معارضةُ القرآن اختلاقُ أدب أم اختراقُ قداسةٍ؟!الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 02:55:16

د. أحمد تمَّام سليمان

أستاذ البلاغة والنَّـقد - كلِّـيَّة الآداب - جامعة بني سويف- مصر

يَتَـوَجَّبُ علينا أَنْ نُسَجِّلَ ملحوظةً مَفَادُهَا أَنَّ بعض الشُّعراء يقتحمون النَّصَّ القرآنيَّ بإنشاء بعض "الْمُعَارَضَاتِ" له؛ بحجَّة أَنَّهُ نَصٌّ نثريٌّ، وكأنَّهم تناسوا أَنَّهُ نَصٌّ إلهيٌّ، مِمَّا يُحْدِثُ جَلَبَةً حول هذه الْمُعَارَضَاتِ، ويظنُّ الشَّاعر أَنَّ ذلك يُعَدُّ حِرَاكًا فَـنِّـيًّا وفكريًّا حول نَصِّهِ الشِّعريِّ، وفي الحقيقة فَإِنَّ معظم مَنْ يقومون بذلك من أدعياء الْـفَنِّ وأنصاف المواهب وَالتَّـوَّاقِينَ إلى الشُّهرة فحسب، والشَّاعر الحقيقيُّ هو الَّذي يعتمد في إبداع شعره على موهبته، وما أَصْقَـلَهَا من أدواتٍ ومعارفَ وخبراتٍ، وَإِنْ تَمَاسَّ مع التُّراث عَامَّةً والدِّينيِّ خَاصَّةً والقرآنيِّ على أَخَصِّ الخصوص، فعن طريق التَّمَاسِّ المشروع؛ بالاقتباس وَالتَّـنَاصِّ والاستدعاء والاستلهام والتَّوظيف.

وقديمًا وَجَدْنَا مَنْ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ كـ"مسيلمةَ" و"سجاحٍ" وغيرهما يعارضون آيات القرآن، مِمَّا دفع المؤمنين بالقرآن إلى تكفيرهم لاختراقهم هالة القداسة حوله، كما دفع المهاجمين للقرآن إلى تشجيعهم لِلنَّسْجِ على ذلك الْمِنْوَالِ إِمْعَانًا في السُّخرية منه، وما كان الدَّافع من جَرَّاءِ هذه الْجَلَبَةِ سوى أَنْ تُــلْـفَـتَ الأنظار إلى مَنْ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ، وبمرور الزَّمان يَطْوِي التَّاريخ صفحات الْمُـدَّعِينَ وَمُعَارَضَاتِهِمْ، ويظلُّ النَّصُّ القرآنيُّ غَضًّا لا يَخْلَقُ على معاودة التَّرديد؛ لجمال جَرْسِهِ، وَدِقَّةِ لفظه، وحسن نَظْمِهِ، وعمق دلالته، وإبهار بلاغته، وكلُّها لإلهيَّةِ مصدره، مِمَّا يجعله صخرةً صَمَّاءَ تَـتَـكَسَّرُ على قِمَّتِهَا الصِّعاب إذا ما أتى الوحش لِيُوهِنَهَا بِقَرْنِهِ حسب ظَـنِّهِ.

وفي العصر الحديث فَإِنَّ أصحاب مُعَارَضَاتِ القرآنِ قد جَنَحَتْ بهم فَرَسُ الشُّهرة الَّتي لَمْ تَجِدْ لها لِجَامًا مِنَ الموهبة، ولكي يلفتوا الأنظار إلى نصوصهم الشِّعريَّةِ، فَإِنَّهُمْ يلجأون إلى حِيَلٍ تخرج عن فَنِّ الشِّعر، منها: مُعَارَضَةُ نَصِّ القرآن، وَدَسُّ مغالطاتٍ تاريخيَّةٍ، وإقحام ألفاظٍ جنسيَّةٍ صريحةٍ، أو ألفاظٍ فَجَّةٍ هي أَدْخَلُ في باب الْـقَـذْفِ وَاللَّعْنِ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ، وهذا كُلُّهُ أَمْعَنُ في وَضَاعَةِ اللفظ، وَفَجَاجَةِ المعنى، بما يخالف الْـفَنَّ الحقيقيَّ الَّذي يحتلُّ السُّمُوُّ والرُّقِيُّ جوهرَهُ، والشَّاعر الْمُجِيدُ رقيق اللفظ رهيف الْحِسِّ ينظر إلى نَصِّ القرآن بعين التَّجِلَّةِ وَالتَّـنْزِيهِ؛ لِمَا لمسه من مُنْعَطَفَاتِ الجمال في طيَّاته.

وهناك مستوياتٌ للتَّداخل النَّصِّيِّ بين القرآن والشِّعر؛ كالاقتباس أو التَّضمين، فيُضَمَّنُ بيت الشِّعر آيةً أو جزءًا منها، وأفرد أبو منصورٍ عبدالملك الثَّعالبيُّ (ت 430 هـ) مصنَّفه "الاقتباسُ مِنَ القرآنِ الكريمِ"، لدراسة تضفير الْمُـقْـتَـبَسِ القرآنيِّ في النَّسيج الشِّعريِّ، كقول ابن الرُّوميِّ (ت 283 هـ):

لَئِنْ أَخْطَأْتُ فِي مَدْحِكَ مَا أَخْطَأْتَ فِي مَنْعِي

                             لَقَدْ أَنْزَلْتُ حَاجَاتِي "بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ"

فتضمَّن جزءًا من آيةٍ (إبراهيم/37)، وافقَتْ بحر الوافر وتفعيلته مفاعلتن، ومعناها في القرآن على الحقيقة: مكَّة إذ لا نبات فيها ولا ماء، وفي الشِّعر على المجاز: الممدوح الَّذي لا خير فيه ولا نفع يُرجى منه.

ويضع الشَّاعر السُّوريُّ محمود محمَّد كلزي ديوانه "إِسْرَاءٌ لِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ"، مقتبِسًا من القرآن الكريم وموظِّفًا ذلك المقتبَسَ في حنايا قصيدته الَّتي حملَتْ عنوان الدِّيوان، قائلًا (نُشِرَت القصيدة في مجلَّة الخفجيِّ- العدد 11- شوَّال 1417هـ/1997م. كما ضمَّها الدِّيوان من مطبوعات رابطة الأدب الإسلاميِّ العالميَّة- العدد 36- طبعة العبيكان- الرِّياض/السُّعوديَّة- 1431هـ/ 2010م- ص16-17):

          "بِوَادٍ  غَيْرِ  ذِي  زَرْعٍ"   فُـــؤَادِي

                                            هَوَى  حُبًّا  وَقَدْ  لَبَّى الْمُنَادِي

           كَأَنَّ   مِنَ   الْخَـلِيل ِ أَتَى  صَـدَاهُ

                                             يُنَادِي:  يَا "رَءُوفًــــا  بِالْعِبَادِ"

            لَقَدْ  "أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي" مَنْ

                                            أَخَافُ عَلَيْهِمُ سُـــوءَ  الْحَصَادِ

            لَـعَـلَّ  اللهَ   "يَرْزُقُـهُـمْ   غِـــلَالًا

                                            مِنَ  الثَّمَرَاتِ"  تَغْمُرُ كُلَّ  وَادِ

            فَـ"سُبْحَانَ  الَّذِي  أَسْرَى  بِعَبْدٍ"

                                            إِلَى بَلَـدٍ تَسَامـَى فِي الْبِلَادِ

           إِلَى  جَـبَـلٍ  سَـمَــا  فِي  كِـبْرِيَـــــاء

                                            وَطَابَ   عَلَى مَشَارِفِهِ رُقَادِي

           إِلَى أُمِّ  الْـقُـرَى  طَـارَتْ  عُـيُونِي

                                            وَحَطَّتْ عِنْدَ مُزْدَلِفٍ  وِسَادِي

           رَأَيْتُ  النُّورَ  يُشْرِقُ  مِنْ  شِعَابٍ

                                            تَضَوَّعَ   عِطْرُهَا  بَيْنَ  الْوِهَـادِ

            وَكَانَ  عِــرَارُ  نَجْدٍ مِنْ شَـذَاهَا

                                             وَكَانَ  شَمِيمُهَا  بَوْحَ الْبَوَادِي

           لَقَدْ  "آنَسْتُ  فِي  الْحَرَمَيْنِ نُورًا"

                                            وَفُــرْقَــانًا  مُبِينًا  خَيْرَ  هَـــادِ

حيث يقتبس الشَّاعر اقتباسًا مباشرًا من قوله –تعالى-: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)، لكنَّه يتناصُّ مع تَـتِمَّةِ الآية لِمَا أحدثه من تغييرٍ لنسيجها، في قوله –تعالى-: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم/37)، كذلك الاقتباس في قوله –تعالى-: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء/1)، وأيضًا تناصُّ الشَّاعر مع التَّركيب الاصطلاحيِّ "آنَسَ نَارًا"، كما في قوله –تعالى-: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (القصص/ 29)، كذلك تناصُّ الشَّاعر مع التَّركيب الاصطلاحيِّ "رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ"، كما في قوله –تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة/207)، وحاول الشَّاعر ابتكار تعبيرٍ اصطلاحيٍّ هو "سُوءُ الْحَصَادِ"؛ ليعبِّر به عن "سُوءِ الْخَاتِمَةِ"، في بحثه عن بصمةٍ أسلوبيَّةٍ يَنْمَازُ بها، إذ يخالف التَّراكيب الإضافيَّةَ المعهودة مثل: "سُوءِ الْعَاقِبَةِ"، و"سُوءِ الْحِسَابِ"، و"سُوءِ الْمُنْقَـلَبِ"، و"سُوءِ الْمَآلِ"، و"سُوءِ الْمَآبِ"...، وغير خَافٍ أنَّ الاقتباس والتَّـناصَّ اللَّذيْن أحدثهما الشَّاعر انسجم فيهما القرآن والشِّعر من النَّاحية الإيقاعيَّةِ، حيث ورد سَيْلٌ مُتَدَفِّقٌ من النَّغمات على بحر الوافر وتفعيلته (مفاعلتن مفاعلتن فعولن).

وغير ناقدٍ في التُّراث العربيِّ يتوقَّف عند ظاهرة "الانسجام"، كابن أبي الإصبع المصريِّ (ت 654 هـ) في كتابيْهِ "تحرير التَّحبير" و"بديع القرآن"، ولعلَّها لعدم التَّـفاوت النَّغَمِيِّ بين الشِّعريِّ والنثريِّ حال توافق جزءٍ من نسيج الآية للوزن الْعَرُوضِيِّ، فلم تفرِّق بينهما الأذن لانسجامهما، كقوله –تعالى-: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُـنَّنِي فِيهَ) (يوسف/32)، موافقًا بحر البسيط وتفعيلته (مستفعلن فاعلن).

ومستوى الاستلهام أو التَّوظيف، فحين التَّوقُّف عند تجربة الشَّاعر السُّعوديِّ جاسم الصِّحَيِّحِ، نجده يعنون أحد دواوينه بـ"وَأَلَـنَّا لَهُ الْـقَصِيدَ"، قياسًا على قوله –تعالى- في حقِّ نبيِّه داود –عليه السَّلام-: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ/10)، فهذا استمدادٌ من التُّراث الدِّينيِّ في حدود القياس الصِّياغيِّ الَّذي لا يقدح في الأصل الْمُسْـتَـمَدِّ منه. كذلك استلهام الشَّاعر قصَّةَ نبيِّ الله يوسف –عليه السَّلام- في قصيدة "مَا أَمْطَرَهُ غَيْمُ النِّهَايَاتِ"، قائلًا:

        هَــذَا  أَنَا  يَا أَبِي   فِي  كُلِّ  قَـافِـيَـةٍ

                                   أَحْيَا بِـ"يُوسُفَ" مَعْنَى الْحُسْنِ وَالْخَفَرِ

        هَذَا أَنَا فِي "قَمِيصٍ" مِنْ ظُلَامَتِهِ

                                    مَا زِلْتُ  أَبْحَثُ  عَنْ  قُمْصَانِــهِ  الْأُخَــرِ

وقد كَتَـبَتِ الفنَّانةُ المسرحيَّةُ الأردنيَّةُ أسماء مصطفى تَدْوِينَةً على صفحتها الشَّخصيَّةِ نَصُّهَا: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرَ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَسَارِحَ"، مُحَرِّفَةً بذلك قوله –تعالى-: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التَّـكاثر/1-2)، وَثَارَ الخلاف بل وَاحْتَـدَمَ أُوَارُهُ؛ بين فريقٍ مُؤَيِّدٍ للحرِّيَّةِ إلى ما لا نهاية، يصل إلى انتهاك هالة القداسة حول النَّصِّ القرآنيِّ دون تَـوَرُّعٍ، وفريقٍ آخَرَ مُتَحَفِّظٍ إلى ما لا نهاية، يصل إلى وصف ذلك بالكفر الْبَوَاحِ، وسرعان ما انْطَفَـأَتْ جَذْوَةُ الخلاف؛ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ مُفْتَعَلَةٌ، والمحصِّلة أَنَّ الْـفَنَّ لَمْ يَجْنِ شيئًا ذا بَالٍ!

وهناك نموذجٌ شعريٌّ جديرٌ بِأَنْ نَتَـوَقَّفَ عنده من زاوية مُعَارَضَةِ الشِّعر للقرآن، هو قصيدةُ "فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ"، للشَّاعر العراقيِّ أحمد مطر -وَإِنْ كان من شعرِ التَّـفعيلةِ وليس من قصيدةِ النَّثرِ- فيقول:

"غَفَتِ الْحَرَائِقُ، أَسْبَلَتْ أَجْفَانَهَا سُحُبُ الدُّخَانْ

الْكُلُّ فَانْ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا وَجْهُ رَبِّـكَ ذُو الْجَلَالَةِ وَاللِّجَانْ

وَلَقَدْ تَفَجَّرَ شَاجِبًا وَمُنَدِّدًا، وَلَقَدْ أَدَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ

وَلَهُ الْجَوَارِي السَّائِرَاتُ بِكُلِّ حَانْ، وَلَهُ الْقِيَانُ

وَلَهُ الْإِذَاعَةُ، دَجَّنَ الْمِذْيَاعَ لَقَّـنَهُ الْبَيَانْ

الْحَقُّ يَرْجِعُ بِالرَّبَابَةِ وَالْكَمَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ

عَقَدَ الرِّهَانْ، وَدَعَا إِلَى نَصْرِ الْحَوَافِرِ بَعْدَمَا قَتَـلَ الْحِصَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ

وَقَضِيَّتِي الْحُبْـلَى قَدِ انْتَبَذَتْ مَكَانًا، ثُمَّ أَجْهَضَهَا الْمَكَانْ

فَتَمَلْمَلَتْ مِنْ تَحْتِهَا وَسَطَ الرُّكَامِ قَضِيَّتَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ

مَنْ مَاتَ مَاتَ، وَمَنْ نَجَا سَيَمُوتُ فِي الْبَلَدِ الْجَدِيدِ مِنَ الْهَوَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ

فِي الْفَخِّ تَـلْهَثُ فَأْرَتَانْ

تَتَطَـلَّعَانِ إِلَى الْخَلَاصِ عَلَى يَدِ الْقِطَطِ السِّمَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ

خُلِقَ الْمُوَاطِنُ مُجْرِمًا حَتَّى يُدَانْ

وَالْحَقُّ لَيْسَ لَهُ لِسَانْ، وَالْعَدْلُ لَيْسَ لَهُ يَدَانْ

وَالسَّيْفُ يُمْسِكُهُ جَبَانْ، وَبِدَمْعِنَا وَدِمَائِنَا سَقَطَ الْكِيَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُكَذِّبَانْ

فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْ دَمٍ، سَيُذَابُ كُرْسِي وَيَسْقُطُ بَهْـلَوَانْ

فَبِأَيِّ آلَاءِ الشُّعُوبِ تُكَذِّبَانْ".

فحاول الشَّاعر أحمد مطر إحداث تَدَاخُلٍ نَصِّيٍّ مع القرآن الكريم تحديدًا في سورة الرَّحمن، بَدْءًا من الْجَرْسِ الموسيقيِّ الْـبَادِي في اختيار (النون) حَرْفًا لِلرَّوِيِّ والمسبوق بـ(أَلِفِ التَّـأْسِيسِ) كما كان حَرْفًا للفاصلة القرآنيَّةِ، وحاول الشَّاعر استلهام معجم السُّورة وإعادة توظيفه في القصيدة، فعلى مستوى المفردات: (فَانْ- الْبَيَانْ)، وعلى مستوى التَّراكيب: (الإضافيِّ/ذُو الْجَلَالَةِ- التَّـقديم/وَلَهُ الْجَوَارِي)، وعلى مستوى التَّعبيرات الْمَسْكُوكَةِ: (لَمْ يَبْقَ إِلَّا وَجْهُ رَبِّكَ- انْـتَـبَـذَتْ مَكَانًا)، وَإِنْ كان التَّعبير الثَّـاني ليس من سورة الرَّحمن (مريم/16)، كما يظهر تَـأَثُّـرُهُ بأدبيَّات الثَّـقافة العربيَّةِ، مثل: "مَنْ مَاتَ مَاتَ..." مُـتَـأَثِّـرًا بخطبة قُسِّ بن ساعدةَ الإياديِّ، و"عَلَى يَدِ الْقِطَطِ السِّمَانْ" كتَّعبيرٍ شائعٍ دلالته الجشع واستغلال النُّفوذ، وتأتي في النِّهاية ظاهرةُ التَّـكرار وهي مِنْ عناصر التَّـمَاسُـكِ النَّصِّيِّ، فَمِنْ قوله –تعالى-: (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، يستلهم الشَّاعر جملته الْمِفْصَلِيَّةَ "فَبِأَيِّ آلَاءِ الْوُلَاةِ تُـكَذِّبَانْ"، والَّتي يجعلها عنوانًا للقصيدة، ثُمَّ يكرِّرها في طيَّاتها (سبعَ مرَّاتٍ)، وَمِمَّا يحسن به ختام القصيدة فقد كرَّرها (الثَّـامنةَ)، قائلًا: "فَبِأَيِّ آلَاءِ الشُّعُوبِ تُـكَذِّبَانْ"، بالمخالفة بين (الْوُلَاةِ) و(الشُّعُوبِ)، ولا تخفى الدَّلالة السِّياسيَّةُ لديه من أَنَّ الشُّعوب لا تموت مِمَّا جعل لها كلمة الختام، ورغم كُلِّ هذه الملامح الجماليَّةِ في القصيدة فتظلُّ قَضِيَّةُ الْمُعَارَضَةِ القرآنيَّةِ تحريفًا في نظر بعض النُّـقَّادِ.

إِنَّ قَضِيَّةَ مُعَارَضَةِ القرآنِ لَـيْسَتْ بالأمر الْهَـيِّنِ، فبمراجعة التُّراث الْعَقَدِيِّ والفلسفيِّ نَـلْـقَى مشكلةَ "خَلْقِ القرآنِ"، وما عُرِفَ بمحنة الفقيه أحمد بن حَنْـبَلٍ الَّذي من أجلها حُبِسَ وَجُلِدَ، فقد انْـقَـسَمَتِ الآراء إلى فريقيْنِ: الأوَّل يرى القرآن مخلوقًا، فهو مُنْـفَـكٌّ عن الذَّات الإلهيَّةِ، والثَّـاني يرى القرآن غيرَ مخلوقٍ، فهو غيرُ مُنْـفَـكٍّ عن الذَّات الإلهيَّةِ، وبذلك فهو أَدْخَلُ في باب القداسة، وإليه نَمِيلُ.

وفي رَأْيِي أَنَّ القرآن مادام يُمَثِّــلُ كلام الله الَّذي لا يَنْـفَـكُّ عن ذاته الْعَلِيَّةِ، والقرآن لا نظير له كما أَنَّ الله لا عِدْلَ له، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص/4)، إذن فلا تجوز مُعَارَضَتُهُ؛ فَالْمُعَارَضَةُ من شأنها أَنْ تُوجِدَ نَصًّا بشريًّا مُوَازِيًا يكون مَدْعَاةً لِلْهُـزْءِ به، وَقَضِيَّةُ الْمُعَارَضَةِ إبداعًا ونقدًا تخلق جَدَلًا لا طَائِلَ من ورائه وَعَبَثًا ما أَغْنَانَا عنه، فالقرآن فوق أَنَّهُ نَصٌّ مُعْجِزٌ فهو كتابٌ يُتَعَبَّدُ بتلاوته فَحُقَّ له التَّـنْزِيهُ.


عدد القراء: 1404

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 7

  • بواسطة نور سليمان احمد من مصر
    بتاريخ 2018-07-31 19:39:15

    الموضوع هام ويضع نقاط كثيره للقارئ حوله ليقف على ااطراف هذه القضيه الشائكه والهامه .. وقد افاض الدكتور احمد تمام كثيرا وسلط الضوء على بعض الاماكن المظلمه فى هذا ابموضوع .. احييه جدا واشد على يديه واشكره على هذا الموضوع الجيد والذى برع فى تفنيد نقاطه واظهارها

  • بواسطة فريد النمر من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2018-07-05 20:12:26

    مقال جميل وعميق في الإشادة بالإشارة القرآنية والتناص والإقتباس وهو رافد رائع للتفريق بين معارضة النص القرآني والإستفادة منه ومن التراث فالشعر مجاز كله وفنه من فنون اللغة العليا ولا يمكث الشعر حتى يكون متصلة باللغة وقارئا للنص القرآني وإشاراته المستفادة والمهمة لدورة الحياة شكرا لك من الأعماق

  • بواسطة عمرو الروبي فتحي معوض من مصر
    بتاريخ 2018-07-02 13:24:35

    بداية أتوجه بخالص الشكر والتقدير للباحث والناقد د/ أحمد تمام لاختياره الموضوعات التي تثير جدلا بين كثير من النقاد خاصة ومن الناس عامة ، وقد وفق الباحث في اختيار موضوعه بداية من العنوان « اختلاق أدب أم اختراق قداسة » وقد استعرض الباحث مجموعة من الأشعار التي يعارض فيها أصحابها النص القرآني ، وأرى أن هؤلاء الشعراء مع خالص احترامي لأشخاصهم أنهم لم يجنوا شيئا ذا بال على حد قول الباحث « والمحصلة أن الفن لم يجن شيئا ذا بال» وأتفق مع الباحث في رأيه في البعد عن النص القرآني الذي له قدسيته ، فهو محفوظ من السماء « إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون » صدق الله العظيم فأدبكم زائل وكلام الله باق ، كما أتفق مع الباحث في أن التماس مع التراث وأحدد « التراث الأدبي » لابد وأن يكون مشروعا بحيث يتأثر بالتراث ويؤثر فيه بما يثبت للمبدع بصمته ولا يكون مقتبسا ولا مقلدا ..

  • بواسطة نرمين مرزوق قطب من مصر
    بتاريخ 2018-06-30 16:24:38

    الباحث المبدع والمعلم د/أحمد تمام، صاحب الأسلوب الراقي، المقال فعلًا جذاب فقد تناول الظاهرة منذ القدم وحتى الآن وأتى عرضه لتطور الظاهرة مدعمًا بالشواهد. والكاتب كان على حياد تام يسمح للقارئ بتكوين وجهة نظر خاصة دون قيد بالرغم من تصريحه برأيه في السطور الأخيرة بأسلوب متواضع ينم عن علم ومعرفة حقيقيين.

  • بواسطة د. محمد علي أمين من مصر
    بتاريخ 2018-06-22 17:22:01

    الدكتور أحمد محمد تمام ناقد نحرير، وأكاديمي مثقف، ومفكر واع، وصاحب قلم حر؛ هذا ما ألاحظه في كل كتاباته؛ لذا أوصي الهيئة الموقرة المسؤولة عن تحرير مجلة فكر الحرص على نشر مقالات له بشكل دائم . شكرا جزيلا

  • بواسطة Yasser Yasser من مصر
    بتاريخ 2018-06-18 09:12:41

    اجد ف هذه المقال تألق للكاتب د.احمد تمام سليمان وقد وضع يده علي اهم عنصر من العناصر الرئيسه التي تدفع الشعراء الي المعارضه للنص القرآني وهو السعي للشهره او العجز عن ابتكار شعر جديد يعبر عن افكاره ويظهر قدرته اللغويه لذلك يلجأ هؤلاء الشعراء الي المعارضه وقد اجاد الوصف في ذكر المعارضه التي كان يقولها مسليمه والاسود وغيرهم ممن ادعي النبوه ف عهد الرسول وخليفته الصديق من بعده وهنا لاحظت تأثره بالتاريخ في السيره النبويه فاجاد الوصف ومن الافت للنظر ايضا انه لم يكتف بسرد بعض نماذج الشعراء الذين عارضوا بل ان اللفظ الاصح الذي يطلق عليهم هو التحريف في النص القرآني فعرض الشعر وعقب عليه والرآي الاخير الذي يحسم هذه القضيه هو ان القرآن الكريم مادام كلام الله عزوجل اذن فله نفس القدسيه فلا يجوز للمخلوق معارضه كلام خالقه فأن اراد فعل ذلك فليخلق الانسان نفسه ان اراد المساواه بل ان اراد الشاعر اظاهر قدرته اللغويه فعليه ابتكار شعر جديد بغير معارضه يعبر عن افكاره ومهاراته اللغويه واللفظيه هذا ونسأل الله العظيم ان يفيدنا بعلمكم الواسع والغزير وننتظر منكم الاعمال الجديده #ياسر ياسر

  • بواسطة أميرة إسماعيل علي من مصر
    بتاريخ 2018-06-17 03:55:50

    الباحث والكاتب المتألق د/ أحمد تمام سليمان، يتميز بأسلوبه الرصين، وأفكاره العميقة؛ لاختياره الموضوعات الحيوية والمفيدة، التي تستهدف الباحثين وطلاب الجامعة، وبعض القضايا التي يناقشها تحتوي على وجهة نظره التي تهتم بالشأن العام تجاه الإسلام والمجتمع والهوية، وله أسلوبه المتميز به في أبحاثه ومقالاته، فمن مميزاته: مضمونه الهادف، ولغته الدقيقة، وتراكيبه المبتكرة، وبلاغته الملفتة، وعشقه للتراث العربي الأصيل، وينتظر قراؤه المزيد من الأبحاث والمقالات.

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-