ظهور الرواية: دون كيشوت والانقلاب السري؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 00:58:41

د. سعيد بوخليط

مراكش - المغرب

بقلم: كارلوس فوينتس

ترجمة: د. سعيـد بوخليـط

يبدع الخيال ما يفتقده العالم، من هنا دوره الضمني لكنه الجوهري سياسيًّا. تدعو الرواية كي نكتشف الطبقات المتعددة والمتناقضة لحقائق متشظية، ثم الملاءمة بين الغموض والأحلام الناتجة عن هذا الاكتشاف. مثل حال دونكيشوت، يمكن أن تكون للقارئ الرغبة في التمرد على العقل السليم الملتزم بالاكتفاء بما لديه.

أكد ميلان كونديرا في روايته ''الستار" بأن روائيًا، فضلاً عن بلده وكذا اللغة الأم، ينتمي إلى تقليد يمثل داخله فرانسوا رابليه، وميغيل دي سرفانتس، لورانس ستيرن، ثم دنيس ديدرو أفراد عائلة واحدة، تعيش داخل بيت أدب العالم يتردد عليه الكاتب، بغض النظر عن الآداب القومية.

إذا كان هذا صحيحًا، تنطوي إذن كل الأعمال الأدبية الكبيرة سواء على التقليد الناشئة عنه وتساهم من خلاله، ثم الحداثة.

لأني أعتبر دون كيشوت بمثابة حجر زاوية الرواية كما تطورت منذ القرن السابع عشرة، فاسمحوا لي بناء على ذلك توضيح رأيي.

ينتسب سرفانتس (1547-1616) إلى تقليد فكري استحال عليه الكشف عنه، أقصد هنا تقليد "إيرازموس الهولاندي" (1466-1536)، منارة بداية النهضة في بلاط الشاب شارلكان، نور سرعان ما انطفأ جراء هبوب رياح باردة تعاكس الإصلاح .بعد انعقاد مجمع ترنت (1545) ، تحول إيرازموس وأعماله إلى مجرمين من وجهة نظر محكمة التفتيش، فبقيت وصيته سرًا. تشبع سرفانتس بتلك الفلسفة المحظورة. لقد بحث إيرازموس عن التوافق بين الإيمان والعقل، رافضًا ليس فقط دوغماطيقية الإيمان، بل والعقل كذلك. ونظرًا لأن سرفانتس يعتبر أحد أتباع إيرازموس في إسبانيا، فقد اضطر لإخفاء صلاته الفكرية معه.

الكتاب الأساسي لإيرازموس، هو: مدح الجنون (1509). أي مدح لدون كيشوت، يتسكع عبر عالم، تعتبر بالنسبة إليه كل حقيقة مشكوك فيها، بحيث يسبح كل شيء في الريب. ولأن سرفانتس يصعب عليه التعبير عن التأثير التحرري لفكر إيرازموس، فقد تجاوزه: صارت حكمة روتردام جنون دي لامانشا، وأفرز لنا زواج الحكمة بالشك الرواية كما نفهمها. فضاء متميز للشك.

مكان غير محدد: قرية مهملة منتمية لإقليم إسباني منعزل. كاتب غامض، وأسماء يصعب التحقق منها: هل حقًّا دون كيخوتي نبيلاً إسبانيًا مفلسًا واسمه الحقيقي "ألونسو كيخاتو" أو "كيخانا"؟ أو ربما "كيزادا"؟ تغير أسماء دون كيشوت يقوض أي يقين يتوخى تأويلاً مباشرًا. دولسينا اسم حبيبته، ثم فتيات معوزات يصبحن ملكات وأميرات، وشديدات النحول ينتقلن إلى  بطلات قاسيات، ثم سيدات قصور أميات يتحولن إلى حاكمات.

ثم ترسخ الشك نتيجة الثورة الديمقراطية الكبيرة التي أرساها سرفانتس، المتمثلة في إبداع الرواية كفضاء مشترك، ومكان اللقاء في المدينة، والموقع المركزي، والساحة المتعددة، والحديقة الصغيرة العمومية حيث يمتلك كل واحد حق الاستماع إليه في المقابل لا أحد يملك سلطة تمنع عن الكلام. هذا المبدأ المرشد نحو الإبداع الروائي تحول إلى "حوار الأجناس" حسب تسمية الباحث كلوديو غيلين، بحيث انصهرت جميعها ضمن الفضاء المفتوح لدون كيشوت.

يبسط هنا المتسكع سانشو بانتا، اليد إلى الملحمي دون كيشوت. تتكسر خطية السرد، يتم تطويقه فيضطر كي يسرع متقدمًا، أو على العكس تقاطعه حكايات بين طيات الحكاية، جراء الفاصل الزماني، ثم مع رواية الحب الغزلي وأبناء الموريسكيين وبيزنطينية سرد، يجد نفسه، ضمن نسيج رواية، تقدم نفسها في نهاية المطاف باعتبارها في الآن ذاته هوية ثم اختلافًا لفضائها اللساني.

قبل ميغيل دي سرفانتس، أمكن السرد النفاذ وفق قراءة واحدة للماضي: البطولي، أو الحاضر: المتسكع. يمزج سرفانتس الماضي مع الحاضر، وقد حول الرواية إلى سيرورة نقدية تقترح قبل كل شيء قراءة كتاب حول شخص يقرأ كتبًا، كتاب يصبح بعد ذلك كتابًا حول شخص يدرك أنه سيقرأ. حينما ولج دونكيشوت مطبعة في برشلونة واكتشف ماهو مطبوع هناك، أي كتابه الشخصي: دون كيخوتي دي لامانشا، فقد انغمسنا بغتة بين طيات عالم جديد حقًّا بالنسبة للقراء، وقراءات سهلة البلوغ لدى الجميع وليس فقط مجموعة صغيرة داخل السلطة، سواء كانت دينية، سياسية أو مجتمعية.

الرواية وهي تضاعف منذ حقبة سرفانتس، في ذات الآن الكُتّاب والقراء، صارت قاطرة ديمقراطية، ففضاء الاختيار الحر، وكذا التأويلات المتتالية للذات، والعالم أو العلاقة بين الذات والآخرين، بين الآخر والأنا، بين الـ"نحن" والـ"هم". الدين دوغماطيقي. السياسة إيديولوجية. يلزم العقل الامتثال للمنطق. لكن من حق الأدب أن يكون غامضًا.

ربما الإبهام في الرواية طريقة كي تخبرنا، بما أن الكُتّاب (ومن خلال ذلك السلطة نفسها) غير موثوق فيهم ويحتملون تفسيرهم بكيفيات عدة، تصور يسري كذلك على العالم. لأن الحقيقة ليست جامدة، بل متغيرة. لا يمكننا الاقتراب من الحقيقة إلا إذا توقفنا عن الطموح صوب تعريفها مرة واحدة وإلى الأبد. الحقائق الجزئية التي تقدمها رواية ما، تشكل  متراسًا ضد المغالاة الدوغماطيقية. هكذا، لماذا إذن تضطهد الأنظمة التوتاليتارية الكُتّاب، كما لو يحظون حقًّا بشأن، مع أنها تعتبرهم  ضعافًا ولا قيمة لهم على المستوى السياسي؟

يكشف هذا التناقض عن الطبيعة العميقة للسياسة في الأدب، حيث مرجعيته الحاضرة، المدينة، تجمع المواطنين الذي يتطور ضمن الاستمرارية، وليس السلط التي تمضي، لكنها مفعمة بالعجرفة، وتظن نفسها أبدية. 

حسب شروط "عادية"، لا يملك الكاتب تقريبًا أي أهمية سياسية. هو (أو هي)، يمكنه طبعًا، باعتباره مواطنًا، أن يصير مُهِمًّا على هذا المستوى. له إذن أهمية سياسية مطلقة: حينما يقدم إلى الحاضرة، قيما جوهرية تجمع بين الشخصي والجماعي، مهما كانت ساكنة ومتأخرة وغير مباشرة: أقوال وخيال، لغة وذاكرة، خطاب وقصد.

فيما يخص الخيال، من رابليه ثم سرفانتس وصولاً إلى غونتير غراس ونادين غورديمير، جسَّد طريقة أخرى لمساءلة الحقيقة، مادام أننا نسعى إلى إدراكها عبر مفارقة زيف، يسمى ربما خيالاً، واعتباره مثل مرآة نقدية حول ما يجري للحقيقة وسط عالم التوافقات. أسس هذا الكذب بالتأكيد مستوى جديدًا للوجود، حيز عثر فيه دونكيشوت وإيما بوفاري على حقيقة كبيرة، ليست أقل دلالة، من كتيبة المواطنين الذين التقوا بسرعة، وسرعان ما ينسون أيضًا، حيث شكل ذلك قضيتهما. صحيح أن دونكيشوت وبوفاري يوضحان، ويمنحان وزنًا وحضورًا سواء لفضائل وعيوب - هذه الشخصيات العابرة- أثناء لقاءاتنا اليومية.

في دون كيشوت، حسب فيودور دوستويفسكي، فالحقيقة أنقذها كذب. مع سرفانتس، توطد الرواية حق نشأتها حول كذب يعتبر أساسًا للحقيقة. لأنه باستعماله الخيال، يضع الروائي العقل على المحك. يبدع الخيال ما يفتقده العالم، ما نسيه العالم، ما يطمح إلى إدراكه ثم لن يدركه ربما قط. إذن، الخيال طريقة لتملك العالم، وإعطائه لونه، مذاقه، دلالاته، أحلامه، لياليه البيضاء، ثم المثابرة بل وحتى الطمأنينة الكسولة التي يحتاجها من أجل مواصلة وجوده.

لقد عَكَسَ سرفانتس حقبته: إسبانيا متدهورة خلال حقبة آل هابسبورغ، فيليب الثالث وانخفاض قيمة العملة، ثم انهيار الاقتصاد جراء الطرد المتواصل للعمال المهرة اليهود والعرب، والرغبة المحتدة قصد التكتم على الأصول العبرية والمغربية، مما يقود مجتمعًا يرتكز على شخصيات هشة، إلى غياب حاكمين ناجعين حقًّا يخدمون إمبراطورية واسعة، مع اختفاء ذهب ومال الهنود لصالح قوى المحلات التجارية لشمال أوروبا. إسبانيا الصعاليك والشحاذين، والسلوكيات الجوفاء، والارستقراطية الغاشمة، والطرق المخربة، والنُزُل الريفية المترهلة والنبلاء الضائعين، الذين اجتاحوا خلال أزمنة أكثر بأسًا، المكسيك، وأبحروا في الكارايبي، وقدموا إلى العالم الجديد أولى جامعاته ومطابعه: المقدرة الأسطورية لاسبانيا تولت اكتشاف أمريكا.

أوضح بالتأكيد سرفانتس ومعه باقي الكتاب الكبار للعصر الذهبي الإسباني أن الأدب بوسعه إعطاء المجتمع ما سبق للتاريخ انتزاعه منه: «أين هي طيور السنة الماضية؟»، يتحسر دون كيشوت لحظة احتضاره. لقد مات هؤلاء وحٌنِّطوا، من أجل ذلك تحتم على دون كيشوت إعطاء روايته التحليق الذي يبعثه طائر العُقاب، وكذا بسطة جناحي البطرس.

تمامًا كما أجاب سرفانتس على مجتمع متقهقر خلال حقبته، بانتصاره إلى جانب الخيال النقدي، نرى أنفسنا في مواجهة مجتمع ينحدر مما يحتم علينا التفكير بخصوصه، وتأمل الطريقة التي يتسرب بها إلى حيواتنا، يحيط بنا ويعرض علينا كي نجيب على الانتقال نحو التاريخ عبر الشغف بالأدب.

نعلم أنه خلال بداية القرن الواحد والعشرين غيرت الأوليات موضعها. تجاوزت الميزانية العسكرية كثيرًا الاستثمارات الموجهة إلى ميادين الصحة والتعليم والتنمية: أما المطالب الملحة للنساء، والأشخاص المسنين، والشباب فقد فُوضت للصدفة كي تتكفل بها. تضاعفت الجرائم نحو الطبيعة. في السماء، كما كتب خورخي بورخيس، ترادف الاعتناء والخلق لكنهما أصبحا عدوين في الأرض.

القيم العالمية، التي تحققت بقوة المثابرة النقدية والتضحيات- حقوق الإنسان، الدبلوماسية، تعدد الأطراف، سيادة القانون- قد هوجمت بسرعة عمياء من طرف النزوع نحو هيمنة الواحدية، ثم الحرب الوقائية وكذا الغطرسة المطلقة التي "تسبق الانهيار". جوابنا على هذه الحقائق ليس أحيانًا سوى سلبية مغتبطة. هناك من يعتقدون أنهم يعيشون في أفضل العوالم لأنه قيل لهم كان الضروري مستحيلاً.

لكننا من جهة ثانية، اقتحمنا خوف مضطرب، وإن بدا مُعَطَّلا، لنهاية كامنة في العالم تحدث عندما يتوقف الله عن حب مخلوقاته ويقتضي منه المآل تحطيمها جميعا قبل أن يعيد الكرة من البداية، مثلما أشار غوته.

انقاد المكان خلف فعالية الصورة، حيث صار بوسعنا أن نكون في كل مكان، خلال الوقت نفسه. بينما انسحق الزمان، وتفتت إلى صور تلاحق خطر التنكر في الوقت نفسه لخيال الماضي ثم ذاكرة المستقبل. قد نصبح عبيدًا لصور مبهرة يتجه إليها اختيارنا. قد نغدو مجرد روبوتات مسرورة تتسلى بموتها.

أظنها حقائق ينبغي لها دفعنا نحو التأكيد على أن اللغة بمثابة أساس للثقافة، وسقف للخيال، وقبو للذاكرة، وغرفة نوم بالنسبة للحب، وأبعد من كل هذا، تمثل النافذة المفتوحة حول هواء الشك، الذي يسائل ثانية ويستفسر. أكتشف في كل الروايات الكبيرة هدفًا إنسانيًا، نسميه شغفًا، حبًّا، حرية أو عدالة، ويدعونا كي نتذوقه وفق الراهن والعمل على تحقيقه حتى لو كنا ندرك أنه محكوم عليه بالفشل.

يعلم دون كيشوت بأنه سيخفق، تمامًا كما توقع ذات المصير، الأب غوريو (بلزاك)، أنا كارنينا (تولستوي) والأمير ميشكين (الأبله، دوستويفسكي). لكن فقط بفضل الوعي، الضمني أو الصريح، بإخفاقات كهذه حافظوا وساعدونا كي نحافظ بدورنا على طبيعة الحياة نفسها، الوجود البشري وقيمه، مثلما عاشتها، عبر مختلف الأزمنة، كل الأجناس، وعائلات البشرية، ثم تبلورت وترسخت دون أن تتلاشى وراء سراب تقدم وكذا غبطة مطلقة ومضمونة. بعد تجارب قرون مضت، لا يمكننا قط تجاهل الاستثناءات المأساوية للسعادة والتقدم اللذين تواجههما البشرية. 

في روايته :"ضوء شهر غشت"، وضع ويليام فوكنر، على نحو تقابلي وفي ذات الوقت أعاد ربط خاصيتين متباينتين، جوانا بوردن، الكهلة الشبقة، ثم جو كريستماس، عشيقها الشاب الأسود. ينحاز كريستماس إلى جانب الحرية. لكنه يعلم أنها مقيدة، حتى ولو تجلت في صيغة اعتقاد مثالي. ينتابه شعور بأن يكون نسرًا، قويًّا، شرسًا، عديم الشفقة، ومتحررًا. لكن حينما ينقشع هذا الإحساس، سيدرك بأن جسده يمثل سجنه. خوانا بوردن، وقد استمتعت بجسد جو كريستماس، تسعى إلى الاعتراف بذنبها، ليس دائمًا، لكن قليلاً فقط، هكذا تتضرع قائلة: «إلهي، لا تجبرني على الصلاة. أتركني فقط، أن أعمل على إدانة نفسي قليلاً أطول فترة».

إنهما ليس سوى اثنين من سمات فوكنر التي اكتشفت في الحب الطبيعة التراجيدية للحرية والمصير. عند فوكنر، تبيّن استطاعتنا على المقاومة يعني أيضًا قدرتنا، خلال لحظات معينة، على الظفر بانتصار.

إذا أثرتُ الانتباه نحو هذه الحقيقة التراجيدية والكلاسيكية لدى فوكنر، فلأني وجدتها أساسية بالنسبة إلى نَفَسِ الرواية ذاته: الحرية تراجيدية لأنها واعية في ذات الآن بضرورتها وكذا حدودها، كتب فرانز كافكا: «لا أتطلع إلى الانتصار، ولا تبهجني المعركة كمعركة، بل تفرحني فقط لأنها الشيء الوحيد الذي بوسعي القيام به…المعركة كما هي، تبهجني أكثر مما يمكنني تثمين ذلك…إذا رضختُ، فلن يكون ذلك تقريبًا بسبب المعركة، بل نتيجة سعادة خوضها». ثم قولة فوكنر الشهيرة: «بين الحزن والعدم، أختار الحزن»، ويضيف: «سينتصر الإنسان». ألا يمثل هذا ربما، حقيقة الرواية؟ ستظفر بها الإنسانية، وسيتأتى لها ذلك، رغمًا على طوارئ التاريخ، مادامت الرواية تخبرنا بأن الفن ينعش داخلنا الحياة، حياة احتقرها التاريخ جراء تعجله. لأن التاريخ ما مضى، سيمنح الأدب التاريخ شيئًا لم يحققه الأخير قط. بالتالي، لا يمكننا أبدًا تقديم شهادة بخصوص نهاية التاريخ، اللهم إذا حدثت نهاية العالم فجأة.

كيف بوسع التاريخ أن يتوقف، ما دمنا لم نقل بعد كلمتنا الأخيرة ؟

 

مرجع النص:

Manière De Voir :octobre - novembre ;numéro 137 ;2014.pp :88-91.


عدد القراء: 1807

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-