الحفيدة (قصة قصيرة)الباب: نصوص

نشر بتاريخ: 2017-11-07 11:27:32

سها شريّف

سوريا

حان موعد ظهور نتائج الثانوية العامّة على شاشات الإنترنيت. جمعت والدتي العائلة وحذّرتها من إطلاق زغاريد الفرح في حال نجاحي حرصًا على وضع جدّتنا المريضة.

دخلتُ إلى غرفة جدّتي وأخفيت عنها نبأ صدور النتائج. ناولتها الدواء. فاضت عيناها محبة واحتضنتني أمواج قلبها. وإذا بالدموع يقذفها بركان ألمها الدفين فتسيل حممًا كاوية على تجاعيد وجهها الحزين. وبإشارات متكررة فهمت أنها قلقة على نتيجتي. يبدو أن حديثنا عن موعد صدور النتائج  قد تسرّب إلى سمعها خلسة. وبمنديل الرحمة والرأفة والحب مسحت دموعها وعدت بذاكرتي إلى الوراء حين أعلن الطبيب تلاشي الأمل من شفاء جدتي بعد أن تعطّل نصفها الأيمن وعجزت معها كل العقاقير وأصبحت طريحة الفراش لا تستطيع الحركة ولا الكلام، ومن وقتها جفّ ينبوع المحبة الذي كنت أستقي منه أسرار الحنان والحياة. وتعطلت دراستي لأنني كرّست معظم وقتي للعناية بجدتي وأفقدني القلق والحزن القدرة على التركيز والحفظ ولكنني دائمًا كنت أحاول أن ألملم قدراتي التي تبعثرت علَّ نجاحي يكون قطرة أمل إلى روحها العطشى للفرح.

عدُّتُ إلى الواقع على صوت جدتي وهي تتأوه وتزفر بحرقة وتقول بداخلها: "كان أملي بالفرح يتبعثر كلما ركنتِ الكتاب جانبًا. أنا لم أعد أفيدك شيئًا. وأصبحتُ جثّة هامدة تنتظر موتها. أما أنت فالمستقبل أمامك وهو سعادتي".

اقتربتُ منها ومسحتُ على رأسها وحاولت أن أطمئن نفسها القلقة فقلت لها: "لا تخافي بفضل دعائك لن ينساني الله من رحمته".

دفعني الأمل المتنهد بين ضلوعي إلى النهوض نحو النافذة. نظرت إلى السماء كمن تبحث عن نور أمل يخفف ثوران النفس القلقة. بّدد الهواء زفرات خرجت من أعماق نفسي المصدوعة قلقًا. تسرّبت قطرات من العرق على جبيني  وجفّ فمي. بردت أطرافي وتشتّت نظري وانقبض صدري ودبَّ الرعب بقلبي ..

قلت لنفسي: "ماذا لو لم أنجح !! ماذا أقول لروحها المعذبة والقلقلة داخل جسدها الواهن والعاجز بعد إعلانه العصيان على الحياة؟"

وهمّت دموعي أن تعلن كارثة من الفيضان فخرجتُ من الغرفة مسرعة كي لا تراني جدتي. دخلت إلى الغرفة المجاورة. كان الجميع يتحلّق حول شاشة الحاسوب. لم أعد أتمالك القدرة على الوقوف. جلستُ قرب كرسيّ ووضعتُ يدي على أذنيَّ.

فجأة علا صوت والدتي  وهي تصفّق من دون أن تتمالك نفسها:

- "لقد نجحتِ يا أمل بمجموع كبير"

أصابني الجمود كأنني أحاول التأكّد باستمرار سريان الحياة في قلبي. ثم قفز قلبي فرحًا واحتضنتُ والدتي وإذا بزغرودة تجاهد للانطلاق من سجن آلامها إلى ميدان الفرح في غرفتنا. وقف الجميع مذهولين! من هذا المتسرّب الذي خالف تعليمات والدتي؟ أسرعنا جميعًا إلى مصدر الزغرودة وكم كانت دهشتنا  كبيرة عندما كانت جدّتي  تحاول جاهدة أن تضع يدها على فمها وتطلق الزغاريد بدموع تنهمر من عصارة قلبها المعلّق بي بعد أن فجّر الفرح صمتها الراقد في صحراء ألمها.


عدد القراء: 39

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-