من «وحي الحرمان»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 01:57:22

أ.د. إبراهيم بن محمد الشتوي

أستاذ الأدب والنقد – قسم الأدب - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

حين نقرأ ديوان «وحي الحرمان» للشاعر الكبير الأمير عبدالله الفيصل، نجد شعرًا لا يختلف في مبناه أو موضوعاته، عن شعر الرومانسيين العرب ابتداء من أوائل القرن العشرين جبران خليل جبران، وانتهاء بشعر الملاح التائه، ومحمود حسن إسماعيل والهمشري؛ الأوزان مجزوءة، والإيقاعات راقصة، والألفاظ سهلة جدًّا مواتية، والنبرة هامسة رقيقة، والمعاني غير مباشرة. هذه الملامح التي اتسم بها الشعر الرومانسي العربي جعلت بعض الدارسين يظنون أن هذا الشعر يرتبط بشعر الغزل العربي القديم، ويتصل بشعر العذريين على وجه الخصوص. لكن الحقيقة الكبيرة أن الشعر الرومانسي لا يتصل بتلك الأشعار، والرؤى التي تنطلق منها، باعتبار تلك الأشعار الأولى تتحدث عن المشاعر التي يجدوها الشعراء عن محبوباتهم، وهي مشاعر حسية في الغالب بالرغم أنها تتجاوز الجسد إلى الحديث عن المشاعر نفسها وتوصيفها، وذلك من مثل قول جميل الشهير:

إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي

                            من الحب قالت ثابت ويزيد

وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به

                            تولت وقالت ذاك منك بعيد

 فلا  أنا  مردود  بما  جئت  طالبا

                            ولا  حـبـهـا  فـيما يبيد يبيد

فهي منطلقة من الجسد، وتعود إليه، بدليل البيت الأخير الذي يؤكد ما يدور في ذهن الشاعر. وهذا يختلف عن الشعر الرومانسي الذي تأتي فيه المرأة موضوعًا، ليست بما فيها من لحم ودم، بقدر ما هي قضية تطرح بوصفها كائنًا خياليًا، ثم بوصفها طريقًا للقول، والتعبير عن الرؤى والأفكار، يظهر هذا في أبيات الشابي المشهورة:

أنت  ما أنت؟ أنت  لحن  عبقري  من  سر  هــذا  الوجــود

أنت.. ما أنت؟ أنت فجر من السحر تجلى  لقلبي المعمود

فأراه  الحياة  في  مونق  الحسن  وجلى  له خفايا الخلود

أنت  روح  الربيع،  تختال  في  الدنيا  فتهتز  رائعات  الورود

ومن هنا رأينا في الرومانسية المرأة معادلاً موضوعيًا للوطن، والحديث عن ضمير المؤنث يفسر كثيرًا بالحديث عن الأوطان، وهو ما جعل الشعر الرومانسي متميزًا بعمقه وعدم مباشرته في القضية التي يتناولها، بخلاف الشعر الكلاسيكي. على أن ما يميز الأدب الرومانسي ليس اللغة ولا الصورة، ولا طريقة القول التي سبق الحديث عنها وحسب، وإنما الرؤية التي تقلدها الرومانسيون، وانطلقوا منها، فجاءت هذه القضايا سالفة الذكر نتيجة عنها. تتحدد الرؤية الرومانسية بعدد من المحددات، أهمها يكمن في رفض المرحلة الكلاسيكية وقيمها، وما نتج عنها من زيف وكذب، وخديعة، وبعد عن الطهر، والنقاء، والحقيقة، التي لا توجد إلا في النفس الإنسانية حين تصفو من الكدر وذلك في مواطن الصفو كالطبيعة، والقرية. فالبحث عن الحقيقة هو الذي دفع الرومانسيين إلى الغوص في النفس، والعودة إلى الذات، والبحث عن مواطنها، ومواطن صفائها، ومساءلتها، ومن هنا جاء بحث الشاعر الأمير عبدالله الفيصل عن الحقيقة فيما حوله حيث بحث عن الصدق في تعامل الناس معه، وعدم قدرته على تعرف ذلك ما دامت معاملتهم بالحسنى قد لا تكون على ظاهرها، وإنما بسبب ما هو فيه من موقع حساس: «وعلمتني الأيام - يا صديقي القارئ- أن المركز الخطير، والنفوذ الكبير، والمال الوفير، كلها مجتمعة، مدعاة لتغيير أسلوب الناس في معاملتك، فهل ما أحس به الآن من معاملة خاصة أو عامة لم يكن إلا لأني إنسان يستحق هذا عن جدارة، أو لأنني أتمتع بهذه الميزات الثلاث؟ لعل ذلك من بعض دواعي الشعور بالحرمان» هذا البحث عن الحقيقة، والتساؤل حولها في داخل النفس، وعدم الاكتفاء بالمظاهر هو معنى رومانسي، وذلك أنه يقوم على البحث، والنظر ويقوم على عدم الاطمئنان للمظاهر التي قد تكون خادعة، بالإضافة إلى أنه يدعو إلى استبطان الذات والنظر فيما تشعر به وتحسه على وجه الحقيقة، والسير معها في دهاليزها. هذا الحزن الذي هو سمة الرومانسي، ويبين موقف الفرد من المجتمع من الناحية النفسية كما اعتاد الرومانسيون ولكن بموقف آخر ربما لم يتناوله الرومانسيون من قبل. وسبب أن الرومانسيين لم يتناولوه من قبل أمر يسير أن هذا الموقف في الأساس ليس من مواقف الرومانسيين، فالأصل في هذا الإحساس أنه إحساس أرستقراطي، فهو الذي يخشى أن يكون تعامل الناس معه، غير صادق، ولا على وجهه، بخلاف الرومانسي المحروم من متع الحياة، والذي هو في الغالب إحدى ضحايا المجتمع. هذا الموقف الأرستقراطي مع المعنى الرومانسي لا يتأتى لكل شخص إلا من هو في موقع الأمير رحمه الله، فالأمير لا ينتمي إلى فئة الرومانسيين الاجتماعية بقدر ما ينتمي إليهم بإحساسه، ومشاعره، ورؤاه. والعودة إلى الذات والموقف منها في الفكر الرومانسي هو الذي يبين موقفها من الآخر، فعلى الرغم من أن الرومانسية تدعو إلى العودة إلى الذات سواء كانت هذه الذات فردية أو جماعية، بدليل أن الاتجاهات القومية قد ظهرت في ظل الحركة الرومانسية، إلا أنها من خلال وقوفها على موقف الذات من المجتمع شكلت رؤيتها حيال الآخر وماهيته وموقفه، باعتبار الذات آخر في بعض المواقف. وقد كان هذا واضحًا في مواضع عدة من الديوان، ولعل أبرز ما تظهر فيه هذه العلاقة بين الأنا والآخر المتميزة في بيت الأمير الشهير:

            أكاد أشك في نفسي لأني

                                 أكاد أشك فيك وأنت مني

فمع ما يتضمنه المعنى من ذوق عال مرهف الحس في التعبير عن العتاب، والشك، فما يبلغ ذلك إلا ويقدم العذر بين يدي هذا الشك، مما يخفف حدة غضب المحبوب، ويبعد عنه نزعات الشك. مع ذلك فإن هذا البيت يقدم رؤية محددة لعلاقة الأنا بالآخر، ولو قارناه ببعض النصوص المماثلة التي تبين علاقة الذات بالآخر، لوجدنا الفرق بينها. ومن ذلك ما روي عن أرسطو حين سئل عن الصديق قال: «إنسان هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك»، فهذه العلاقة مع الآخر تقوم على التماثل الذي لا يصل إلى حد الاتحاد بدليل أنه بالشخص غيرك، أي بالعيان شخص آخر، ولكن بما تقارب من الصفات، وما تبادلوا من المودات أصبح بمنزلتك، وإن لم يكن أنت. وهي منزلة أقل من مطلق الاتحاد والاشتراك التي في قول الشاعر:

            أنا من أهوى ومن أهوى أنا

                                     نحن روحان حللنا بدنا

             فإذا  أبصرتني  أبصرتـه

                                     وإذا  أبصرتــه أبـصـرتنا

فالشاعر هنا قد بلغ من التداخل والتمازج مع محبوبه مرحلة كاملة بأن أصبحا ممتزجين، فلا تفرق بين أحدهما والآخر، فإذا أبصرت واحدًا منهما كأنك قد أبصرت الآخر، وهذا هو التداخل الصوفي الكامل الذي تحل فيه الذات محل الآخر، فلا تكاد تفرق بينهما وذلك من خلال التداخل بين الذات والصفات.

في حين نرى في بيت الأمير أن الشاعر يحتفظ بموقعه، كما يحتفظ المحبوب الآخر باستقلاله، فكل واحد يظل في مكانه، والتداخل بينهما تداخل جزئي، فهو «منه» وليس «هو»، وهذه الجزئية منطلقة من التشابه بالصفات، أو من التماثل في أساس التكوين فمنطلقها إنساني كما هو لدى الرومانسيين، وهذا التداخل الإنساني بين الأنا والآخر في الرؤية الرومانسية هو الذي دفعهم إلى تطوير حياتهم الاجتماعية، وإعادة النظر إلى أصحاب الخطيئة ليس بوصفهم معدنها، وبوصفها قدرهم، وإنما بوصفهم نتاج مجتمع دفعهم إلى ذلك دفعا.

ومنذ الوهلة الأولى لقراءة الديوان يجد القارئ أن القضية الكبرى للديوان هي قضية الحب، وربما يبدو هذا من معجم الشاعر اللغوي، ولكن ما هو الحب الذي يظهر في هذا الديوان، والذي يبدو أن الشاعر يمتلئ به؟ كان العرب يتحدثون عن الحب، والوجد، والهوى، والغرام، والصبابة، والتعلق، والهيام، والوله، ولكن هذه الأنواع والتي يفرق بعض علماء المعاني بينها ليست هي الأنواع التي يتحدث عنها الشاعر، فالشاعر يتحدث عن حال يلم في العاشق وهو يكابد لواعج حبه، دون أن يفصل القول في الحب نفسه. وإذا كان الشاعر قد وقف على الملمح الدقيق الذي يعيشه مثله في موقعه الاجتماعي، فألح بالسؤال على حقيقة ما يراه، وفصل في ذلك بين وجوده الإنساني وبين كل ما يحوزه من نشب، في فعل رومانسي عميق، يسعى لأن يستبطن الأشياء أمامه، في الوقت الذي يستبطن فيه نفسه، فإنه أيضًا في الديوان وقف من محبوبه موقفًا لا يقل دقة ورهافة من موقفه ذلك، وإذا ما قيس هذا الموقف بموقفه السابق استطعنا القول بأن الموقف السابق بينه وبين المجتمع في حين يأتي موقفه الحالي بينه وبين محبوبه، فالأول موقف اجتماعي في حين الثاني موقف ذاتي فردي. يكثر في حديث الشاعر عن محبوبه، ذكر ألفاظ مثل: الشك، الظمأ، الارتياب، الفقد، البعد، العجز عن الهجر، وهي أحاديث كلها تدور في حول معجم واحد هو معجم الوصل والفراق. وفي حديثه يكشف عن معاناة تتحدد في حالات محددة إما أن يشتاق لها ويرغب في وصالها، ويشكو من عدم وصوله إليها:

               سـمـراء يا حـلـم الـطـفـولــة

                                           يا مـنـية الـنـفـس العليلة

               كيف الوصول إلى «حماك»

                                           وليس لي في الأمر حيلة

               إن  كان  في  ذلــي  رضــاك

                                           فـهـذه  روحــي   ذلــيلـة

               ووســيــلــتـي    قــلــــب   بــــــه

                                           مثواك  إن  عـزت  وسيلة

               فـلــتــرحــمــي   خــفــقـانــــــه

                                           لك  واسمعي فيه عـويله

فهذه السمراء التي تمثل حلم الطفولة، وهي إما أن تكون حلم طفولته هو أو أنها حلم الطفولة بوجه عام، وهو ما يعني أنها تفوق الطفولة حسنًا وجمالاً وبراءة وعذوبة كقول الشاعر:

               عـذبــة  أنت  كالـطـفـولـة

                                      كالأحلام كابتسام الوليد

هذه السمراء قد ملكت عليه كيانه، وهو يتذلل لها بأن ترق له، وترحم خفقان قلبه، بالرغم أنها بعيدة المنال، فحماها بعيد عنه مما يدل على منعتها، وعلو مكانتها.

وقوله:

               فـفـيم  هذا  التجافي

                                والهجر - يا حلو -  والصد

               لكم  سهرت  الليالي

                                 وقـلـت:  يا نجم فاشهـد

               بأنـني  مـنـه  مضـنى

                                 وأنــنـي  فــيه  أحـســد

فالشاعر هنا يلوم محبوبته على الصدود والإعراض، والتجافي، خاصة وأنه قد سهر الليالي، وأشهد النجم على ما يعانيه من كبد الحب، وعناء الفراق. وقد استعمل الشاعر كلمات: (التجافي، الهجر، الصد)، وهي تفيد معنى واحدًا للدلالة على ما يدور في نفسه من ألم وشدة هذا الهجر والصدود.

وقوله:

               أزمعوا بينا وشدوا رحلهم

                                     فتوارى  طيف  أحلامي الجميل

               وتهاوى  الدمع في آثارهـم

                                      وهو كالجمر على الخـد يسيل

وقوله:

               قلت  أهواك   وعن   دنياك  بالحب  شغلت

               وبودي لو تحدثت إلى الدنيا  بحبي  وأطلت

               وتأملت  الذي  يوحـي  إلى  قـلـبي  وقلت

               هل سمعت اللحن من قلبي ينساب لقلبي

               ثـم  يـرتـد  فـيـروي  لك  مــا قــصــة حـبـي

               ويناديـــك إلى عــش هـوانـا  المــسـتـحـب

في هذه الأبيات جميعًا نرى الشاعر الأمير يجعل محبوبه أمنية عالية المكان بعيدة المنال، يتشوق إليها، ويسعى لإرضائها، دون أن يصل إليها، أو دون أن يبدأ بالتواصل معها، وهو ما يمكن أن نسميه ما قبل التواصل، حيث يبث مشاعره وأشواقه دون أن يبدو أن هناك استجابة من المحبوب. تلت هذه المرحلة مرحلة أخرى يتحقق فيها الوصل بين الطرفين لكن الشاعر يظل يعالج تبل الحب كما يقال، فتلح عليه هواجس غضب المحبوب، وعدم اطمئنانه على منزلته لدى ذلك المحبوب الذي خان عهوده ولم يحفظه أو يحفظ هواه. وهذه الحالة تتمثل بعدد من النماذج، كقصيدة الشاعر الأمير المشهورة «ثورة الشك» أو «عواطف حائرة» التي مطلعاه:

              أكاد  أشــك  في  نفــسـي  لأني

                                            أكاد  أشك فـيـك وأنت  مني

               يقول الناس إنك خنت عهدي

                                            ولم  تحفظ  هواي ولم تصني

                                              ***

               يكذب  فيك  كل  الناس  قلبي

                                            وتسمع  فيك  كل الناس أذني

               وكم  طافت  علي  ظلال  شك

                                            أقضت  مضجعي  واستعبدتني

فهو يقع حائرًا بين الشك واليقين، بين شكه في حبها وقبولها له، وبين يقينه بحبه هو لها، وبين شكه في منزلته لديها وإخلاصها له، وبين يقينه في تملكها قلبه، ذلك الحب والتملك الذي يجعله حذرًا من إغضابها، وأن يقول كلمة قد تزيد ما في قلبه من شك، خاصة وأنه يسمع من كلام الوشاة الذين يؤكدون شكوكه فيها، ولكن قلبه المحب الواله يأبى إلا أن يصدق ما تقوله هي له، ويعرض عما يقوله الناس ولو اجتمعوا لذلك وكان بعضهم لبعض ظهيرًا.

هذا القلب الذي يظل مدنفًا صاحبه يخفق بحب أحبابه كما في الشاهدين اللاحقين، له عالمه الخاص الذي لا يستجيب فيه لباقي حواسه، ولا يستجيب للعذال، وكيف يستجيب لها وله السلطان عليها، والحكم فيها، أليس القلب هو اللب، وإن صلح صلح الجسد كله؟!.

وقوله:

              يا قلب  حار  بك  الكرى

                                     والحب  منك  كما   تـرى

              نـاء  يــقـــر  بــــه  الخـيـال

                                      فاقنع  وحسبك  ما  ترى

وقوله:

               لـيـتـه  يـعـرف  الملـل

                                 دائم  الخـفـق لـم  يزل

               هده  الهجر  فانبرى

                                  يقـتـل  اليأس  بالأمـل

              مذ وعدت اللقاء في

                                 عـاجـل  يسبق الأجـل

وقوله:

              ألاقي من عذابك ما ألاقي

                                 وحبـك  في  حنايا  القلب  باق

وتسرف في الصدود وفي التجني

                                 وأسرف في التياعي واشتياقي

ولو  يدري  فـــــــؤادك  مـــا أعاني

                                  وما  ألـقـاه  من  ألـم  الـفـراق

لمـا  أمـعـنـت  في  هـذا  الـتـجـــافي

                                  ولا  أذللت  من  دمعي  المراق

وحكاية الصدود والهجر في مقابل التعلق، والوله هي نفسها هنا، ويزيد عليها شكواه من تجاهلها له، مع علمها به، إلا أن هذا الصدود والإسراف فيه لا يقابله إلا الإقبال عليها من قبله، فإسرافها يقابله إسرافه في حركة عكسية جعلته يزداد صبابة وعشقًا، وهي تعلم بهذا ولكنها لا تحس به إحساسًا حقيقيًا يخالج قلبها، وهو بهذا يلتمس لها العذر لأجل أن يخفف ما يجده في نفسه من ألم صدودها، وإعراضها، ولذا فإن الاعتذار في الحقيقة اعتذار لنفسه في مواصلة هذا السلوك، واستمراء التذلل، والتقرب، وهو وإن كان سلوكاً غير مقبول في خلق الأمير إلا أنه محبوب في خلق العاشقين الذين بلغ بهم العشق كل مبلغ، والشاعر معدود فيهم.

وقوله:

قـضـيت  على  حـبي  قـضيت على ودي

                                   وأنت  التي  قد  كنت أوري بها زندي

شككت على بإخلاصي فعكرت صفونا

                                    كما ارتبت في حب ترعرع في مهدي

فآثرت  أن  تقضي  على الحب والهوى

                                    بما جئت  من شك  وما شئت من بعد

                                        ***

إذا  ما  احتواني  الليل  أبديت  لوعتي

                                   ويعـلـهـا  نجـم  رقـيب  على  سهــدي

أناجــيــه  والآلام  تـفـري  حــشــاشـــتـي

                                   بما  يعتريني  من  غــرام  ومن  وجــد

فــلا   تـظـلـمـيـنـي   بالمـــــلام   فــإنـنـي

                                 كفيل بحمل  العبء عبء الهوى  وحدي

وقوله:

يا ناعـس  الطرف  قد  فـازت  أعادينا

                                   واسـتـبـشـروا  بمـنـاهم  في تجـافينا

وكـف عـنـا  كــؤوس  الـصـفو ساكبها

                                   وعـاد  بالـشـجـو  والأحـزان  يـسـقـينا

                                 ***

مــا  كان  ظني  بكـم  يا منـتـهى  أمــلي

                                   أن  الــوشــاة  تقـصـيكـم  فـتـقـصـيـنا

                                 ***

وأنكم  تؤثرون  الشك  إن  عــرضـت

                                  بــه  الـبـوارق   مـن  إرعـاد  لاحـــيـنـا

تذكرنا هذه القصيدة بنونية ابن زيدون المشهورة:

أضـحـى  التنائي  بديـــلاً  عن  تدانينا

                                   ونـاب  عن  طـيـب لـقـيـانـا تجـافـيـنا

بنـتـم  وبنـا  فـمـا  ابـتــلـت  جـــوانـحـنــا

                                   شـــوقًـا  إليكم  ولا جـفـت مــآقـيـنــا

وهو ما يعني أن الشاعر الأمير يدمج تجربته مع تجربة ذلك العاشق، فتأتي قصيدته معارضة لقصيدة الشاعر وكأنه يذكرنا به بالرغم مما بين التجربتين من فارق. وقوله:

              لما  نـظـرت  إلي  أمـس  مـشـيحة

                                             بين الجـمـوع  بلحظك  المرتاب

              وجرت على شفتيك بسمة حائر

                                             ما بين  شبه رضا  وشبه عتاب

              أبصرت  في  عينيك  عمري كله

                                              وعرفت  أني قد أضعت شبابي

                                            ***

              أين  المـفـر  ومنك  ثـم  إليك مــا

                                            أسعى وما بي في غرامك مابي

وفي قصيدته الـ«سؤال» حين يلح عليه سؤال البحث عن مكتنه في ملكوت محبوبه، فيقول:

                        كلما  لاح  رضاك  في التدني

                        خلتني أني فتاك أتراني...؟

                        خبريني  وهواك  عن مكاني

                       كل  ما أرجوه  يا ليلاي  منك

                       لفظة  تمحو  خيالاتي وشكي

المرحلة الثالثة هي مرحلة الذكرى، حين ينفصم عرى الوصل، ولا يبقى في ذهن الشاعر، ووجدانه إلا تلك الأيام الجميلة التي قضاها مع محبوبه، وهو إما يتحسر على أيام خلت، أو أنه يطالب محبوبه بأن يبقي ذكرى تلك الأيام الجميلة كما هي:

              كان  حــلـمـا   يا فــؤادي   حــبـهـا

                                            وخــيالاً  ما ألاقي  من  هــواهـا

              قبل  هذا  الشوق  والوجد  الذي

                                            تركــتــه في فــؤادي مـلـتـقـاهـا

              ذكــريـات  الأمـس  مـا  أعــذبـهــا

                                            لـيـتـهـا  ظلت  كما  كنت  أراهـا

فحب هذه الفتاة حلم لأنه غير اعتيادي وواقعي، وكذلك هو خيال لعذوبته، وذكريات الأمس لا زالت تلح عليه وتثير الشوق في نفسه إليها، وإلى أيامها الجميلة. وهذا المعنى يكرره بالشاهد اللاحق حيث لا يستطيع توديع طيفها، وصورتها التي تترقرق في مخيلته في كل حين يقول: سلام. ويرغب في طي صفحة الماضي، فالأيام التي قضاها معها لا تزال حاضرة في وجدانه، ووفاؤه لتلك الأيام يجعله يستعذب تلك الذكرى في الحالين، ويتمنى أن تعود به الأيام السابقة وكأنه الشاعر الذي قال:

              خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبا

                                          لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

فحنينه إلى تلك الأيام الخوالي نوع من الوفاء لزمن قضاه، ولأوقات جميلة، ولمتعة قضاها، ولساعة قد ملأت عليه لبه. وقوله:

              كلما  قلت:  على  الذكرى سلام

                                       هــتـفـت  بالـقـلـب  أيـــام  خــوال

              لم  تدم لي يا حبيبي غير ذكرى

                                        ليت شعري هل أرى تلك المجالي؟

             قد تراءت لي على بعد المدى

                                         ما أحــيلاهــا إذا مــرت بـبـالـــي

وقوله:

             سكن  الحب وأغفى

                                يا  نـديـمي  كل  صــاح

             وأنا  ما زلـت  أشـكو

                                من  هـمومي  وجراحي

             فأنا  في الحب  – يا

                                ليلاي – مسلوب السلاح

             يا حبيبي،  وفـؤادي!

                                هل  لذكرى الأمس مـاح

فالذكريات في هذه الأبيات هي عماد هذه التجربة العشقية، وكأنها ارتداد لتجربة سابقة ولكنها في زمن حاضر. وهو لا يعني أن تلك التجربة لا زالت حية، وبقدر ما يعني أنها قد أسهمت في تكوينه وتكوين شخصيته، فالإنسان هو في الحقيقة مجموعة ذكريات تأتلف فيما بينها لتبني موقفه من الحاضر، أو لتبني تجربته الحاضرة، وحين تكون تلك الذكريات جميلة يأنس بها، ويتلذذ بذكرها فهذا يعني أنه لا يرى بأسًا من تكرارها. وأما حين تكون حاضرة في لبه ووعيه بحيث تلح عليه إلحاحًا مصحوبًا بالألم – كما في الشاهر الأخير- فهذا يعني أن تلك التجربة ما زالت حية وأن اعتدادها نوعًا من الذكريات هو من الوهم الذي يقنع بها الشاعر نفسه عله يسلو عنها ويتغلب على ما يجد من صدود وهجر، وأنى له ذلك وقد تحكمت من جماع قلبه؟!

حين ننظر في الأبيات والمراحل السابقة نجد أن الشاعر في موقعه من محبوبه لا يتحدث عن حالة وصل كاملة في كل الشواهد التي تحدثنا عنها، يرتوي فيها من المحبوب حتى يزول ما به من شوق، وإنما نجد العلاقة دائمًا محاطة بشيء من «الأجواء» التي تمنع هذا الارتواء وتحول حاجزًا دون الشبع والالتقاء الكامل؛ ففي المرحلة الأولى نجده ينظر إلى محبوبه بوصفه أملاً بعيدًا لا يمكن الوصول إليه، وفي الثانية يحل الشك حائلاً بينهما لا يستمتعان بالحب، وإذا كان الشاعر القديم يقول:

        وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه

                                      وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي

فإن هذه الحالة من اللاوصل واللاقطع هي حالة من الحب، وليست نفيًا له خاصة وأن هذا الشاعر نفسه الذي يحدد أحلى الهوى يقول في بيت آخر محاولاً بيان بذرة الحب ونشأته، فيقول:

                وما الحب إلا غرة وطماعة

                                        يعرض قلب نفسه فيصاب

فبداية الحب تكون لهوا ثم لا يلبث أن يعود جدًا، وتتمكن جذوره في نفس العاشق. وأحلاه ما لم يكن صاحبه مطمئنًا إلى حب محبوبه، ولم يكن متمكنًا منه كل التمكن، لأن جذوة الحب في هذه الحالة تكون متقدة تلهب قلب صاحبها بصهدها.

وقريب من هذا المعنى قول الشاعر الآخر:

                جبل الحب على الجور فلو

                                         أنصف المحبوب فيه لسمج

وفي المرحلة الثالثة يكون الحب وعلاقاته قد انتهى بوصفه كيانًا ثابتًا، ويبقى فقط ذكرياته التي قد تكون جميلة نظرًا لما صاحبها من فعل جميل ومشاعر عذبة، وقد يكون ولى ولكن ذكرياته لا زالت تبعث في قلبه لواعج الحب، فجمره لا يزال متقدًا تحت رماد البعد، وانقطاع الوصل. في هذه المراحل جميعًا نجد أن الشاعر لا يدرك الوصل الكامل بمحبوبه، ذلك الوصل الذي ينتج عنه الطمأنينة، ولكنه حالة من البعد أو من الظمأ أو الذكرى والشوق الأبدي الدائم. إنه حالة خاصة مما قبل الارتواء من محبوبه، وهي الحالة التي وصفها ابن عربي بـ«الذوق»، وهو حالة تفجأ القلب فإن أقام نفسين فصاعدًا كان شربًا وإلا فهو ذوق.

هذا الموقع الذي يقف فيه الشاعر هو نوع من الوقوف في منطقة الحرمان اللارتواء، والنظر، وهي الحالة التي تجعل صاحبها في بحث دائم وتطلع إلى نظر محبوبه حيث يصبح الري محال كما قال أبو يزيد ال بسطامي.

 


عدد القراء: 190

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-