أسطرة اليومي رولان بارتالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-11-06 22:52:12

ياسمين الحضري اللّحياني

تونس

"رولان بارت" شخصيّة عصره ذو الوجوه المتعدّدة، فهو ناقد ومفكّر اشتغل على تفاصيل الحياة الثّقافيّة في أبعادها المختلفة، كما اهتمّ بقراءة الرّواية والنّصوص ونقدها، بالإضافة إلى ذلك مارس التّأويل وتعمّق في الدّراسات اللّغويّة والسيميولوجيّة بكلّ فروعها لذلك لا يمكن تصنيفه ضمن تيّار أو مدرسة معيّنة، فلرولان عالمه الخاصّ به إذ يرفض تمامًا من يلتقي معه فيتركك دائمًا باحثًا راكضًا وراء المعرفة غير قادر على تصنيفه شأنك شأنه فهو لا يرضى بالوصول يكره الاستقرار، فتراه يطوّر ويجدّد المفاهيم والمصطلحات، يكوّن لغة خاصّة به وكذلك المفردات كما يحلّق في حقول سيميولوجيّة مختلفة.

أدرك بارت أنّ مستقبل السّيميولوجيا رهين تطبيقاتها خارج حقول لسانيّة تهتمّ بالعلامات إذ تحوّل اهتمامه السيميولوجي إلى تقاطع مع الحياة اليوميّة في جانبها الثقافي والتواصلي، فاهتمّ بقراءة الصّورة وهو ما يظهر جليّا في كتابه الغرفة المضيئة من خلال تأمّلات في الفوتوغرافيا، كما اهتمّ بالثقافة الجماهيريّة التي فرضها المجتمع البورجوازي من خلال مؤلّفه "أسطوريات" "أسطرة الحياة اليوميّة" وهو كتاب في الحقيقة يربط ديناميّة التاريخ وتدوينه بشؤون الحياة اليوميّة والمجتمع وقضاياه.

إنّ الصّورة الأسطوريّة للحياة اليوميّة التي ينقلها بارت هي انعكاس لحياته الرّاهنة آنذاك تنقل "تفاهة التفكير البورجوازي" إن صحّ التّعبير من ناحية وتعلن عن نوع من الفضول إزاء كلّ ما يراه ويسمعه بارت من ناحية أخرى ولعلّ قارئ كتاب "أسطوريات" "أسطرة الحياة اليوميّة" سيلمس هذا ولا سيّما في التفاصيل الصّغيرة إذ يحلّل الذّوق العامّ ويقوم في الآن ذاته بتحليل العلاقة بينه وبين الغرض كالصّابون، لعب الأطفال ....

نجد أنفسنا أمام سرد روائي ينقل الأحداث والفعاليّات والتّظاهرات كما حصلت، ينقلها بواقعيّة مطلقة "فالزّمن البشري" يتمّ التعبير عنه بطريقة سرديّة فهنالك ترابط وثيق بين الزّمن والنشاط السّردي الذي يقوم به بارت من خلال سرد النشاطات اليوميّة وهي في الحقيقة تعبير عن حالة تفاعل الذّات مع المحيط الاجتماعي. فهل يمكن إدراج مثل هذا الفعل "فعل نقل ما هو يومي" ضمن "فنّ العيش" أو "استيطيقًا الوجود"؟

يعتمد بارت على السّرد في نقل واقعه المعاش آنذاك الذي يمكن أن تحتمله الصّورة ثابتة كانت أو متحرّكة كذلك هو حاضر في الأسطورة والخرافة والأقصوصة إذن هو حاضر في كلّ الأزمنة والأمكنة فهو يبدأ مع التاريخ البشري ذاته على رأي بارت الذي يقرّ بأنّ "السّرد موجود دائمًا وأبدًا، لأنّه يوجد حيثما وجدت الحياة ذاتها."1

فإلى أيّ مدى يكون السّرد قادرًا على نقل الواقع؟ ما هو مفهوم الأسطورة المتداول في الموروث الشّائع؟ إلى أيّ مدى يمكن اعتبارها نظام اتّصال وتواصل؟

في الحقيقة أنّ كلّ شيء يخضع للخطاب يمكن أن يكون أسطورة، فالواقعي واليومي بإمكانه أن يتحوّل من معاش إلى محكي ومقول وهنا نلاحظ تغيّرًا واضحًا في السّياقات، والأسطورة اليوم يمكنها أن تنبع من السّينما، الصّورة الفوتوغرافيّة التي تنقل بدورها الواقع وتعبّر عنه. في البداية لا بدّ أن نحدّد مفهوم الأسطورة المتداول في الموروث حتّى يؤمّن لنا ذلك سلامة وأمن الطّريق، إذن إنّ في تعريف الأسطورة في الموروث الشّعبي نُجمع على أنّها تلك الخرافة التي تستوعب شخصيّات غير عاديّة ومختلفة لا تمتّ للواقع بصلة للإنسان العادي "فالتّفكير الأسطوري يعبّر عن منهجيّة الشّعوب البدائيّة في التّفكير، وتفسير الكون حيث كانت الأسطورة تلعب دور المعرفة العلميّة في هذه المجتمعات التي لم تشهد ولادة العلم. أمّا التّفكير الخرافي فهو التّفكير الذي يتناقض مع الواقع، ويتنافر مع المنطق ويقوم على إنكار العلم ورفض مناهجه"2 كما تقوم الأسطورة كذلك بتصوير أشخاص حقيقيين لكن مع المبالغة في تقديمهم كجعلهم شخصيّات تاريخيّة ليكونون أبطالاً لأساطير غالبًا ما تدور مواضيعها حول قضايا الولادة، النهاية والبداية، الموت والخير والشرّ...

تقوم الأسطورة بالأساس حول ثنائيّة الخيال والتّصوّر، فتعبّر عن دلالات اجتماعيّة متخيّلة ممّا يؤدّي إلى تأصّلها في الذّاكرة الجماعيّة لتصبح موضوع عقيدة جماعيّة فيمكننا القول أنّ للأسطورة سطوة على الإنسان نظرًا لما تتمتّع به من قدسيّة وسلطة على عقول النّاس ونفوسهم فهي تتحوّل من جيل وتتوارثها شعوب، "وفي هذا الصّدد يرى ليفي ستروس أنّ الأساطير تأخذ مكان العلوم في المجتمعات البدائيّة والتّقليديّة إلى حدّ ما"3، وإنّ كلمة الأسطورة "Mythology" تعود إلى اليونانيّة إذ تنقسم إلى شقّين أمّا الشقّ الأوّل فهو "Mytho" يعني حكاية تقليديّة عن الآلهة والأبطال أمّا الشقّ الثّاني "logy" يعني العلم4. أمّا اليوم فقد أصبحنا نتحدّث عن أسطرة من نوع آخر بمعنى أنّها تكون بعيدة كلّ البعد عن الخيال والتّصوّر وحياكة الخرافات إذ أصبحت الأسطورة استهلاكًا يوميًّا نابعًا من "الآن" و"المعاش" فالحاضر يعجّ بالأساطير فأيّ مجتمع قادر على أسطرة حياته وأشيائه اليوميّة فلقد أصبحت جزءًا من السّيميائيات حسب ما يقرّه رولان بارت "فالسّيميائيات هي علم الأشكال موضوعه العلامات المستقلّة عن ما تحمله من مضامين"5، فاهتمّ بارت بالثقافة الجماهيريّة التي فرضها المجتمع البرجوازي فحاول أن يجلي المظاهر اليوميّة من خلال الخطاب السّينمائي، الإشهاري والخطاب الإعلامي وهو ما يظهر جليًّا من خلال كتابه "أسطوريات" "أسطرة الحياة اليوميّة" وقد كتبت نصوص هذا الكتاب بمعدّل نصّ واحد كلّ شهر طيلة عامي 1954 و1956. تخضع هذه النصوص للتكرار والاستمراريّة نابعة من واقعه الرّاهن آنذاك فتكون مادّة التّفكير شديدة التنوّع سواء مقتبسة مقالة صحفيّة، معرض، فيلم أو عرض مسرحي.

تنبع هذه التّجربة من زمن معاش نابع من السّائد ومن رحم الواقع، فنقل اليومي هنا يتحوّل من المألوف إلى سياق توثيقي وخطاب مكتوب، فمجال الحياة اليوميّة هو في الحقيقة مجال شاسع لأنّه يشمل كلّ جوانب المعاش في أبعاده السّياسيّة، الثقافيّة والاجتماعيّة ويمتدّ ليشمل حتّى تلك التفاصيل الصّغيرة "فالحياة اليوميّة لا تعبّر عن نفسها بطريقة جدّ مستقيمة وواضحة، إنّها مكوّنة من أفعال بسيطة جدّ متعدّدة، إنّها مرتجّة ومنفجرة، إنّ لها غموض الظّلمة القاتمة"6، هذه النّصوص في الحقيقة تعكس ديناميكيّة اليومي، حركة الشّارع، من خلال نقل بعض العروض كعروض المصارعة مثلاً أو من خلال الخطاب الإشهاري، إذن نجد هنا بعدًا سوسيولوجيّا في بناء هذه "الصّور" وهو البعد الاجتماعي الذي يبيّن مظاهر الواقع وتأثيره على النّاس في واقعهم اليومي "فالبنية السّوسيولوجيّة هي نتاج جماعيّة الفعل المشترك المركّب من أشياء واقعيّة متفاوتة النّشوء، وتشمل الناس العاديين والنخبة، المدينة والبيت، أمكنة العمل وأمكنة العلاقات"7 فاليومي حافل بالرّموز وإذا كانت الأسطورة قديمًا تهتمّ بكلّ ما هو خرافي، ميتافيزيقي فإنّ الأسطوري اليومي المنبثق من عالمنا وواقعنا المعاش يريد أن يكتشف الإنسان وإدراك أبعاده.

يركّز بارت على بلاغة الصّورة في الخطاب الإشهاري وعلى الحضور القويّ للإعلام والصّورة والسينما ودورهم في تكوين صورة نمطيّة للإنسان في المجتمع البرجوازي القائم عل الاستهلاك وهو هنا في الحقيقة يتهكّم على هذا الوضع الزّائف كما يراه، فيجعل الإنسان يعوم في مفارقات للأوضاع الموجودة فأن يركّز إشهار بعض المواد المصنّعة على جسد المرأة التي تقوم بعرضه فإنّ ذلك يعطي نزعة شهوانيّة وإغرائيّة بعيدة كلّ البعد عن دور المنتوج أو عند نقله لعرض مصارعة فبارت هنا لا ينقل عرضًا فرجويًّا بين عنصرين اثنين بل بالعكس فهو يورد الفرق بين المصارعة من ناحية والجيدو والملاكمة من ناحية أخرى فيتحدّث عن جسد المصارع الذي يشكّل المفتاح الأوّل للصّراع فيصفها بالأجساد السّقوطيّة التي تملك بدورها تفسيرات تساعد على قراءة العرض ككلّ من خلال الحركات، المواقف والإيماءات التي تشدّ الانتباه ليخرج هنا عن السياق الطّبيعي لما هو منقول "وبالتالي فالمصارعة تتطلّب قراءة مباشرة للمعاني المتكدّسة دون ضرورة لقراءتها. والمستقبل العقلاني للصّراع لا يهم هاوي المصارعة، بينما مباراة الملاكمة تقتضي دائمًا علمًا بالمستقبل. بمعنى آخر، المصارعة خلاصة عدد من المشاهد لا رابط بينها: فكلّ لحظة تفرض المعرفة الشّاملة لانفعال ينبثق بشكل وحيد مباشر دون أن يمتدّ نحو تتويج عاقبة معيّنة."8 إنّ الأفراد في المجتمع يتواصلون ويتفاعلون باستخدامهم لجملة من الرّموز، العلامات، الإشارات والإيماءات وبالتّالي ينتجون معاني اجتماعيّة داخل حيّز ومجال معيّنين ولعلّنا هنا نتحدّث في هذا الجانب عن علم الاجتماع الذي تعدّدت محاولات تعريفه فنأخذ على سبيل المثال تعريف بيتريم سروكين على أنّه "ذلك المفهوم الذي يشير إلى جميع المعلومات الخاصّة بالتشابه بين مختلف الجماعات الإنسانيّة وأنماط التفاعل المشترك بين مختلف جوانب الحياة الاجتماعيّة الإنسانيّة، لذلك عرّفه بأنّه دراسة الخصائص العامّة المشتركة بين جميع أنواع المظاهر الاجتماعيّة"9 .

إنّ هذا العلم يدرس الأحداث والحقائق الاجتماعيّة إضافة إلى دراسة أفعال الأفراد وسلوكياتهم، خطاباتهم وأفعالهم والتي تكون في علاقة بالآخرين ضمن سياق تفاعلي تواصلي. يبدو هذا الاهتمام بالواقع ونقله إقرار مباشر من بارت بضرورة الآخر الذي يعتبر جزء مكوّن للذّات ذلك أنّ هذه الأخيرة واحدة، مفردة وذات عاجزة وإنّما الشّخصيّة الحقيقيّة هي تلك المتكوّنة من مجموعة فرديات متجمّعة في آن واحد.

إنّ سرد الإنسان لواقعه ظهر قديمًا أينما حاكى رسوماته على جدران الكهوف بتجسيد حياته وعلاقته مع الحيوانات ورهبته منها فهو يفرغ خوفه وفزعه ويتحصّن بهذه الرسوم في الوقت نفسه ولعلّ ما نجده في "يوميات" بارت إن صحّ التعبير سرد لما هو معاش يكتسي وظيفة وثائقيّة يستمدّ مادّته المسرودة من الواقع "المباشر والحقيقي" أين يكشف الغطاء عن بعض تفاصيل الحياة الصّغيرة، واليومي "هو منسوب إلى اليوم وهو العادي والمألوف، الحادث والواقع كلّ يوم"10 لا يمكن حصره في التكرار وتعاقب الأحداث فقط بل ليشمل كلّ ما يعاش على جميع الأصعدة سواء الصّعيد الاقتصادي، الاجتماعي أو الثقافي وحتّى السياسي.

إذن هناك إنتاج ثقافة يوميّة تضمّ أنشطة حياتيّة وعلميّة تحاك من خلال علامات ورموز يقوم بارت بتفكيكها والتي تستوجب دراية وعلمًا للقدرة على فكّها خاصّة فيما يتعلّق بالمجتمع المصغّر والمختصر في جملة من النّصوص.

 

المراجع:

 

1 - رولان بارط، السرد والحياة ضمن كتاب طرائق تحليل السرد الأدبي، منشورات اتّحاد كتاب المغرب، سلسلة مؤلّفات 1992 ط1 ص 9.

 2 - فؤاد زكريّا، التفكير العلمي، دار مصر للطّباعة، القاهرة، 1993 صفحة 57.

 - 3Laucien – Lève Bruhl: La mentalité  Primitive, Paris, Alcane, 1922 page 104.

  4 - فراس السوّاح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، 2002، طبعة 13.

 صفحة 12.

 5 - رولان بارت، مبادئ في علم الدّلالة، ترجمة محمّد البكري، بغداد، دار الشؤون الثّقافيّة صفحة 96.

- 6Michel Maffesolli: La conquete du present pour une sociologie de la vie quotidienne, PUF, Paris 1979 page 14.

 7 - ياسين النّصيّر، غير المألوف في اليومي والمألوف، نينوى للدّراسات والنشر والتوزيع، الصفحة 88.

8 - رولان بارت، أسطوريات "أسطرة الحياة اليوميّة"، ترجمة د. قاسم المقداد، دار نينوى للدّراسات والنشر والتوزيع، 2012 صفحة 16. 

 9 - أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصّباغ، منشورات المنظّمة العربيّة للترجمة، بيروت لبنان، الطّبعة الأولى سنة 2005. 

- 10www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/يومي


عدد القراء: 190

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-