العالم بأسره، ولإيجاد جيل يؤمن بأن الحق في الحياة حق مقدس للإنسان أي إنسان بغض النظر عن دينه أو لونه، وتأكيدًا على أن الله لا يُعبد بإراقة الدماء. وللوقوف عند ظاهرة التطرف سأتوقف عند رؤية أحد الغربيين وتناوله للظاهرة وسبر أغوارها وهو "كاس. ر. سينشتاين" أستاذ القانون بجامعة هارفارد الأمريكية.

الجماعات والتطرف:

ما الذي يحدث عندما يتكلم الأفراد مع بعضهم؟ هل يقوم أعضاء الجماعة بتسوية الخلافات فيما بينهم؟ إجابة سينشتاين أن الجماعات عند اجتماعها تذهب إلى الحدود القصوى للتطرف، يقول: "بتعبير أدق، فإن من المعتاد أن ينتهي أعضاء الجماعة الذين يتشاورون فيما بنيهم إلى مواقف متطرفة داخل الاتجاه العام للجماعة نفسه، وبصورة أكثر مما كانت عليه قبل أن يبدأ هذا التشاور"1 . وهذا الأمر أي الميل إلى التطرف يحدث عندما يكون الأفراد متشابهون في التفكير وكذلك عندما يكونون في جماعة منعزلة.

من الوسائل الواقعية التي تُوجد جماعة متطرفة أو طائفة دينية وفق طرح سينشتاين، عزل أو فصل الأعضاء عن بقية المجتمع. ويرى أن بالإمكان أن يحدث هذا الفصل على نحو مادي أو سيكولوجي، أو عن طريق وجود إحساس بالشك فيمن هم من غير أعضاء الجماعة، وعن طريق هذا الفصل، يكون بالإمكان عدم تصديق المعلومات والآراء الخاصة بهؤلاء الموجودين خارج نطاق الجماعة، وحينئذ لن يعوق شيء عملية الاستقطاب. نظرًا لأن أعضاء الجماعة مستمرون في التكلم مع بعضهم. وغالبًا ما تكون الجماعات المغلقة التي يتكلم أعضاؤها مع بعضهم تربة خصبة، أي بيئة مواتية للحركات المتطرفة. وكهذا بتعبير سينشتاين فالإرهابيون يصنعون ولا يولدون.

إن تبادل المعلومات الجديدة تعد حسب  سينشتاين من أهم أسباب الاستقطاب الجماعي ومفتاح التطرف في كل أشكاله، يقول: "فغالبًا ما يحدث الاستقطاب الجماعي لأن الأفراد يقولون لبعضهم بعضًا ما يعرفونه، وأن ما يعرفونه يتم تحريفه في اتجاه يمكن التنبؤ به. إنهم عندما يسمعون لبعضهم بعضًا يبدأون بالحركة"2. يوضح سينشتاين بمثال افتراضًا قائلاً: "افترض أنك في جماعة من الناس يميلون إلى الاعتقاد بأن إسرائيل هي المعتدي الحقيقي في الصراع في الشرق الأوسط، وأن أكل لحوم البقر أكل غير صحي، أو أن زواج مثلي الجنس هي فكرة جيدة، وفي مثل هذه المجموعة سوف تسمع الكثير من الحجج لإحداث التأثير المطلوب، وبسبب التوزيع الأولي للأداء فسوف تسمع وجهات نظر معارضة أقل نسبيًّا. ومن المرجح أنك سمعت  بعضًا، وليس كل الحجج أو البراهين التي تنبثق من خلال المناقشة. وبعد أن سمعت إلى كل ما يقال قد تتحول على الأرجح في اتجاه التفكير في أن إسرائيل هي المعتدي الحقيقي...فإن معظم أعضاء الجماعة من المحتمل أن يتأثروا بما سمعوا"3 . إذن يمكننا القول أن أعضاء الجماعة يتأثرون عندما تكون المعلومات قريبة من توجههم وهنا ندرك ما أهمية الخطاب وتأثيره سواء إيجابًا أو سلبًا.

عملية الاستقطاب:

يميز سينشتاين بين تفسيرين مختلفين للاستقطاب الجماعي، أحد التفسيرات يشير إلى أن الاستقطاب يكشف عن المعتقدات والرغبات الخفية، بينما يشير تفسير آخر إلى أن الاستقطاب يخلق المعتقدات والرغبات الجديدة. يرى سينشتاين أن التفسير الأول يذهب إلى أن الناس في كثير من الأحيان يملكون اهتمامات مكبوتة ومتجذرة بعمق، وتظل  تلك الاهتمامات غير معلنة وغير متحققة على أرض الواقع لسبب من الأسباب، يوضح سينشتاين قائلاً: "يمكن أن نقارن قضية المساواة بين النوع. إن الفكرة الكلية التي تقوم عليها عملية رفع الوعي تصمم من أجل الإشارة إلى وجود صور مدفونة (مكبوتة) من الغضب والاعتراض؛ وبمجرد أن يتكلم البشر بعضهم إلى البعض الآخر؛ يظهر الوعي عندما تطفو هذه الصور من الغضب والاعتراض على السطح. فما كان في الماضي يكبت، ربما بسبب عدم الرغبة في اعتراض أولئك الذين يملكون القوة، يظهر الآن في العلن؛ فالناس يكوِّنون اهتماماتهم نتيجة للمناقشات الجماعية. وهنا نجد أن الذي كان بالأمس غير خاضع للتفكير يظهر الآن في المجال العام"4 . إذن النقاش وتبادل الأفكار يحدث اكتشافًا للذات.

أما التفسير الثاني حسب سينشتاين نجد الاستقطاب الجماعي يمكن أن يظهر حتى وإن لم يكن هناك شعورًا مبدئيًّا بالمعاناة؛ إذ ليس هناك إلا القليل من المشاعر المكبوتة، ليبقى إذن الموجود هو التأثيرات الاجتماعية، بما في ذلك جهود مهندسي الاستقطاب. يرى سينشتاين أنه ما أن يبدأ الناس في الحديث إلى بعضهم البعض يخلق عند البعض كثيرًا من الأفكار أو الاعتقادات ربما لم تكن موجودة من قبل. يقول سينشتاين: "بإمكاننا أن نتصور هذه الظاهرة في المجال السياسي، حيث يطور الناس اهتمامًا مبدئيًّا بممارسة ما أو شخص ما.. كأن المعتقدات الدينية والممارسات الدينية تنتج في العادة وتكتسب انتشارًا بهذه الطريقة"5 .

الخروج من الجماعة:

لقد ذهب سينشتاين إلى أن التماسك والروابط الوجدانية يزيد من الاستقطاب، يقول: "عندما يعتقد أعضاء الجماعة أن لهم هوية مشتركة، وبينهم درجة عالية من التضامن والتماسك، فسيوجد الاستقطاب الحاد، ومن أسباب ذلك أن الأفراد إذا شعروا بأن أحد العوامل يوحدهم، فسوف يتم إخماد الخلاف بينهم"6. لا شك إذن أن هذا التماسك الوجداني سيجعل من أفكار الجماعة مقبولة إلى حد ما، وستزداد الجماعة قوة بعد عملية الخروج.

يذكر سينشتاين أنه مع مرور الوقت، يمكن تقوية الجماعة عن طريق الخروج، حيث إن الأعضاء المعتدلين يتركون الجماعة لأنهم لا يرضون بالاتجاه الذي تسير فيه الأمور. يقول سينشتاين: "يؤكد مارك سيجمان (باحث في الإرهاب) على أهمية هذه الحقيقة. فعندما يتحرك أعضاء الجماعة في اتجاه إمكانية العنف، يوجد موقف من الفرز الاختياري والانتقاء الشخصي، وهو موقف لا يبقى فيه داخل الجماعة إلا المؤمنون الصادقون. ويرى هؤلاء المؤمنون أنفسهم باعتبارهم أفضل الأصدقاء وباعتبارهم أسرة بديلة. وهنا توجد أشد الظروف خطرًا بالنسبة للجميع. فالجماعات لا تضم إلا المتطرفين، حيث تربطهم روابط المحبة والتضامن، ولا يميلون للمناقشات إلا بين بعضهم بعضا"7 .  يضيف سينشتاين مبينًا خطورة الخروج وأثره في تقوية الجماعة وزيادة حدة التطرف: "والقضية الأعم هنا هي، أنه عندما يكون بعض الأفراد ميالين بالخروج من الجماعة، يزداد احتمال تحول الجماعة إلى المزيد من التطرف. إذ إن الأمر سيؤول بالجماعة إلى صغر حجمها، وأن يصبح أعضاؤها أكثر تشابها في التفكير، وأكثر رغبة في اتخاذ الإجراءات المتطرفة. وفي نوع من أنواع الدائرة الخبيثة، فإن نفس هذه الحقيقة تعني ضمنًا النقاشات الداخلية سوف تستمر في إفراز المزيد من النزعة المتطرفة"8. هذا نتاج عملية الخروج، إذ تغيب الأصوات التي تنتقد وتبقى فقط الأصوات المريدة لطروحات الجماعة ومن ثمة نكون أمام جماعة جدًّا متطرفة، يكون أعضاؤها حينئذ كالآلة يفعلون ما يطلب منهم دون تردد.

الفهم المتحيز وزيادة حدة التطرف:

يذكر سينشتاين أن من بين العوامل التي تساهم في حدة الانتماء نجد الفهم المتحيز، يقول في ذلك: "إن مجموعة أخرى من النتائج الإمبريقية لتتصل اتصالاً مباشرًا بطبيعة الاستقطاب وحدوده. افترض أنك شكلت جماعة من الأفراد يحبذ نصفها عقوبة الإعدام، ويرفض نصفها الآخر هذه العقوبة. وافترض أنك قدمت للجماعة بأكملها مجموعة من القراءات المتوازنة، والتي تعرض حججًا في كلا الاتجاهين. فما النتيجة التي تميل للتنبؤ بها؟ يتصور كثير من الناس أننا سوف نلاحظ مزيدًا من الاعتدال، ومن ثم سنلاحظ نقص أو انعدام الاستقطاب. فبعد رؤية كل جماعة للحجج المعقولة لدى الطرف الآخر، قد تتحرك كلتا الجماعتين نحو الشك، وبهذا المعنى تتحركان نحو المركز"9. وهكذا حسب سينشتاين بعد قراءة الحجج سيزداد المعارضون لعقوبة الإعدام قوة في معارضتهم ويصبحون أكثر تطرفًا، في المقابل يتصلب المدافعون عن العقوبة. وهذا ما يسميه سينشتاين بالفهم المتحيز، إذ كلٌّ يزداد تحيزًا وإخلاصًا لما يعتقد.

إن المتطرفين كلما رأوا اتجاهًا مضادًا لاتجاههم، فإنهم يزدادون إخلاصًا شديدًا لمعتقداتهم. يقول سينشتاين في هذا الأمر: "إليك نتيجة مزعجة بصفة خاصة. وهي أنه عندما يتم تصحيح المعتقدات الزائفة للأفراد، فقد يصبحون أشد التزامًا أو إخلاصًا لتلك المعتقدات الزائفة للأفراد، فقد يصبحون أشد التزامًا أو إخلاصًا لتلك المعتقدات. افترض، مثلاً، أن المؤيدين لحرب العراق "في الولايات المتحدة الأمريكية" أخبروا، وعن طريق مصادر أخبار يبدوا عليها أنها موثوق بها، وفي مرحلة مبكرة، أن العراق لا يملك في الواقع أسلحة الدمار الشامل. فالملاحظ، أن مثل هذه التصحيحات لا تخفف –غالبًا- من مظاهر سوء الإدراك، كما أنها تقوم أحيانًا بزيادة هذه المظاهرة وتقويتها"10. السؤال المطروح لماذا هذا الإصرار على التشبث بالرأي أو الاعتقاد رغم وجود أدلة تلغيه؟

يوضح لنا سينشتاين هذه القضية: "عد الآن إلى مشكلة الإرهاب، ولاحظ الفكرة التي مفادها؛ أن الديناميات القوية للجماعة، والتي تتسبب في إحداث ما يسميه مارك سينجمان عملية من عمليات "الحب الداخلي للجماعة"، تكفل أن "تتصرف الجماعة" بوصفها غرفة صدى تفاعلية، حيث تشجع هذه الديناميات على تصعيد الشعور بالظلم والإيمان بنظرية المؤامرة إلى أن يصل إلى مرحلة المؤامرة إلى أن يصلا إلى مرحلة الكراهية. ويؤول أمر أعضاء الجماعة على أن يقتصروا على الاعتماد على بعضهم بعضًا حتى يؤكدوا صحة المعلومات الجديدة، كما أن كل أمر يؤمنون به يكون ثمرة التفاعلات داخل منعزلاتهم. وبهذا الشكل "ينبذون المعلومات التي تلخص معتقداتهم بوصفها دعاية صادرة من الغرب. فهنا حالة واضحة من حالات الفهم المتحيز، والتي تحدث بأسلوب يشجع على إحداث استقطاب الجماعة". من وجهة نظري أرى أن الأمر سيزداد حدة مع توفر وسائل الاتصال، بمعنى حتى لو تمت محاصرة المتطرفين من خلال المراقبة الأمنية والتواصل والحوار معهم للتصحيح مسار اعتقادهم، فإن التكنولوجيا ستجعل من هذه المقاربة فاشلة إلى حد ما، وليس هذا فحسب فالتكنولوجيا وسيلة الجماعات المتطرفة للاستقطاب.

علاقة بموضوع الانترنيت والإرهاب يقول: "وحتى 2004، قامت التفاعلات المباشرة بأداء الدور الأساسي في إنتاج الشبكات الإرهابية. وفي سنوات أحدث أصبحت للإنترنيت أهمية عظيمة في هذا الصدد. إذ إن غرف الدردشة والمنتديات المخصصة لاهتمامات معنية تساعد على إلهام كثير من المسلمين الشباب أن ينضموا للحركة الإرهابية الإسلامية... وموجز القول إن التفاعل الذي يتم بين الأفراد المتشابهين في التفكير يتسبب في إحداث استقطاب الجماعة، مع ما يصحب ذلك من العواقب العنيفة"11. وعلى هذا يمكن القول حسب سينشتاين إن الإرهابيين يصنعون ولا يولدون، يصنعون من خلال العمليات الاجتماعية.

في ختامنا لموضوع ظاهرة التطرف الظاهرة القديمة الجديدة، نؤكد على أن مواجهة الظاهرة بحاجة إلى دراسات تشخيصية، كي يتسنى إيجاد الحلول المناسبة لتلك الأسباب، إذ يستحيل على المراقبة الأمنية وحدها موجهة الظاهرة، فلا شك أن الظاهرة يتداخل فيها ما هو أمني وسياسي وثقافي.

 

الهوامش:

1 - الطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها، كاس ر. سينشتاين، ترجمة سميحة نصر دويدار، المركز القومي للترجمة، ط1، 2014، ص: 14

2 - الطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها، كاس ر. سينشتاين، ص: 41 

3 - نفسه، ص: 41 - 42

4 - الطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها، كاس ر. سينشتاين، ص: 53 

5 - نفسه، ص: 54 

6 - نفسه، ص: 68

7 - الطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها، كاس ر. سينشتاين، ص: 71 

8 - نفسه، ص: 72

9 - نفسه، ص: 80

10 - الطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها، كاس ر. سينشتاين، ص: 82 

11 - - لطريق إلى التطرف: اتحاد العقول وانقسامها، كاس ر. سينشتاين، ، ص: 181 - 182


عدد القراء: 96

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-