قراءة في رواية «الأخوة كارامازوف»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-11-07 01:06:56

أثير التويجري

شاعرة وكاتبة - السعودية

الكتاب: " الأخوة كارامازوف" 4 أجزاء

المؤلف:  دوستويفسكي

المترجم: سامي الدروبي

الناشر: المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء - بيروت

عدد الصفحات: 1640   صفحة

 

في المجال الواسع بالكتابة تبعثر الكلام واجتمعت الأقلام وتجمعت الأصوات وبدأت بخطبة جمالية التي تدور حول هذه الرواية فوجدت في هذه الرواية المليئة بالأدب لمسة من جمال الأدب الروسي الذي أضاف لها شيء من الفن كما اعترف به على أنه أعظم ما كتب دوستويفسكي، فرأيت إن الكاتب نفسه في هذه الرواية دار حول الأمر المعرف به وهو مقاومة المادية الفلسفية.. وفقدان العقيدة، والأفكار الأوروبية عن العلم التي طغت على عقول الشبان الروس في عصره.

والكاتب دوستويفسكي بدأ روايته بالصراع بين الأب العجوز وابنه ديمتري على امتلاك غروشنكا والاستئثار بها، فحمل في نفوس القراء بعض من الشعور مثل الألم وباقي المشاعر التي باءت إلى الوصول للشيء المطلوب وهو أن يعيش القارئ أجواءها حرفًا بحرف وهذا ما أراد أن يوصله لنا الكاتب الكبير دوستويفسكي فالرواية أقبلت على فن الأدب الكبير التي رست لنا صورة كيفية تشكيل الأدب الروسي من منطلقه، وسأكمل أيضًا بأن هذا الصراع عن مقتل الأب الذي قام به أحد أبنائه، فمن منهم القاتل؟ وقارئ الرواية ينتقل في ثلاثة مستويات.

مقتبس "مستوى حياة أسرة كارامازوڤ، ومستوى لن أسرده ستكتشفونه في الكتاب، ومستوى التفكير الفلسفي الذي تضمنته الرواية.

الابن البكر ديمتري يمثل الاسترسال مع الرغبات الجامحة والشهوات المنطلقة بغير عنان وعدم القدرة على السيطرة على النفس، وأخوه إيڤان يمثل كبرياء المعتزين بالعلم والذين فقدوا يقينهم الديني وعذبت نفوسهم الشكوك، أما أليوشا أصغر الأخوة فيمثل النزعه ... أيضًا ستكتشفونه في الكتاب، ويصل دوستويفسكي إلى قمة الإجادة الفنية في تصويره للقارئ لرأس الأسرة فيودور كارامازوڤ، فهو رجل تتمثل فيه القوى الشيطانية، وباقي الوصف لن أحرقه عليكم، ويحلو له أن يعلنها على الملأ ويفاخر بهما، وقد وصلت فيه النفس الإنسانية إلى أعمق المنحدرات السقوط في الأوحال.

وقد أجاد دوستويفسكي أيضًا في تصوير شخصية سمردياكوڤ، من الفتاة البلهاء ليزاڤيتا.

شاهدتم معي كيف هي روايته مليئة بالأحداث اللا متناهية كما أن الكاتب استخدم من وجهة نظره الألم وعنده هو الذي يجلو جوهر النفس ويبرز حقيقتها كما قال.

وربما أخذ على دوستويفسكي بعض مريديه وقرائه ولعه بتصوير الشخصيات الطبائع المنتكسة وكثرة المرضى التي تعج بها رواياته، وقصصه القصيرة وأقصوصاته أيضًا، وهو يواجه الشر ولا يغمض دونه الطرف أو يغالظ نفسه في حقيقته، ويرى قبسات النور خلال الظلام الحالك، وكيف تفوح أزاهير الخير بين أشواك الشرور الملتفة.

والحق أن كثيرًا من الشخصيات التي يعرضها على أبصار القراء ويحلل دوافعها، ولكن الكتّاب الكبار حينما يتعرضون لكشف المغامرات الإنسانية، ويصفون تجاربها المريرة، لا يختارون شخصيات من الطراز العادي المألوف، وإنما يعرضون شخصيات من طراز هاملت ودون كيشوت والملك لير. ويحاول دوستويڤسكي أن يواجه الشر ليستخرج من ثناياه الخير، فرواياته برغم ما فيها من المآسي المحزنة الدامية تحمل إلى الإنسانية أيضًا رسالة الأمل المشرق.

والرواية تتناول مشكلة العلاقة بين الخير والشر، وبين الضرورة والحرية، ليس مقتبس "وبين الألم والمشاعر الهائلة، فالرواية الجيدة تحمل في نفوسها مشاعر هائلة من ألم وفرح وحزن وبكاء هكذا.

  • تفوق الرواية نفسها

فعندما نرى أن الروائي يمثل لنا الرواية على طريقته الإبداعية من حيث تصوره لنا الشخصيات في لغة متعمقة وسلسلة يستطيع أن يفهمها القارئ هنا نقول أن الكاتب عظيم.

مقتبس "وعندما نستوقف قليلاً ونتكلم حول المؤلف الكاتب الروائي الروسي العظيم فيودور ميخائيلوڤتش دوستويفسكي يصل لرؤيتنا صور متعمقة، فأمامنا كاتب قد نلمح بعض الهنات في فنه وأسلوبه، وقد نخالفه في بعض نزعاته المذهبية، واتجاهاته الفكرية، ولكننا نشعر مع ذلك شعورًا قويًّا بأن هذا الرجل لا يستطيع الإمساك عن الكتابة والتوقف عن تسجيل الخواطر التي تعاورته وتكاثرت عليه، والعواطف والأحاسيس التي جاشت بنفسه واستبدّت به، وغلبته على أمره، والتجارب التي مر بها وخاض غمارها، بل إنه ليُخيل للإنسان بعد قراءته أن قوى مجهولة قد سيطرت على شخصيته ولم تترك له الخيار، فهو مرغم على الإبداع الفني.

والظاهر أنه كان مقدّرًا له من أول نشأته وطالعة أمره أن يفتح عينيه أول ما يفتحهما على مناظر البؤس والشقاء والألم. فقد ولد في يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1821 في مستشفى للفقراء في موسكو كان يعمل فيه أبوه طبيبًا جراحًا، وكانت الأسرة تقيم في جانب من هذا المستشفى، وكان الكتاب المقدس وتاريخ روسيا الذي ألفه المؤرخ الروسي نيكولاي كارامزين هما أول ما قرأ من الكتب.

ليس مقتبس "الكاتب دوستويڤسكي كان يحب القراءة كثيرًا مما أدت إلى صقل موهبته في تأليف روايات. أيضًا وجد نفسه في ظاهر ألم تجارب مثل المشهد الذي أعطى الشبان الثائرين درس قاس فلقد وضع دوستويفسكي بتجارب قاسيه.

مقتبس "في الدقائق القلائل التي كان ينتظر فيها الموت لا يعرفها حق معرفتها إلاّ من كابد أمثالها".

ليس مقتبس "وأدت تلك التجربة المؤلمة إلى إيجاد رواية لينفس بها ويضع جميع مشاعره من ألم وفرح وحزن وبكاء".

مقتبس «فكتب فيودور لأخيه يقول «لقد عرفت المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة في توبولسك» وفي أومسك وطنت نفسي على أن أعيش معهم أربع سنوات، وهم قوم غلاظ غضاب ناقمون، وهم يكرهون العلية كراهية لا حدّ لها، وينظرون إلينا بعين السخط والنفور، لأننا ننتسب إلى تلك الطبقة، ولو أنهم استطاعوا وتيسّرت لهم الأسباب لما أبقوا علينا، فقدّر لنفسك مدى خطر الذي كان يتهددنا ونحن نعاشر هؤلاء الناس خلال سنوات ونؤاكلهم وننام معهم ولا سبيل لنا للشكوى من الإهانات التي كانوا لا ينفكون يوجهونها إلينا ويقذفوننا بها -مئة وخمسون من الأعداء لا يتعبون من اضطهادنا- إنهم يجدون في ذلك سرورهم ومسلاتهم ومتعة لقضاء أوقات فراغهم، وكان منجِّنا الوحيد هو عدم اكتراثنا وتفوقنا الأخلاقي الذي كانوا يجدون أنفسهم مضطرين إلى الإقرار به واحترامه».

وهكذا، بعد أن كاد يذهب بعقله النجاح الذي صادفه في مطلع حياته الأدبية واستطارت شهرته في آفاق روسيا.

والجدير بالملاحظة أنه يشير كثيرًا دوستويفسكي في مؤلفاته إلى مرض الصرع وأعراضه بوجه خاص، ولا شك أن أمثال الحالات الوعي الإنساني تثير مشكلات كثيرة، فمن الواضح أن الإنسان المطبوع على التفكير وإخضاع كل شيء لسلطان العقل وحكم المنطق لا يستطيع أن يجنّب نفسه توجيه هذا السؤال، وهو: هل هذه الومضات المضيئة عن ذلك التناسق الأعلى لها قيمة موضوعية أو هي مجرد أوهام وأخيلة ذاتية؟ ومعنى ذلك أن الإنسان المفكر يحاول أن يجد سندًا عقليًّا للحقائق التي تطالعه في هذه الحالات، ولكن لمّا كان الحصول على هذا السند العقلي من المسائل المتعذّرة لذلك يظل التعارض قائمًا والتوتر شديدًا بين هذين اللونين من ألوان الحق، وهذا الصراع يبدو واضحًا في نفوس الكثيرين من أبطال رواياته.

(الأخوة كارامازوڤ)

تعد رواية (الأخوة كارامازوڤ) في رأيي النقاد العالميين دليل على توقد قريحة دوستويڤسكي، ونفاذ بصيرته، وهي معرض مزدحم بضروب الدراسات النفسية والخواطر الفلسفية، يقول عنها العالم النفسي سيغمنت فرويد في الفصل القيم الذي كتبه عن دوستويڤسكي: «الأخوة كارامازوڤ هي أعظم رواية كتبت، وقصة كبير المحققين في محكمة التفتيش الواردة فيها إحدى القمم الشمّاء في الأدب العالمي، وقل أن نستطيع المبالغة في مدحها، ولا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة أن تدور حوادث ثلاث روايات من الطرف الأدبية الباقية على الدهر، وقد أجرى دوستويڤسكي الكثير من آرائه واتجاهاته على لسان الأب زوسيما، ولكن المؤلف مع ذلك لا يفقد الأمل ويقول على لسان زوسيما نفسه هل يمكن أن يكون حلمًا أن الإنسان في النهاية وخاتمة المطاف سيجد سروره وارتياحه في الأعمال المضيئة والصنائع الإنسانية، إني أعتقد أننا سوف نحقق هذا الشيء العظيم، وكم من الأفكار الكثيرة التي غشيت الأرض في تاريخ الإنسانية كانت لا تخطر بالبال قبل ظهورها بعشر سنوات، وحينما حان حينها وحلّ موعد ظهورها قدمت وانتشرت في أصقاع الأرض جميعها».

ليس مقتبس "هكذا يبدأ الكاتب العظيم رواياته أن يستجد بها بشيء من الواقع الذي عاشه، وفي الرواية نرى لمسات جمالية عن ظهر غائب لا يلاحظها القارئ إلا المتعمق وفي الأخير نختم الكلام بأن دوستويڤسكي قدم لي رسالة تحت عنوان .."

«أن هذه الحياة مليئة بالتجارب والمغامرات فعشها بحلوها ومرها فهي زائلة وليست باقية».


عدد القراء: 164

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-