المقالة الثلاثون في الجراحة أعظم ما أبدعه الطب العربيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 20:24:01

د. محمد الأبرص

طبيب وكاتب سوري

كان الطبُّ أكثر العلوم الطبيعيَّة تطوَّرًا وازدهارًا في العصر الذهبي للحضارة العربيَّة الإسلاميَّة وقد برزت أسماء كثيرة حملت لواء هذا التطوُّر مازلنا حتى بعد أكثر من ألف عام نعرفهم حق المعرفة ونذكرهم بكلِّ فخرٍ واعتزاز، ورغم أنَّ الطب العربي بدأ أول ما بدأ معتمدًا على الكتب التي أمر المأمون وغيره بترجمتها ولكنَّ الأطباء المسلمين أضافوا على طبِّ العالم القديم الكثير فجمعوا المُتفرِّق وأكملوا الناقص وصحَّحوا الخاطئ.

وقد يكون من الإنصاف أن نقول كما قال الفيلسوف والمؤرخ الكبير ويل ديورانت (1885 - 1981) William Durant في موسوعة قصة الحضارة : «إنَّ أبا بكر الرازي هو أعظم أطباء العصور الوسطى وابن سينا أعظم من كتب في الطب في تلك العصور» 1.

فكتاب القانون لابن سينا تفوَّق فور ظهوره على كتب أبقراط وجالينوس واستوعب تقريبًا كل ما كان معروفًا في الطب حتى ذلك الوقت وظلَّ المرجع الأوَّل في هذا العلم الجليل في أغلب العالم لمئات السنين ووصفه الطبيب والمؤرخ الأمريكي الشهير ويليام أوسر (1849 - 1919) William Osler: «بأنَّه أشهر كتاب طبيٍّ في التاريخ البشري كله ... وبأنَّه ظلَّ الكتاب المُقدَّس في الطب medical bible لمدة أطول بكثير من أي كتاب آخر)2 وأمَّا أبو بكر الرازي فيكاد يُجمع أساتذة تاريخ العِلم على أنَّه أعظم طبيب مسلم على الإطلاق فممارساته السريرية وإبداعاته في تشخيص الأمراض المستعصية وكتبه ورسائله شكَّلت علامة فارقة في طب العصور الوسطى.

وإذا ما تركنا ابن سينا والرازي والمشرق الإسلامي ويمَّمنا صوب الأندلس يبرز عَلَمٌ آخر من أعلام الطب وهو أبو القاسم الزهراوي والذي وصفه أحد مؤرخي الغرب المعاصرين بأنَّه حامل لواء الجرَّاحين المسلمين3 ووصل الحدُّ ببعضهم لاعتباره أحد آباء الجراحة والمؤسِّس الحقيقي لها 4 وعلى كل حال فالجراحة كانت أضعف فروع الطب الإسلامي وأقلُّها تطورًا بسبب الاعتراضات الدينيَّة والأخلاقيَّة على تشريح جسم الإنسان حيًّا وميتًا مقابل تطور ملحوظ في الطب العلاجي بالعقاقير والأدوية النباتيَّة والمركبة 5 وهكذا كانت مهمَّة الزهراوي الذي تفرَّغ للجراحة ونَذرَ لها حياته أصعب بكثير من مهمَّة ابن سينا والرازي لأنَّهما وجدا في طب العالم القديم أساسًا متينًا للبناء عليه والانطلاق منه بينما كان على الزهراوي أن يُوجد علمًا جديدًا ويُنشئه ممّا يشبه العدم.

وبعد خمسين عامًا من الممارسة الطبيَّة الجراحيَّة أبصرَ النورَ كتابُه "التصريف لمن عجز عن التأليف" ورغم أنَّه لا يقارن من حيث الأهميَّة والتأثير بالقانون والحاوي ولكنَّ الجزء الأخير منه والمعروف "بالمقالة الثلاثون في الجراحة" أو "عمل اليد" هو الذي خلَّد اسم الزهراوي على مرِّ العصور وجعل منه نموذجًا خاصًا وحالةً فريدة في تاريخ الطب الإسلامي ويمكن اعتبار هذا الجزء الذي خصصه الزهراوي بالكامل للجراحة فاتحة عصر جديد من عصور الطب والأرضية الصلبة التي شمخ فوقها بنيان الجراحة الحديثة 6.

فبين ثنايا المقالة الثلاثون في الجراحة نجد الزهراوي يصف بدقَّةٍ وإتقان الكثير من الأدوات الجراحية التي اخترعها بنفسه ومازال بعضها مستخدمًا حتى عصرنا الحاضر والعديد من العمليات الجراحية التي يؤكد الأدب الطبي أنَّها لم تكن معروفة قبله7 بالإضافة لإجراءات ومواضيع وأفكار كان أَول من تطرق لها، ومنها مثالاً لا حصرًا:

الحديث عن طرقٍ فعَّالة لتعقيم الأدوات الجراحية بالخل والكبريت وكيفيَّة إجراء الضمادات بصورة عقيمة، توصياته بعدم خياطة الغضاريف وبدكِّ الأنف في حالات الرعاف الشديد وتنضير الجروح الملتهبة قبل خياطتها، ابتكار فكرة المفجِّر drain والقسطرة البولية وخزع الرغامى tracheostomy والحقنة الشرجيَّة وسحب حصيات المثانة، وصفَ بالتفصيل طرق إيقاف النزف أثناء الجراحة والعلامات السريريَّة للكسور وطرق إجراء القُطب الجراحيَّة ومنها القطب التجميليَّة intradermal، وبعد ذلك تحدث بكل أريحيَّةٍ ورحابة صدر عن الأخطاء والاختلاطات الجراحيَّة التي وقع فيها خلال مشواره الطويل 8.

لاحقًا تُرجم هذا السِفرُ الجليل إلى اللاتينيَّة على يد جيراردو الكريموني (1114 - 1187) Gerardus Cremonensis وتوالت طباعته وترجماته إلى لغات العالم المختلفة وأُعجب به الشرق والغرب وتأثَّر به كبار جراحي أوروبا في عصر النهضة وهم الذين قامت الجراحة المعاصرة على أكتافهم، يقول ويل ديورانت: «تحتوي موسوعة الزهراوي المسماة بالتصريف عدة أجزاء في الجراحة أصبحت بعد أن تُرجمت إلى اللاتينيَّة المرجع الأعلى في الجراحة قرونًا عديدة» 9.

لاريب أنَّ المتأمِّل لتاريخ العِلم ومسيرته من عصرٍ لعصر ومن حضارة لأخرى سيجد أنَّ كلَّ الأمم والشعوب ساهمت - وإنْ بمقادير متفاوتة - في هذه المسيرة المُتواصلة حتى يومنا هذا، والطبُّ الإسلامي هو مثالٌ واضحٌ على ذلك فقد كان مُتأثّرًا وقائمًا على الطب اليوناني ومُؤثرًا ومنشئًا للطب الأوروبي ولكن الحال مختلفٌ تمامًا مع رائعة الزهراوي "المقالة الثلاثون في الجراحة" والتي كانت كتابًا أصيلاً وجديدًا وإنتاجًا فكريًّا مبتكرًا وغير مُعتمدٍ على ما قبله، ومن الطبيعي بسبب كل ذلك أن نضع هذا الكتاب في صدارة الإبداعات الطبية العربية التي تفتَّق عنها الفكر العربي الإسلامي في أوج ازدهاره.

 

المراجع:

 

1 - قصة الحضارة ويل ديورانت. ترجمة زكي نجيب محمود ومحمود محمد بدران. دار الجيل بيروت لبنان . 1988. ج13 ص196

2-Osler library of the history of medicine : The Evolution Of Modern Medicine . William Osler . Kessinger Publishing 2004 . P71

3 - قصة الحضارة ويل ديورانت. ترجمة زكي نجيب محمود ومحمود محمد بدران. دار الجيل بيروت لبنان . 1988. ج13 ص309

4 - Handbook to Life in the Medieval World . Cosman . Infobase Publishing 2008. P528-530

5 - قصة الحضارة ويل ديورانت. ترجمة زكي نجيب محمود ومحمود محمد بدران. دار الجيل بيروت لبنان . 1988. ج13 ص189

6 - Arabian Medicine and Its Influence on the Middle Ages .  Campbell . London 2001 . p88  

7- Life-enhancing plastics : plastics and other materials in medical applications . Holmes-Walker . London 2004 . p176

8 - المقالة الثلاثون في الجراحة. الزهراوي. تحقيق الدكتور محمد زكور. منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب وزارة الثقافة دمشق. 2006. ص14

9 - قصة الحضارة ويل ديورانت. ترجمة زكي نجيب محمود ومحمود محمد بدران. دار الجيل بيروت لبنان. 1988. ج13 ص309


عدد القراء: 1108

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-