في رثاء دينس جونسون ديفز رائد ترجمة الأدب العربي المعاصرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 02:47:18

د. محمد معتصم محمد علي

جامعة جدة- قسم اللغة الانجليزية والترجمة

بقلم: بيتر كلارك*

ترجمة: د. محمد معتصم محمد علي **

كتب الناقد الأمريكي الجنسية الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد عام 1990م قائلًا: «يظل الأدب العربي، إلى حدّ ما، غير معروف وغير مقروء في الغرب، فضلًا عن كل الآداب العالمية الكبرى، في حين أنه أدب يشهد طفرة كبرى». فقد كان، حينها، الأكاديميون الغربيون المتخصصون في اللغة العربية غير آبهين بدراسة الأدب العربي المعاصر وتناول شؤونه. وخارج الوطن العربي كان هنالك قلة لهم إدراك بأهميته وقيمته، خاصة في مجال الشعر والقصة القصيرة وبالأخص في مجال الرواية. إلَّا أن ذلك المشهد طرأ عليه تحولاً كبيرًا في السنوات الأخيرة، حيث ازداد الاهتمام بترجمة الأدب العربي المعاصر إلى اللغة الإنجليزية.  ويعزى هذا التحول الكبير إلى الجهد الغير مسبوق الذي بذله دينس جونسون ديفز في ترجمة الأدب العربي المعاصر الى اللغة الإنجليزية.

بدأ دينس جونسون ديفز رحلته الطويلة في ترجمة الأدب العربي المعاصر، والتي امتدت لسبعين عامًا، عندما ذهب إلى القاهرة ليعمل موظفًا في المجلس الثقافي البريطاني عام 1946م.  فأصبح صديقًا للعديد من الكُتَّاب والأُدباء العرب، وقرأ كثيرًا في القصة والرواية العربية المعاصرة، قبل أن يشرع في ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. ثُمَّ تحول شغفه بترجمة الأدب العربي المعاصر إلى إدمان، كما بين لاحقًا في مذكراته، لأن العائد المادي من ترجمة الأدب العربي المعاصر كان ضئيلًا إن لم يكن منعدمًا. فقد ترجم في أولى خطواته قصصًا وروايات ومسرحيات وأعمالاً شعرية، نشرهم على نفقته الخاصة. وفي المرات اللاحقة كان العائد المادي لا يكاد يغطي تكاليف الطباعة والنشر، لكنه كان موقنًا بأهمية ما يفعل، إذ تساءل لاحقًا في مذكراته قائلًا: «كيف نتخيل العالم والثقافة من غير الترجمة والمترجمين؟»

مَثَّلَ حصول الأديب المصري نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988م محطة فارقة في مسيرة الأدب العربي المعاصر. فقد تمكن ذلك الأدب من جذب الاهتمام والقُراء من مختلف أقطار العالم. وساهم ديفز بدوره في وصول الجائزة إلى نجيب محفوظ بعد أن تعرفت لجنة جائزة نوبل في الأدب على أعمال نجيب محفوظ من خلال أعماله المترجمة إلى اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية. فقد كان ديفز سباقًا في ذلك أيضًا، إذ تعرف على نجيب محفوظ، ونمت بينهما صداقة منذ الأربعينيات، وامتدت لاحقًا، وكان هو أول من ترجم أعماله إلى اللغة الإنجليزية. وظل يبث في الدوائر والجهات الأدبية في مصر أن القاهرة لديها قاصًا وكاتبًا عبقريًا يدعي نجيب محفوظ.

وتواصلت مساهماته في مجال ترجمة الأدب العربي المعاصر، ففي عام 1998م تأسست مجلة "بانيبال" المتخصصة في ترجمة الأدب العربي المعاصر إلى اللغة الإنجليزية ، والتي تصدر ثلاث مرات خلال العام، واحتوت أعدادها الأولى على ترجمة لأعمال أبرز الكُتَّاب العرب المعاصرون. ثم أنشئت الجائزة العالمية للرواية العربية في عام 2007م.  ونال كلاهما دعمه ومؤازرته، وشقا طريقهما استنادًا على اللبنات الأولى التي أرساها في ترجمة الأدب العربي المعاصر، مما أدى إلى تغيير المشهد الآن، إذ أن الأدب العربي المعاصر المترجم إلى اللغة الإنجليزية، صار واحدًا من أكثر الآداب الأجنبية ذيوعًا وانتشارًا في اللغة الإنجليزية.

ومما يجدر ذكره هنا، أن دينس جونسون ديفز ولد في فانكوفر بكندا، لأب محامي وأستاذ، وعاش طفولته في كندا والقاهرة والسودان ويوغندا. والتقط اللغة العربية وتعلمها، عندما كان بين الرابعة والسادسة من العمر، من قرنائه الأطفال وبائعي المتاجر في مدينة وادي حلفا، في شمال السودان، الواقعة في الجزء المتاخم لحدود مصر الجنوبية. وفي سن الثاني عشرة انتقل، دون رفقة العائلة، إلى بريطانيا للدراسة في "مرشنت تايلور"،  وهي مدرسة داخلية في مقاطعة هارتفوردشير. وفي تلك المدرسة، التي لم يحبها ولم يتميز فيها، لا على صعيد الدراسة ولا العلاقات الاجتماعية، برز في رياضة الإسكواتش لدرجة أنه صار بطلًا للمدرسة في سن الرابعة عشرة، إلا أن المدرسة سمحت فقط للتلاميذ الذين تتجاوز أعمارهم ستة عشر عامًا ممارسة اللعبة في ميادينها، فتدخل والده وهَدّد المدرسة، إما أن يُسمح له باللعب أو نقله من المدرسة. فغادر المدرسة عندما لم تستجب لرغبة والده. وعندما بلغ السادسة عشر انضم إلى كلية "سانت كاثرين" في جامعة كامبريدج لدراسة اللغة العربية لمدة عامين، حتى يتمكن من الالتحاق بجامعة كامبريدج. وهنالك درس خمسة فصول دراسية في برنامج البكالوريوس، أثناء الحرب العالمية الثانية، قبل أن يغادر ليعمل لمدة خمسة سنوات بالقسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية بلندن. وخلال فترة عمله هنالك، ألف ونشر عددًا من القصص القصيرة، ورواية بوليسية نشرها باسم مستعار، بالإضافة الى أولى أعماله في الترجمة من اللغة العربية. ثم غادر بعد ذلك إلى القاهرة ليعمل بالمركز الثقافي البريطاني، حيث شهدت فترة إقامته بها والتي استطالت لاحقًا بعد الحرب العالمية الثانية، إصدار أول كتاب مترجم له، وكان عبارة عن مختارات قصصية لمحمود تيمور، نشرها على نفقته الخاصة عام 1947م. ثم عاد إلى بريطانيا لدراسة القانون عام 1949م، ليصبح محاميًا ناجحًا، واستمر خلال تلك الفترة في الكتابة والترجمة. وأسس بالإضافة إلى ذلك مؤسسة تجارية تُعنى بالترجمة من العربية إلى الإنجليزية، وأسس أيضًا في أوائل الستينيات مجلة (أصوات) الثقافية الفصلية التي عَنيت بالأدب العربي.

وبالإضافة لما سبق، لم يأل ديفز جهدًا في محاولة جذب انتباه الناشرين الإنجليز إلى أهمية الأدب العربي المعاصر. ونجح في إقناع دار "جامعة أكسفورد للنشر" بنشر كتابًا من ترجمته حوى مختارات من القصص العربية القصيرة في عام 1968م. كذلك نجح في إقناع دار "هينمان" بطباعة ونشر ترجمته لأعمال الأديب السوداني الطيب صالح في سلسلتها الناجحة "مؤلفون أفارقة". ودفع ذلك النجاح الذي أصابته تلك الأعمال المترجمة،  دار "هينمان" لإصدار سلسلة "مؤلفون عرب "، وصار ديفز مشرفًا عليها، ولكنها لم تحقق أبدًا ذلك النجاح الذي حظيت به نظيرتها الأخرى. إذ لم يكن هنالك سوقًا رائجة للأدب العربي المعاصر المترجم للغة الإنجليزية، مثل ذلك الذي توفر لسلسلة "مؤلفون أفارقة" في شرق وغرب أفريقيا. كذلك مَثَّلَ عدم توفر مترجمون أكفاء، لتولى مهمة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، عقبة كبرى أمام نجاح تلك السلسلة. وكان ديفز بالفعل قد تولى ترجمة معظم إصداراتها.

وفي أواخر الستينيات من القرن الماضي، اتجه ديفز إلى وُجهة جديدة، حيث عمل مديرًا لإذاعة محلية ناطقة باللغة العربية، أنشأها البريطانيون في الأمارات المتصالحة والخاضعة للسيادة البريطانية في الخليج العربي. ثم أصبح أول سكرتيرًا للبعثة البريطانية في دبي، حيث تولى أيضًا مهام الترجمة الفورية أثناء المفاوضات بين الحكام الوطنيين والمسؤولين البريطانيين، والتي أفضت في آخر الأمر إلى ميلاد دولة الأمارات العربية المتحدة.

وبالإضافة لذلك، عمل ديفز خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، مستشارًا تجاريًا في كلٍ من القاهرة وبيروت لشركات البناء والتعمير، التي بدأت أعمالاً لها في دول الخليج المتسارعة النمو والتطور. ثم استقر في آخر الأمر في القاهرة،  حيث عمل مستشارًا لقسم الأدب المقارن بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وفي الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من عمره، لم يمر عام إلا وقد ترجم ونشر كتابًا. فقد ترجم في تلك السنوات رواياتٍ وقصصًا قصيرةً ليحي الطاهر عبدالله وسلوى بكر ومحمد البساطي وصنع الله إبراهيم، ومسرحياتٍ لتوفيق الحكيم، وشعرًا لمحمود درويش. وإضافة لذلك، فقد نشر مختارات من الأدب العربي المعاصر حوت قصصًا قصيرةً ومسرحياتٍ، وكتابًا حوى قصصًا قصيرةً من تأليفه، كانت معظم مواضيعها مستوحاة من الثقافة العربية، وألف كذلك قصصًا للأطفال باللغة الإنجليزية مُسْتَقاةِ مِنَ التُّراث العربي والإسلامي. ونشرت الجامعة الأمريكية في القاهرة مذكراته، التي كتب مقدمتها الأديب المصري نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الأدب، في عام 2006م، بعنوان "ذكرياتي في الترجمة". وفي العام الذي تلاه حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب، والتي اختارته شخصية العام الثقافية، لإسهامه المتواصل منذ منتصف القرن العشرين في إثراء الثقافة العربية، من خلال ترجمته الأصيلة للأدب العربي المعاصر إلى اللغة الإنجليزية ودوره في التعريف به في الغرب.

ومما يستحق الوقوف عليه هنا، أن حياة ديفز الطويلة صاحبتها رحلة أخرى لا تقل عنها ثراءً على المستوى الروحي، شهدت تنقله بين معتقدات وأديان عديدة. فبينما كان والده ملحدًا، رغم أنه ينحدر من صلب قسيسًا انجليكانيًا، وكانت والدته كاثوليكية المذهب، إلا أن ديفز ظل منجذبًا للتعاليم البوذية لسنوات طويلة من عمره المديد، قبل أن يعتنق الإسلام في السنوات اللاحقة ويتخذ "عبدالودود" اسمًا إسلاميًا له. وأثمر اعتناقه الإسلام واهتمامه المتعاظم بالتعاليم الدينية الإسلامية عن ترجمة مجلدين عن الأحاديث النبوية المروية عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، بالاشتراك مع الدكتور الباحث عزالدين إبراهيم.

الجدير بالذكر أيضًا، أن دينس جونسون ديفز تزوج ثلاث مرات خلال حياته، وعاش سنواته الأخيرة مع زوجته الثالثة، المصورة الفتوغرافية، باولا كروشينى، وابن من زواجه الأول. وكان قد ولد في كندا ، في 21 يونيو 1922م، وتوفي في القاهرة،  في 22 مايو 2017م، عن عمر يناهز الخامسة والتسعين عامًا.

الهوامش:

صحيفة الغارديان البريطانية –18 يونيو 2017

https://www.theguardian.com/world/2017/jun/18/denys-johnson-davies-obituary

* بيتر كلارك: أستاذ جامعي ومترجم وكاتب ومستشار ثقافي في شؤون الشرق الأوسط حيث عمل لأكثر من ثلاثين عامًا. بالإضافة لذلك،  هو محرر بمجلة "بانيبال" التي تختص بترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية وعضو مجلس أمناء الجائزة العالمية للرواية العربية.

** محمد معتصم محمد علي: أستاذ جامعي ومترجم، يعمل أستاذًا للغة الإنجليزية والترجمة بجامعة جدة بالمملكة العربية السعودية.


عدد القراء: 158

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-