أثر القرية: الكاتبة سوزان بينكر تقدم أدلة على فوائد التواصل المباشرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-11-06 22:31:16

عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

الكتاب: أثر القرية: لماذا التواصل وجهاً لوجه مهم؟

المؤلف: سوزان بينكر Susan Pinker

تاريخ النشر: 20 مارس 2015

الناشر:  Atlantic Books) March 20, 2015)

عدد الصفحات: 418  صفحة

 

 

أعد المراجعة : كاثرين ويلسون Catherine Wilson

18 أبريل 2015

ترجمة: عمر عثمان جبق

 

منذ عدة أجيال والدراسات في مجال علم الأعصاب وعلم الاجتماع وعلم الأحياء السلوكي وعلم النفس تدعم الاقتراح القائل إن الترابط الاجتماعي والألفة البشرية مفيدان للصحة والسعادة. وتظهر كل هذه الدراسات أن العلاقات القوية هي مؤشرات على طول العمر، وهي أفضل بكثير من التمارين الرياضية المنتظمة والامتناع عن الكحول أو الدخان أو تنفس الهواء النقي أو التمتّع بالصحة.

تبحر سوزان بينكر، أخصائية علم النفس الكندية، في كتابها  أثر القرية: لماذا التواصل وجهًا لوجه مهم؟ بالقارئ في عدد كبير جدًّا من الأدلة التي تدعم فرضيتها أن التواصل وجهًا لوجه مهم جدًّا في عصرنا الرقمي. وتظهر العديد من الدراسات " أننا وحيدون، وغير سعداء أكثر مما كنا في العقود التي سبقت عصر الإنترنت"، و تؤكد بينكر على أن العلاقات الاجتماعية خارج النت تبقى مهمة للصحة كأهمية الطعام والنوم. ويمتاز الترابط من خلال الإنترنت بمحاسن ومساوئ، إلا أن الاستثمار العميق في العلاقات خارج النت يجعل التخلص من أشكال عديدة من الأمراض أكثر احتمالاً (بما في ذلك السرطان) مما لو كنا منعزلين أو غير متواصلين. وإذا كنا من روّاد دور العبادة بانتظام فإنّ المعاناة من أمراض انتكاسية كالخبل أو الجنون تكونُ أقل احتمالاً لدينا.

وتشير الأدلة التي جمعتها بينكر من علم الاجتماع وعلم الجزيئات إلى أنّ لهذا الترابط القوي علاقة بالشعور بالانتماء أكثر من المعتقدات الروحية؛ إذ أنّ الترابط الحميم يحفّز أجسادنا على انتاج الببتيدات العصبية neuropeptides ، مثل هرمون الأوكسيتوسين oxytocin وهرمون الفاسوبريسين vasopressin، التي بدورها تقوي نظام المناعة، وتزيد من مقاومة الإجهاد والضغوطات. ومن ناحية أخرى فإن "العزلة الاجتماعية تقتلنا" جزئيًّا لأنّ تجربتنا الذاتية للوحدة يمكنها أن تؤثر على عملية انتاج الجينات الوراثية، وتوقف عمل المضادات الحيوية.

وعندما تستخدم الكاتبة ضمير المتكلم "نحن" فإنها في الغالب تقصد سكان أمريكا الشمالية. وربما تكون كتابات العلوم العامة للصحفيين مالكولم جلادويل Malcolm Gladwell أو ديفيد بروكس David Brooks قد هيأت قرّاء كتابها المنشودين، إلا أنها تبدو أكثر حذرًا ودقة من العديد من مروجي العلوم (يصادف أن يكون أخوها Steven Pinker عالم الأحياء الثوري من أكثر الكتّاب مبيعًا). ومن الجدير ذكره – للأسف - هو أن أدوات سردها الطويل تضع  الكتاب في 418 صفحة من غير ضرورة لذلك.

تستهل الكاتبة بينكر كتابها بقصة جون ماك كولجان McColgan John المحتاج إلى عملية زرع كلية، وقد وفّرت له دائرة أصدقاءه  الكبيرة ثلاث كلىً متطابقة على الأقل. وكان هذا العرض غير عادي بالنظر إلى أن احتمال وجود كلية متطابقة أمر غير ممكن من الناحية الإحصائية. ما هو المغزى من هذه القصة؟ المغزى هو أن الروابط الاجتماعية القوية يمكنها إنقاذ أرواح البشر.

ومن خلال الكتاب تقوم الكاتبة بينكر بإدراج مثل هذه القصص المقتبسة من دائرة معارفها الاجتماعية أحيانًا، ومن الروايات وتقارير وسائل الإعلام أحيانًا أخرى. وعندما تقول إحدى شخصيات رواية جوناثون سافران فور Jonathan Safran Foer بعنوان كل شيء موضّح Everything Is Illuminated: "يا هكذا تكون القرابة الأسرية"، فإن الكاتبة بينكر تشرح ذلك قائلة: إن الشخصية على حقّ فعلاً، "أم لا!" فتكتب بينكر قائلة: " كتب جان بول سارتر Jean-Paul Sartre  قبل ستين سنة يقول:" الجحيم هو الناس الآخرون." وتقصد هنا أن سارتر كان مخطئًا. ولا تعود الكاتبة إلى كلام سارتر الموجز والمأخوذ خارج سياقه مرة أخرى في بقية كتابها.

وعندما لا تتناسب هذه القصص المدرجة تدريجيًّا مع انسياب السرد تناسبًا جيدًا فإن الكاتبة بينكر تلجأ إلى تغييرات سلسة مثل قولها "قد يكون هذا بمثابة منعطف لطيف في قصتي إذا لم يوضح العديد من النتائج العلمية القوية." والمشكلة هي أن القارئ لا يحتاج إلى مثل هذه المنعطفات والإيضاحات؛ إذ أن الأدلة قوية وواضحة جليًّا. ولكي توضّح بينكر بعض سمات التزامن الجماعي تكتب قائلة إن ابنها إيريك Eric كان يراقب الطيور، وقد لاحظ أن سربًا منها ينطلق في آن واحد. وبعد ذلك تقدم بينكر تفاصيل غير ضرورية للقارئ عن تقرير جسر لندن الألفي London Millennium Bridge حيث "يلحق" الناس بإيقاع مشي المشاة الآخرين.

ولكن القارئ الذي يُخاطب بضمير المخاطب يفهم ذلك جيدًا، على الرغم من أن صوت الكاتبة بينكر السلطوي قد يبدو كمن يتعامل مع طفل صغير. ولدى شرح الكاتبة للقوى الاجتماعية التي تؤثر في سلوكنا تلاحظ قائلة:" يطلق علماء الاجتماع على هذه الآثار الدقيقة "عوامل الشبكة الخارجية"  التي هي في الواقع عبارة عن طريقة رائعة للقول إن المتعة والفائدة من قيامنا بأشياء سويةً تفوق قيام المرء بهذه الأشياء وحيدًا." وكنّا قد فهمنا ذلك مسبقًا. فهمناه قبل فصلين مضيا من الكتاب!

وفي النهاية لا بد من الاعتراف أن بينكر تقدم لنا قصصًا جميلة في طيات الكتاب. وتمنح تجاربها المفيدة مع إحدى القرى البعيدة في مدينة سردينيا الإيطالية البعد الإنساني والوجداني لأدلتها العلمية الهائلة التي تظهر أن المجتمع، بالمقياس البشري، مهم جدًّا للصحة الجيدة وطول العمر والسعادة.


عدد القراء: 226

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-