التوحد السردي موضوعًا وتقانة في رواية ( الطيف) لهيثم بهنام بردىالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-15 19:35:14

أ.د. نادية هناوي سعدون

كلية التربية - قسم اللغة العربية - الجامعة المستنصرية – بغداد

الكتاب: ‏"الطيف "

المؤلف: هيثم بهنام ‏بردى

الناشر: اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة

عدد الصفحات: 96 صفحة

 

التوحد تقانة فنتازية

المنطلق الفكري لفكرة التوحد منطلق ميتافيزيقي شأنه شأن فكرة القرين بوصفهما توظيفين فنتازيين البغية منهما إيجاد التوازن ومعالجة الاختلال الروحي والشرخ النفسي.

ففي عمق الأزمة قد تتوهم الذات بوجود روح مناظرة تناصرها وهي لا تراها لكنها تهجس وجودها وهذا ما كانت الكاتبة آذر نفيسي قد أشارت إليه في كتابها جمهورية الخيال1 عن واقعة حقيقية لشاب إيراني تعرض للاعتقال والضرب"لم يكن الألم وحده بل الذل هو الذي جعله يشعر على مدى  لحظات قلائل كما لو كان يغادر جسده ويغدو شبحًا جعل الشبح يراقبه من مسافة ما وهو يضرب بالسياط وأضاف قائلاً كان الوضع أسهل عليّ عندما صرت شبحًا" ثم تتساءل نفيسي: هذه الأشباح كيف يمكن أن نضطلع بمسؤولياتنا حيالها؟2 

وإذا كان التوحد والقرين يلتقيان في عالم السرد في هذه النقطة أعني وجود شبح أو ظل أو شبيه، فأنهما في التطبيق الإجرائي يتفاوتان كل التفاوت.. من ناحية:

1. أن التوحد ينشأ من حاجة ميتافيزيقية تجعل الذات ترى في الآخر صنوها وتوأمها ليكون رديف روحها لا جسدها كرفيق لتطلعاتها ومريد لما تريد ورافض لما ترفض وهذا ما يجعل للشخصية هوية ذاتية تعيد لها توازنها..

2. أن تقانة القرين تراهن على البعد النفسي للشخصية المنشطرة في ذاتيتها إلى شطرين متضادين لا متوافقين كل واحد يعمل بالضد من الآخر كنوع من الشرخ النفسي بما يسميه أبتر بالتماثل الاسقاطي حيث "ينسلخ الشخص عن ذاته وينسب إلى شخص آخر تلك الخصائص التي ينكر أنها موجودة عنده لكن بما أنه لا يزال يعترف لا شعوريًا بالخصائص المسقطة على أنها خصائصه فإنه بذلك يماثل نفسه مع الآخر"3 

3. في التوحد تتلاقي الذات بالآخر ايجابيًا فتتوافقان كذات لا ترى نفسها إلا في مرآة الآخر حيث لا وجود للتضاد ولا مكان للشروخ الداخلية.

4. بالتوحد تستبدل الذات تضادها مع الواقع بتوافقها مع آخر هو رديف ورفيق فتتصالح مع الخارج المحيط والآخرين كما تتوافق مع داخلها روحًا وجسدًا وإذا كان القرين سلبيًا بسبب انفصام الذات وانشطارها؛ فإن التوحد إيجابي بتوافقية علاقة الذات بالآخر اندماجا وتشابها.

5. ولأن فنتازيا التوحد تتعلق بالأفكار الذهنية وليس بتداعيات النفس وأوهامها واضطراباتها لذلك هي تفيد من لغة الفلسفة عن الوجود والماهية كما قد تفيد من شفافة اللغة الشعرية.

6. التوحد سمة من سمات أدب ما بعد الكونيالية بينما القرين تقانة حداثية تميز الأدب الفنتازي.

7. ينطوي التوحد على رؤية صوفية ترى المعرفة وسيلة لبلوغ الحقيقة التي تظل مطلبًا غير قابل للظفر، ولهذا يكون البحث في شكل رحلة تقوم بها الشخصية لمريدها أو رديفها الذي فيه تكتمل حلقة المعرفة لتبدأ حلقة أخرى سعيًا نحو الحقيقة. 

8. وإذا كان القرين ميكانيزم نفساني له علاقة بالإسقاط والأنا العليا والتسامي والضمير  وغيرها من فرضيات التحليل النفسي، فإن التوحد ديالكتيك ذهني يقوم على أساس التماثل الفكري في فهم الوجود والتوافق الميتافيزيقي في إدراك كنه الحقيقة وغائية الأخلاق والجمال.

ميتافيزيقا التوحد في رواية الطيف

على الرغم من أن الروائي والقاص هيثم بهنام بردى وظّف التاريخ/الذاكرة في روايته السابقة (أحفاد اورشنابي) مقدما حكايات الجد التي ينقلها الحفيد السارد بضمير الأنا إلا إن ذلك لم يمنعه من توظيف الفنتازيا وهو ما أعتاد استعماله في أغلب أعماله القصصية.

ومما اختاره من الاشتغال الفنتازي في الرواية تقانة الظل أو الشبح الذي يكون لا مرئيًا فتتوتر الأحداث وتتأزم الشخصيات وتتضاد حتى إذا انتهت الرواية؛ تراجعت الذاكرة معلنة هشاشتها أمام الفنتازيا التي تخترق البناء الزمني لا سيما في المشهد الختامي لدفن الجد إذ يتراءى للحفيد ظل.. ثم يتبين له صوت جده وهو يوصيه بأن يتغلب على هذا الظل ويرشده قائلاً: "إذهب إلى نبع بكر لم يدنس واغمر جسدك فيه آنئذ سيبرز إليك الرجل وتكون الواقعة فإن انتصر تصبح مجرد إنسان حقير لا يحمل من الإنسانية سوى الكلمة وإن حطمته ستهرب الظلال نهائيًا من أعماقك وتشرق الشمس آنئذ على مدى روحك الفسيح"4  ويختفي الجد في المقبرة والحفيد واقف على شاهدة قبر.. والرجفة تعتريه..

إنَّ هذا التوظيف الفنتازي الذي تنتهي إليه رواية (أحفاد اورشنابي) من الناحية الفنية هو ما ستعتمده رواية الطيف وقد اتخذت من المقبرة مكانًا سرديًا تقدم من خلاله الأحداث فتتصاعد باستعمال التوحد بالآخر/الطيف على المستويين الموضوعي والبنائي..

 التوحد موضوعًا سرديًا

إن التوحد وسيلة للتأمل أو هو تكنيك فلسفي ميتافيزيقي يتم بين شخصيتين كل واحدة منها لها كيانها البشري العادي ويجمع بينهما التشابه فتتوافقان وتتمازجان في كيان واحد بحثًا عن النظام والمنطق سواء في مواجهة الأشياء المادية أو في إدراك كنهها ذهنيًا وحسيًا..

والغاية من وراء هذا التوظيف للتوحد إيجاد إجابات عن أسئلة تتصل بالكون والوجود عما بعد الموت والأخلاق والنظام والالتزام الديني والوجود الفردي وماهيته.

 ولقد وظَّف بورخس التوحد في( كتاب الرمل) فكان كالفيلسوف يعنى بأمور الميتافيزيقيا.. والشعور الميتافيزيقي في إطار الاشتغال الفنتازي للتوحد.

وفي رواية الطيف تتعاقب شخصيتان رئيستان هما الرجل حارس المقبرة والرجل/الطيف وكل واحد منهما يتولى سرد الأحداث من وجهة نظره داخل بنية سردية دائرية تبدأ من حيث انتهت وتنتهي من حيث بدأت بالتساؤل والحيرة.

ويبدأ السرد بالرجل/الطيف كاشفًا عن هاجس داخلي يجعله يتطلع لرديف أو صنو أو ما وراء أو رد فعل "هذا ديدني دومًا، صار فعلي هذا صنوًا لشهيقي وزفيري الباحثين عما وراء سكونية الدقائق المعاشة برتابتها وبلاهتها، أنا أعرف أن لكل فعل ليس فقط رد فعل، بل عليّ أن أفقه وأتقصى الباعث على الدافع"5 

وبالهاجس نفسه يقوم الحارس بتقديم وجهة نظره أيضًا إزاء الرجل/الطيف وبما يدلل على أن كلا منهما حالم يرى الآخر طيفًا كأنه التوأم".. خيل إليّ أنه لا يختلف البتة عن جذع أية شجرة من الأشجار الباسقة المتعاقبة.. وإن ما يتميز به من شموخ الشجر تلك العينان الساحرتان الزهريتان.. وحالما تواجهنا وأعمدة الباب الفولاذية والشبكة الحديدية تفصل بين جسدينا سمعت صوته الهامس.." 6

ويدفع حب الصمت والاختلاء بالنفس إلى أن يتقرب الحارس من هذا الرجل الغريب فتكون المقبرة هي المكان الذي يلائمهما الأول كي يكون قريبًا من زوجته التي دفنت فيها والثاني آثر العيش في المقبرة لغاية نفسية تأملية أدعاها "أود أن أختلي بنفسي"7 وسيتضح بطلانها فيما بعد..!! وتبهر الحارس عينا الطيف وهمساته وهيأته وحضوره الطاغي وسحر حضوره ونبرته العميقة..

وتحاول الرواية أن تكشف عن تحدٍ أخلاقي في توكيد حقيقة العلاقة بين الذات والآخر معتمدة أسلوب الشك والارتياب بفكرة الموت والخمول أمام المواجهة من خلال ذاكرة مستفزة ترصد كل شاردة وواردة في المحيط، وبأوصاف تنطوي على خيال جامح يؤدي بها إلى مفترق طرق.

ويجعل التساؤل بإزاء المنظورات المحسوسة تبدو وكأنها تهويمات تثير الحيرة والالتباس وتستدعي الشك والارتياب، فتتأزم الذات.. ولكي تجد لأسئلتها أجوبة تتوسل بالآخر نظيرًا وشريكًا فتتوحد معه سائلة ومجيبة وبهذا يتصاعد ديالكتيك السؤال/الجواب فالحارس يتساءل "فيطفو التساؤل في يم ذاكرتي...

ما سر هذا الرجل؟"8 

والطيف يتساءل "أين تكمن "شعلة الحياة"، وأين تغادر بعد الخروج؟... وروحي تهتف بتساؤل محض: أين؟!!!.،،،،، أين مخبئها؟، أو شرنقتها؟"9

وتتكرر بنية التساؤل (من أنت؟) عند الرجلين، وهذا ما يوصلهما إلى مفاوز مجهولة تبحث عن الماهية والكينونة والهوية، والبغية ليست نفسية في مكاشفة الذات وتخفيف ذنبها وإراحة ضميرها وإنما هي غاية ميتافيزيقية تتجاوز المرئيات إلى ما ورائها، وبما يشبه فعل التنويم المغناطيسي فتظفر عند ذاك بالحكمة التي سيتم اصطيادها من ذاكرتين تتلاقيان في تناغمهما مع الطبيعة فيكون التلصص وإرهاف السمع والفضول خصائص مشتركة توحد بينهما وبذلك يصبح كل واحد من الرجلين مكشوفا أمام الآخر فيهادن أحدهما الآخر" كانت عيناه المطرقتان تفصحان لهجته المصطنعة التي تستعير من الكذبة البيضاء زبدتها فقلت مهادناً جاعلاً لهجتي تقبل التأويل" 10.

وهذا ما يتم تعزيزه بتوظيف أنا السارد الغائب في داخل السرد الذاتي فيعلم السارد عن الشخصية بمقدار ما تعلمه هي عن نفسها" كان ثمة في عينيه شوق ولهفة وإعجاب، وكان كيانه كله يختص بحركة صاخبة معبئة بالصمت الفاتر، وبعد حين، وأنا أتأمل كيانه المصعوق فلتت الصحية المبتورة من داخله"11. 

وبذلك يغور الاثنان في بعضهما بمجسات وتهجسات فيعرف احدهما إيماءات الآخر وإشاراته ويصبحان كالتوأم ليس بالمعنى المادي وإنما بالمعنى الروحي فالموسيقى والشعر والقص والغناء فنون يعرفانها وبها يرتقيان على الواقع صوب المثال فيتماهيان ويعجبان يبعضهما وحين يعرف الحارس أن أبيات الشعر التي أنشدها الطيف هي للشاعر بترارك يصرح بتوحدهما "فأشرت بسبابتي نحو صدري ثم حولتها صوب صدره، بيد أنه رد بسبابته نحو صدري والقيثارة"12. 

وتظل غرابة الأطوار كالتلصص والتجسس والدهشة والانبهار تسترعي انتباه الشخصيتين وتتصاعد الأحداث وتبلغ الذروة حين يقتحم الطيف حجرة التوابيت وهو عارف أنه مراقب من الحارس "ووظفت حواسي المعروفة وغير المعروفة في إجلاء كنه الإشارة التي التقطتها والتي تفصح بما لا يقبل الشك والقائلة: (إني لست وحدي، بل ثمة آخر معي)13". 

وهنا تظهر الطوية الحسنة لفعل الاقتحام برسالة يبين فيها الرجل الطيف/جوفياني أن الغاية تبرر الوسيلة ودناءة الوسيلة إنما يشفع لها شرف الغاية والفعل اللااخلاقي إذا استهدف الحقيقة باتجاه العلم والمعرفة فإنه مقبول" سيعرف الناس في المستقبل، قريبًا كان أم بعيدًا، مدى ما قدمته من خدمة ضافية للتقدم العلمي في الطب وخصوصًا في علم التشريح، أحد الركائز الرئيسية في هذا المضمار العلمي المهم"14 ويقابل الحارس الرسالة بالاقتناع مبررًا صدق الطوية "أنا موقن منه، وأن قصده نبيل"15. 

ومما عضّد هذا التوجه الأخلاقي توظيف الحكايات المضمنة عن الحيوان والجماد الذئب والنعاج الحسون والهر والشمعة والشعلة فقد كانت الغاية منها رمزية تدعم المنزع الخلقي الذي تسعى إليه الشخصيتان عبر التوحد رغبة في بلوغ المثالية وربما التماهي في الوجود سواء بالحكم والعبر التي يتم اقتناصها من الأساطير والحكايات أو بالبحث والتقصي في نظام الوجود عن عالم الفرسان والأبطال ورومانسية الخوارق والأعاجيب على الشاكلة التي كانت قصص الشطار والرومانس تحكيها وتروج لها في العصور الوسطى..

ويبلغ التوحد درجته القصوى بالورقة الملفوفة والمعلقة بالباب التي كتبها جوفياني كرسالة اعتذار لصنوه الحارس وهذا ما يضع المثالية على المحك فتتوكد أواصر الصداقة الحقة بينهما وقد جمعتهما النقطة المضيئة في الحياة مستشهدًا بكوميديا دانتي التي يكون استحضارها في السرد مختصرًا للبعد الروحي الميتافيزيقي فما كان من الحارس إلا أن اقتنع لأنه يعلم أن رديفه صادق وغايته نبيلة "فلم أتردد قط في تصديق كل كلمة قرأتها لأنها كانت تشي بالصدق ولا شيء غير الصدق"16. 

وما سر تفاهمهما إلا اليوتوبيا الخاصة بهما التي فيها الإنسان هو النموذج.. ومما يعزز هذا الشعور ما قرأه الحارس في السجل الذي تركه الطيف من ملاحظات عن الجسد الإنساني ومنها ملاحظته "عن الظل الذي يصاحب المخلوق ومثلما يتحرك أحد القرينين، بالضبط يتحرك الآخر"17 وهذا يؤكد أن التوحد بينهما هو هاجس مؤسطر وواقعي في آن معا يجعل كل واحد يرى الآخر صنوه وذاته.

ويظل الاستبصار والتخمين هو الهاجس الروحي للطيف الذي يتمرأى في صورة الطبيب والعالم والحكّاء والفنان من أجل اقتناص شعلة الحياة وهو الهدف نفسه الذي يحمل الحارس على ترك المقبرة والذهاب في رحلة مقدارها ساعة واحدة يعدها هو يولسيسية للبحث عن الطيف الذي سيعرف مكانه كما كان قد عرف مصدر حكاياته القصيرة جدًّا عن البجعة والنملة وحبة القمح وأبو جراب والفراشة والقنديل والورقة والمداد.

ويتجه صوب القصر فيبهره تمثال الفارس والحصان ويخلبه مرأى العينين وقد حملتا شعلة الحياة فتنداح إليه فكرة تلاقي روحه بروح الطيف في شكل إسقاط نفسي على الفارس والحصان في"فرضية أنهما تماهيا في هيئة جديدة وحلقا إلى قرائن لهما في عالم افتراضي آخر"18.

 وبذلك يظفر الحارس برديفه وقد تبينت له حقيقته فهو الفنان ليوناردو دافنشي لكن المفارقة التي انتهت إليها الرواية أن الطيف سيبادر إلى سؤال صنوه الحارس: من أنت؟ ..

وهذا ما سيفتح النص على مسارات جديدة لا سيما وأن النص الذي ختمت به الرواية هو رديف النص الذي افتتحت به في شكل دائري يدلل على أن المعرفة الإنسانية لا نهاية لها.. وأنها رحلة سرمدية من الذات إلى الآخر وبالعكس ..

وبذلك تكون (رواية الطيف) قد قدمت صورة جمالية للتلاقي الروحي ما بين الجسد/المادة والروح/المثال الأول في واقعيته والآخر في يوتوبيته وأن الذي يجمع بينهما هو منزع أخلاقي به تتحقق قيم الحياة وتتوكد جماليتها لا تضاديتها وهو ما مثلّه التوحد الذي تمَّ بين يوتوبيا الحارس الرومانسية وواقعية الطيف المنطقية.

التوحد وتقانات تشكيله فنيًا

ينشغل الروائي هيثم بهنام بردى بموضوعة التجريب الشكلي في أكثر أعماله السردية كهاجس فني يدعوه للتجديد في التقانات والأساليب بغية الظفر بالمستحدث أو غير المعتاد في الكتابة القصصية.

وهذا ما يصبغ أعماله بصبغة ما بعد حداثية لا تنبهر بالميتاسردي مثلما لا تنجر نحو النزوع الواقعي كما لا تماشي الإغماض والترميز، وإنما هذه كلها.

 وفي روايته (الطيف) وظّف أساليب فنية مختلفة بغية تدعيم فكرة التوحد كموضوع سردي ومن تلك الأساليب أسلوب التناوب في السرد الذاتي بين شخصيتين اثنتين الحارس والطيف وهذا ما أتاح تعددية الصوت فتغدو العلاقة بينهما طيفية فنتازية مع استعمال أسلوب التضمين من خلال إدراج حكايات قصيرة جدًّا وأساطير في تضاعيف القصة الإطارية.

ويكون للذاكرة حضور في توجيه البناء الزمني نحو الاسترجاع، ولكي يتعمق التوحد يتم استعمال تقانة المرآة فبعد عثور الحارس على السجل الذي كان الطيف يدون ملاحظاته عليه ما كان له أن يفك ألغازه إلا بالمرآة "وجعلت الورقة تعانق وجه المرآة وتقبّلها ثم تبتعد عنها لتقبلها من جديد، وليمتخض عن هذا الأمر انبلاج باب الطلسم"19. 

ويكون توظيف رقعة الشطرنج في الرواية بمثابة معادل موضوعي للحياة فما لا يستطيع المرء ترتيبه في الواقع يحققه في الشطرنج كأن "يصبح للأشياء العادية ضلع في المؤامرة التي تحاك ضده وليس له حول في تغييرها"20.

ومن التقانات التي هيمنت على سائر التقانات الأخرى الصمت الذي أدى دورًا مهمًا في صنع يوتوبيا التوحد التي كان السكون وتأمل الوجود هو بؤرتها المركزية، عبر رحلة بحث واقعية في إطار مثالي يتقدمها هم وجودي حيث الطبيعة هي الملاذ واعتزال الناس هو الخلاص بالمداومة على مفردات (الصمت / الهمس/وشيش الريح/همست/سئمت صمت وخواء المدن/أود أن اقتنص صمتي وسط مدينة الصمت هذه/) ..

والصمت من تجليات المذهب المتعالي الترانستدنتالي وهو تقانة استعملها شيروود اندرسون وارنست همنغواي كقوة تساعد الشخصيات على التأمل وابتكار الصور لطرد الوحدة وبما يكشف عن تناقض الحياة العقلانية واللاعقلانية للمجتمع المادي فـ" التأمل لا يرقى.. إلى العقلانية التي هي قانونه: لأن حركة الاسترجاع والاستعادة والعودة إلى الذات والسير نحو المعادلة الداخلية .. هو في الأصل نحن"21. 

والصمت هو الذي يقود إلى التأمل والشك "إني لست وحدي، بل ثمة آخر معي"22 وبه يتعزز التوحد بين الذات والآخر.

 والصمت لا يعني خواء الوعي والهوية؛ بل هو التعقيد لهما. وما تزعزع الذات إلا نتاج وعيها لنفسها وإدراكها للآخر ولهذا لم يكن الصمت سلبيًا في الرواية بل هو طريقة لاستراحة الذات المتطلعة للحقيقة، كونه يعطيها فرصة تقصي الحكمة التي لن يصل إليها بالكلام.

وقد جعل الكاتب عمري الشخصيتين يتراوح بين الأربعين والستين، في إشارة إلى أن الانسان عندما يبلغ مرحلة النضج ويتزود بالخبرة الحياتية فإنه يتوجه صوب الحكمة التي لا تقال وإنما ترسم.

وكان اختيار الكاتب للمقبرة كمكان سردي مناسبًا في إعطاء الصمت دوره كفاعل سردي مهيمن حيث الذات حائرة لا منتمية فيفقد الكلام قوته ويصير فراغا ليجل محله الصمت كقوة سحرية تقود إلى الامتلاء بالمعرفة والوعي..

 ويغدو الزمن منفلتا كأن "الواقع ليس إلا اللحظة"23 بينما تكون الذاكرة المكانية للواقع متصدعة بإيقاعية تحرك الحيوات فيختلط الجنون بالعقل والحقيقة بالخيال وكان إدجار ألن بو قد سمى أعماله الشعرية بـ(سوناتا الصمت).

 وما نهاية الرواية بالتساؤل المحير: من أنت؟ إلا توكيد لقضية مفادها أن الحياة الروحية لا يعبر عنها بالكلام وإنما بالصمت. وأن الظفر بالحقيقة المطلقة سيظل حلمًا غير منال ولا يمكن التعبير عنه إلا بالصمت الموغل في التأمل في الوجود... وإنه "طالما تعكس الحقيقة العالم الموجود موضوعيًا فإن محتواها لا يعتمد على وعي الإنسان"24. 

وكان اعتماد السرد الملتوي المراوغ بتضمين القصص واللوحات هو انعكاس لبنية التوحد في السرد وتدعيمًا للصمت كما أسهم توظيف اللقطة والمشهد في جعل الكلمات مرسومة "عربة تجرها جياد ترشح عرقًا غزيرًا يرقد فوقها تابوت من خشب الصندل، ونساء متزاحمات بالأجساد والأصوات، ورجال بسحن صامتة مكفهرة، حاولت أن أجد موطئاً لجسدي بين منارتين بجسدين شامخين"25. 

وإذا كان الكاتب قد نظّر في ما قبل النص السردي إلى أجناسية الرواية وأنها رواية قصيرة؛ فإن طبيعة المعالجة الفنية للرؤية الفلسفية للوجود التي أرادت الرواية توصيلها، هي التي جعلت إيقاع الرواية متسارعًا ولكنه -أي الإيقاع- في ما يبثه من رسائل دلالية مشفرة وعميقة يبقى مستمرًا إلى ما لا نهاية.

ولعل أصدق تمثيل على ذلك توظيف ديالكتيتك التساؤل الذي طغى على أغلب مفاصل المتن السردي وهذه ميزة من ميزات الرواية الجديدة التي هي من تبعات حقبة ما بعد الكولونيالية حيث "الفعل فيها غدًا ذا طابع إشكالي يتخذ صيغة سؤال متعدد يشكك في جدوى الفعل ومدلول الحرية داخل عالم حديث بيروقراطي حيث إمكانات الفعل جد ضئيلة"26. 

ولقد أسهم التساؤل في صنع الاحتدام السردي في التحبيك ليأخذ شكلاً تصاعديًا ذا وتيرة سريعة فتطورت الأحداث وتأزمت الشخصيتان فاندفعتا نحو البحث عن إجابات "إذا كان الجماد والطبيعة بهذا الجمال، فلمَ لا يفوق الإنسان هذا الجمال وهو يمتلك خصيصة لا يمتلكها الشجر والورد وشعاع الشمس وضياء القمر، وهي العقل والإدراك؟ "27.

ومما ساعد في تمركز بنية التساؤل الوجودي في الرواية اعتماد الكاتب تقانة الفنتازيا بطريقة بورخس التي بغيتها الإيهام والحيرة وصنع أجواء لا اعتيادية غريبة لكنها ليست منفصلة عن الواقع كجعل الجوامد والحيوانات والطيور متكلمة أو منح الحياة لتمثال الحصان والفارس بالتناص مع أسطورة بجماليون أو استدعاء حكايات خرافية وأخرى عجائبية كحكاية الفراشة والقنديل.

وأسهمت التناصات مع أسماء الأدباء والروايات وبعض الأعمال الفنية والقصصية في توكيد مرجعية الفنتزة التي يبغي الكاتب قولبة الأحداث على وفقها "فصارت بصيرتي قارب صيد يستقبل شباك الدرر التي وهبني بها أوقيانوس يم تلك الجمجمة التي غادرتني هذا الفجر دون أي أمل بالرجوع"28.

وأسهم الوصف الخارجي بعين الكاميرا في توصيل رؤية بانورامية بتصوير تفسيري يعكس ما تعانيه كل شخصية.

ولم تكن اللغة الواصفة سكونية لأنها مالت إلى التجسيم ذي الأبعاد الثلاثية مما منح الصور أبعادا تشكيلية "وثمة في ميدان دائري قاعدة مرمرية تستند على أعمدة من صوان أبيض بلون الثلج المعجون مع التراب تحفها من أطرافها الأربعة درجات من الجلاميد تحفها وفي كل درجة نازلة أفواف الورد والزهر ومسورة بأسيجة من الآس المخضوضر الزاهي"29.

ولم تخل بعض التوصيفات من درامية تصويرية قاسية وفجة كمشهد الصبي وهو يشبك الحمامة بدبابيس حادة "وأشّكه في جمجمتها فتغمض عينها تلبية لسلطان نوم إجباري، فأنتضي سكينًا صغيرة وأحّز صدرها وبطنها ثم أثبت الجلد على الأرض"30.

وإذا كان التضاد كقانون حياتي هو المبرر لتوظيف العنف والقسوة على اعتبار "أن الأشياء والظواهر متناقضة وتتطور على أساس النقض الداخلي.. النقض هو التغلب على القديم من خلال التناقضات الداخلية"31 فإن هذا القانون ما عاد له وجود في يوتوبيا التوحد الميتافيزيقي بعد أن تقدم العمر بالصبي وصار رجلاً ناضجًا.

وفي الختام فإن رواية (الطيف) في مناقشتها لموضوعة فلسفية بهذه الأهمية تكون قد قدمت صورة للشخصية القصصية ما بعد الحداثية، إذ ما عادت الشخصية ذاتا بطلة ممتلئة بالثورية والمركزية ثائرة وصادحة بل هي على العكس تمامًا إنها الآن تعاني انشطارًا وتشظيًا لهذا هي منفردة ومنزوية وصامتة غير متصالحة مع المنظومة الثقافية التي أنتجتها ساعية إما إلى الانشطار بابتداع قرين مضاد لها وأما إلى التوحد برديف هو آخر يشبهها ويتوافق معها مدارية خساراتها ومتطلعة نحو عالم يوتوبي ليس فيه إلا هي والآخر توكيدًا لهاجس التأمل في الوجود انعزالاً وانتحاءً.

 

المراجع:

1 - جمهورية الخيال أمريكا في ثلاثة كتب، اذر نفيسي، ترجمة علي عبد الأمير صالح، منشورات الجمل ، بيروت، الطبعة الأولى، 2016/ 10

2 - م.ن/ 11

3 - أدب الفنتازيا مدخل إلى الواقع، ت. أي. ابتر، ترجمة صبار سعدون السعدون، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1989 /94.

4 -  أحفاد اورشنابي رواية، هيثم بهنام بردى، دار ثقافة للنشر، أبو ظبي، الطبعة الأولى، 2015 /130.

5 -  الطيف رواية قصيرة، هيثم بهنام بردى، منشورات اتحاد الأدباء والكتاب، بغداد، 2017/6 

6 - الرواية / 8

7 - الرواية/ 9

8 - الطيف رواية قصيرة/ 14

9 - الرواية / 16 في النص أين مخبئها كذا والصحيح مخبأها

10 - الرواية /17

11 - الرواية /17

12 - الرواية /25

13 - الرواية / 31 

 14 - الرواية /31

15 - الرواية /33

16 - الرواية /35

 17 - الرواية /41

18 - الرواية /58

19 - الرواية /40

20 - أدب الفنتازيا مدخل إلى الواقع/ 180

21 - المرئي واللامرئي ميرلوبونتي، ترجمة د. سعاد محمد خضر، مراجعة الأب نيقولا داغر، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986/42

22 - الطيف رواية قصيرة / 31

23 - حدس اللحظة، غاستون باشلار، ترجمة رضا عزوز، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، طبعة أولى، 1986/19 

24 - أسس الفلسفة الماركسية، ف . افاناسيف، ترجمة عزيز سباهي، منشورات جيدة النور، د. ت/ 180

 25 - الطيف رواية قصيرة /16

 26 - مجلة فصول مجلة النقد الادبي علمية محكمة الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد 67 2005 الستار الرواية يوتوبيا العالم لا يعرف النسيان مقتطفات، ميلان كونديرا، ترجمة محمد برادة/ 27

27 - الطيف رواية قصيرة /39

28 - الرواية /40

29 - الرواية /57

30 - الرواية /12

31 - أسس الفلسفة الماركسية/130


عدد القراء: 1890

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-