قراءة في كتاب: المشروعات الصغيرة للشباب ما بعد عصر ريادة الأعمالالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 21:29:43

د. أشرف صالح محمد

عضو هيئة التدريس - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة ابن رشد – هولندا

الكتاب: المشروعات الصغيرة للشباب ما بعد عصر ريادة الأعمال

المؤلف: أ.د. هالة محمد لبيب  - جامعة القاهرة

تاريخ النشر: 2017

الناشر: مؤسسة الأمير محمد بن فهد للتنمية الإنسانية – السعودية

عدد الصفحات: 309 صفحة

الرقم المعياري الدولي للكتاب:133 4732 977 978

 

تسهم ريادة الأعمال "Entrepreneurship" من خلال تميز منظمات الأعمال التي تتبنى مفهومها والباحثة عن مزايا تنافسية وحلول مبتكرة لمشكلاتها في مواجهة العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للدول حيث تشجع الشباب على الإبداع والمخاطرة والنظر نظرة عالمية للمجتمع المحلي. وتتنوع تصنيفات منشآت الأعمال طبقًا للحجم أو طبيعة النشاط أو الهدف. فقد تصنف المنظمات من حيث الحجم إلى منشآت صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، ومن حيث طبيعة النشاط التي يشترك الأفراد في أدائها لتحقيق هدفهم فتصنف إلى منشآت صناعية أو تجارية أو استخراجية (زراعة أو تعدين) أو خدمية كالبنوك أو منشآت التأمين أو المستشفيات... إلخ. أما من حيث الهدف الذي تسعى لتحقيقه المنشأة فهناك منشآت هادفة للربح وأخرى غير هادفة للربح كالمنشآت الحكومية أو الخيرية.

ومهما كان شكل المنظمة فإن الإدارة هي الأداة التي تتحكم في تشغيل أي من هذه الأنواع بالطريقة التي تمكنها من تحقيق الأهداف المرجوة بنجاح من خلال اتخاذ القرارات التي تُمكن من القيام بالعملية الإدارية لوظائف المنظمة بكفاءة. وهذه القرارات تتعلق بتخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة أنشطة الإنتاج والتسويق والتمويل والموارد البشرية وغيرها من الأنشطة التي لا غنى عنها لأى منظمة. وبصفة عامة، لا تختلف أساسيات العملية الإدارية في كافة منظمات الأعمال، لكن هذا لا يمنع من انعكاس طبيعة أو حجم أو هدف المنظمة على أساليب وأدوات إدارتها، لذلك يتطلب تحديد هذه الانعكاسات دراسة السمات والخصائص المميزة لكل نوع منها  حتى يمكن مراعاتها عند القيام بإدارتها.

ويسعى هذا المؤلف إلى التعرف على طبيعة المشروعات الصغيرة، لتحديد القرارات المناسبة لإدارتها وذلك من منظور ريادة الأعمال التي تمثل التوجه الحديث لتحقيق التنمية المستدامة على كافة المستويات، بدايةً من مستوى المشروع الصغير وصاحبه رائد الأعمال الشاب وحتى مستوى الاقتصاد القومي. ويُنظّر للمشروعات الصغيرة بعد عصر ريادة الأعمال نظرة أكثر انفتاحًا وتكاملاً، مما يتطلب منا الوقوف أولاً على معنى مفهوم ريادة الأعمال. ويتناول هذا الكتاب مدخلاً جديدًا في دراسة جدوى المشروعات الصغيرة لأنه لا يركز فقط على دراسة جدوى الفكرة، لكن يعطي اهتمامًا خاصًا وأساسيًا لما أطلقت عليه الكاتبة "جدوى البشر/الإنسان"، فوجود فكرة جيدة مع شخص "ليس له جدوى" بمعنى أنه لا تتوافر لديه خصائص رائد الأعمال لن تحقق النتائج المرجوة منها.

يهدف الكتاب إلى سد هذه الفجوة التي مازالت في حاجة للعديد من المؤلفات التي تتناول الموضوع من زوايا مختلفة لافتقار المكتبة العربية  للكتب المتخصصة الموجهة للشباب نحو الاستفادة من العلم وتطبيقه على أرض الواقع تطبيقًا عمليًّا يعتمد على التفكير الابتكاري والإبداع، فالمشروعات الصغيرة تُعد تخصصًا علميًّا معترف به في العديد من الجامعات الأجنبية وتُصدر عنه دوريات متخصصة.

رائد الأعمال:

نظرًا لأن رواد الأعمال من سينفذون عملية الريادة، والتي تجني المجتمعات العديد من الإيجابيات من ورائها، فلابد من الاهتمام بإعداد وتنمية هؤلاء الرواد حتى تنهض بهم المجتمعات. فقد ازداد في الآونة الأخيرة استخدام مصطلح رائد الأعمال "Entrepreneur" وهو مصطلح أصله فرنسي أول مَنْ استخدمه رجل أعمال فرنسي شهير اسمه "جين بابيستيه"، وقد ترجم هذا المصطلح في أوائل الكتابات العربية إلى كلمة "المروج" أو "المنظم"، وأحيانًا كان يُطلق أيضًا على رجل الأعمال في بدايته أو على صاحب المشروع الصغير.

قد يحدث خلط بين عدد من المصطلحات كرائد الأعمال ومدير المشروع والمبتكر ورجل الأعمال أو مالك المشروع الصغير، على الرغم من أن القيام بكل دور منها يحتاج إلى قدرات ومهارات وسمات شخصية تختلف عن الأخرى، لكن هذا لا يمنع من وجود سمات مشتركة بينهم. وأحيانًا قد تنطبق على رائد الأعمال كل هذه المسميات أو بعضها إذا أدى أدوارًا متعددة. فعلى سبيل المثال؛ لا يُعَدّ كل مبتكر رائدًا للأعمال لأنه قد لا يسعى أو يكون قادرًا على أخذ الخطوة المبدئية لتكوين مشروع وتحمل مخاطره. أما إدارة المشروع فتتطلب مهارات إدارية لتشغيله بنجاح لفترات طويلة، بينما تزداد حاجة رائد الأعمال للمهارات الابتكارية والإبداعية أكثر. وعلى الجانب الأخر، ليس كل مدير ناجح يمكن وصفه برائد الأعمال. ويمكن التمييز بينهما لأنه بمجرد استقرار الفكرة الجديدة أو المبتكرة للمشروع وبدء الإنتاج لتحقيق الربح، فإن الحاجة للمهارات الإدارية حينها ستكون هي المطلب الأساسي.

وليس من الضروري أن يكون رائد الأعمال هو مالك المشروع – وإن كان هذا شائعًا في مجال المشروعات الصغيرة- لأن المالك هو الذي ينشئ ويدير المشروع لتحقيق مجموعة من الأهداف الشخصية ويكون المشروع هو المورد الأساسي لدخله، لذلك يستهلك كل وقته وموارده فيه لأنه يعتبر امتدادًا لشخصيته. والخلاصة؛ أن الوظيفة الأساسية لرائد الأعمال هى تقديم الأفكار الجديدة والعمل على الترويج لها، وتجميع رأس المال والموارد الأخرى اللازمة لها وتنظيم هذه الموارد لتحويل هذه الأفكار إلى منتجات تمثل فرصة في السوق، وقد يكون هو المالك والمدير أو أن كل دور يقوم به شخص مستقل، حيث أن لكل موقف ظروفه الخاصة.

المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال:

ساهمت المشروعات الصغيرة والمتوسطة مساهمة واضحة خلال العقود الأخيرة في الأنشطة الاقتصادية للعديد من الدول التي اهتمت بها خاصة فيما يتعلق بإيجاد فرص عمل دائمة. وعلى الرغم من أن ريادة الأعمال مفهوم يمكن تطبيقه على المشروعات الصغيرة والكبيرة- كما سبق وأوضحنا- إلا أن المشروعات الصغيرة حققت أنشطة ريادية لا تقارن بغيرها. فمعظم أنشطة انطلاق وبداية العديد من المشروعات الكبرى والناجحة تمت على مستوى  المشروعات الصغيرة، فهذه المشروعات تمثل مصدرًا مهمًا للإبداع وتقديم المنتجات والخدمات الجديدة، كما تمثل عنصرًا أساسيًّا للتنمية الإقليمية والتماسك الاجتماعي. بل إن محاولة تقييم دور المشروعات الصغيرة له علاقة بجذب الانتباه نحو أهمية دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية وتأثيرها الإيجابي على النمو والتوظيف، وكذلك دور رائد الأعمال في تنفيذ الأفكار المبدعة. وعلى ضوء هذه العوامل، أصبحت الحكومات والمنظمات الدولية تضع المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال كعناصر أساسية في أي خطة أو سياسة تسعى لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية. ويُعرف العديد من الباحثين مالك أو مدير المشروع الصغير على أنه رائد للأعمال – في بعض الأحيان - نظرًا للدور الذي يؤديه في بداية المشروع وإدارته، كما أنه يُعد المسئول الأول عن نجاح المشروع أو فشله. ويرجع ذلك لارتباط المشروعات الصغيرة بشخصية وإمكانيات ومهارات رائد الأعمال. من هذا المنطلق، ركزت دراسات اقتصادية وإدارية عديدة على تأثير خصائص رائد الأعمال على أداء المشروعات الصغيرة خلال مراحل دورة حياتها المختلفة منذ أنشطة تأسيسها ثم خلال حياتها وإدارتها ونموها.

المعوقات التي تواجه رائد الأعمال:

تتعدد المشكلات التي يمكن أن تواجه رواد الأعمال من الجنسين منذ بدء المشروع أو أثناء إدارته – وهم بالطبع قادرون على التعامل معها بكافة السبل- ولكن تيسيرها يمثل دافعًا أكبر للدخول إلى مجال العمل الحر. ومن أهم هذه المشكلات ما يلي: مشاكل تمويلية: تتعلق بكيفية الحصول على رأس المال وإدارة التدفقات المالية والعلاقات مع المقرضين وغيرها. مشاكل إدارية: مثل إدارة الوقت ووضع الأهداف وقياس الأداء والحصول على المعلومات التي يحتاجها المشروع وتوفير العمالة المؤهلة. مشاكل تسويقية: تتمثل في عدم القدرة على الترويج بفاعلية وتكلفة مناسبة وتطوير خطة تسويقية فعالة والتعرف على الفرص وتحديدها والمنافسة وتنفيذ الاستراتيجيات التسويقية وفهم العملاء وتطوير المنتجات والخدمات. مشاكل تكنولوجية: تتعلق باختيار أفضل الوسائل/ الأساليب التكنولوجية وإنشاء نظم معلومات جيدة.

التكنولوجيا في عالم الأعمال الصغيرة:

يُعد استخدام المشروعات الصغيرة لأحدث تطورات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) ممثلة في تطبيقات الحاسب الآلي والإنترنت والمحمول نقطة تحول وتطور جوهرية في شكلها وطبيعتها والفرص المتاحة أمامها. فاستخدام الأساليب التكنولوجية الحديثة في المعاملات ربما لا يوجِد العديد من الفرص لهذه المشروعات فقط، بل قد تمتد فوائدها لتتضمن الحد من العديد من التهديدات والقيود التي تواجهها. فالإنترنت لم يعد مجرد قناة توزيع، بل أصبح مجتمعًا متكاملاً ونمطًا للحياة العصرية. وكما هو معروف أن لكل مجتمع قيمه التي تتحكم في سلوك أعضاءه ورغباتهم وفي نوعية الخدمات التي يرغبون فيها.. إلخ. لذلك فعلى رواد الأعمال التوجه نحو هذه المجتمعات كسبيل لنمو وتطور أفكارهم ومشروعاتهم. فنحن في عصر من أبرز سماته إضافة حرفي الـ (E) أو  (M) كسابقة لأي مفهوم لنعبر بذلك عن عصر تكنولوجيا الإنترنت والمحمول، ولنعني أن المعنى الجديد لهذا المفهوم قد عُدل ليتم بسرعة عالية، وبشبكة رقمية متاحة في أي مكان وزمان.

ومجتمع الشبكات لم يعدّ بدعة كما اعتقد البعض عند بداية ظهوره، لكنه أكد بداية عصر جديد للنشاط الجماعي البشري الذى لم ولن يقلل من قيمة الوظيفة الفريدة للتفاعل البشري وجهًا لوجه في مكان مادي لكنه دون شك أثر فيها من خلال ظهور أنماطًا جديدة متوازية لهذا التفاعل والتي لا يشترط أنها الأفضل لكن لا يجب إغفال أنها أصبحت واقعًا ملموسًا ونمطًا جديدًا للحياة أثر في عوالمها المختلفة ومنها عالم الأعمال الصغيرة والتي يناسب المجتمع الجديد طبيعتها وإمكانياتها.

في الحقيقة؛ تتنوع أوجه الاستفادة من التكنولوجيا وتتمثل تطبيقاتها في ثلاثة مجالات أساسية من الممكن أن ترفع قدرات الأعمال الصغيرة خاصةً ذات الفكر والمهارات الريادية، وهى: برامج الحاسب الآلي الجاهزة (Software): تساعد هذه البرامج على أداء العديد من أعمال المشروع بموارد وجهد ووقت وتكلفة أقل من الأداء اليدوي.

تطبيقات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي: تتضمن العديد من المجالات كالأعمال الإلكترونية والتسويق الإلكتروني وعبر شبكات التواصل الاجتماعي.

تطبيقات المحمول: توفر تطبيقات المحمول (Mobil Applications)، والرسائل القصيرة (SMS)فرصًا للأعمال الصغيرة.

لقد استحق هذا الكتاب الفوز في الدورة الأولى (2016 - 2017) للمسابقة العالمية لتأليف كتاب في مجال تنمية الشباب، نظرًا لأنه يقدم إسهامًا مهمًّا في التصدي لواحدة من المشكلات المعقدة التي تواجه الشباب العربي، وهي البطالة والفراغ وانعدام الثقة في المستقبل وإهدار القدرات والطاقات الذاتية. ولا يقف الكتاب في تصديه هذا عند حد الرؤية النظرية، بل يطرح تجارب عملية، تتعدى مجرد تجهيز مشروعات صغيرة ومتوسطة للشباب، إلى حضهم على الابتكار والتفكير الخلاق في حل مشاكلهم، عبر "ريادة الأعمال"، وهو مسار غاية في الأهمية، والطلب عليه بات مُلحًا في حياتنا العربية المعاصرة.

ومما يحسب للكتاب أنه انحاز لفكرة أن الإنسان هو أهم عنصر من عناصر الإنتاج، ولذا فإن "دراسة جدوى الإنسان" في إطلاق المشروعات الصغيرة والمتوسطة مقدمة على "جدوى فكرة المشروع" أو النظر إلى الإمكانات المادية المتوفرة له. وقد عملت صفحات الكتاب، بنجاح لافت، على تنمية القدرة الإبداعية لدى الشباب، كي يصبحوا رواد أعمال، عبر فتح آفاق جديدة أمامهم في مجالات حاضنات الأعمال، وخطط الأعمال، والأعمال الإلكترونية والمحمولة، ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يسهم في جذبهم إلى عمل مفيد، بدلاً من إهدار طاقتهم في الإحباط واليأس والانفلات الأخلاقي.

وقد انتهجت الباحثة أسلوبًا سلسًا في عرض فكرتها، وقدمت تمهيدًا نظريًّا لكل فكرة، أتبعته بتدريبات عملية غير تقليدية، وبعض الصور، بما جعل محتوى البحث أكثر عمقًا، ومناسبًا لتنمية طبقة رواد الأعمال في شتى البلدان العربية، ومواكبًا للغة العصر، وإضافةً لما تم كتابته ونشره في هذا التخصص الحيوي.


عدد القراء: 238

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-