مُراجعة كتابِ "العربُ الأشرارُ في السينما: كيف تشوّهُ هوليوود أمّة (العرب) ؟"الباب: مراجعات

نشر بتاريخ: 2015-06-06 16:55:56

عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

بقلم: ميشيل شحادة Michel Shehada

المديرِ التنفيذيِّ لمِهْرجانِ السينما العربيّةِ والمديرِ السابقِ للإقليمِ الغربيِّ للَّجْنةِ العربيّة الأمريكيّةِ لمكافحةِ التمييزِ العنصريِّ

 

عندما يتعلّق الأمر بالشخصيات العربيّة في أفلام (هوليوود) فإنّ لدى هوليوود نوعًا واحدًا فقط من الشخصيّات, وهو العرب الأشرار. هذا ما يقوله البروفسور المتقاعد جاك شاهين المختصُّ بوسائل الإعلام في جامعة (سازرن إيلينويس) Southern Illinois University  والمستشار السابق لأخبار شبكة (سي بي إس ) لشؤون الشرق الأوسط في كتابه الجديد (العرب الأشرار في السينما: كيف تشوّهُ هوليوود أمّةً؟). يقدّم البروفسور شاهين دليلاً طال انتظاره في دراسته البحثية الجديدة، مفادُهُ أنّ هوليوود تستهدف العربَ من أكثرَ من قَرْنٍ منذ "بداية عمل الكاميرات إلى الوقت الحالي"؛ فقد صوّرتهم بقَصْدٍ أو بدون قصدٍ أُناسًا متعصّبين دينيًّا، ومُتَخّلفينَ، وأنّهم "الآخَرُ" الثقافيُّ المهووس ُبالمال". و يوضّح البروفسور أنّه لا ينبغي لنا معذرةُ صانعي الأفلامِ على تشويهِ الحقيقةِ والتضحيةِ بها، بذريعةِ الرُّخْصةِ الفنيّةِ المزيّفةِ.

يقع الكتاب في جزأين رئيسين، قد تكون المقدّمةُ أهمَّ ما فيهما. ويَعْرِضُ الجزءُ الثاني من الكتاب الأفلامَ من الألف إلى الياء. و يضمُّ الكتاب ملاحظاتٍ ومُلحقاتٍ ومسردًا وفِهْرسًا لأكثرَ من 900 فلمًا مرتبًا ترتيبًا ألف بائيًّا (مُعْجَميًّا)، يضمّ شخصياتٍ عربيةً. وتُظْهِر الأغلبيّةُ الساحقةُ من هذه الأفلام العربَ بصورة نمطيّةٍ سلبيّةٍ، ومن هذه الأفلام، على سبيل المثال لا الحصر، سجين في الشرق الأوسط Prisoner in the Middle)  East) ومطلوب حيًّا أو ميتًا (Wanted Dead or Alive) وقوة دلتا (Delta Force) والقرار التنفيذي (Executive Decision)  وغيرُها. وهناك حفنةٌ قليلةٌ من السيناريوهات التي ظهرت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين المنصرم، التي أظهرت الشخصياتِ العربيّةَ كأبطالٍ، مِثْلُ فيلم أسد الصحراء (The Lion of the Desert)  والمحارب الثالثَ عَشَرَ  .(The 13th Warrior)

ويصف البروفسور شاهين الرّوابطَ بين القدرة على إيجاد القصص والصّوَر الخياليّة، وبين القوّة لتشكيل وُجْهاتِ نظرٍ اجتماعيةٍ، وبين تشكيل الأفكار والمعتقدات التي من خلالها يرى الناسُ أنفسَهم وغيرَهم من الأمم. ومع مرور الوقت، ومن خلال التكرار، تصبح الصُّوَرُ النمطيّةُ مستمرّةً وثابتةً، ومن الصعب إزالتها. يتيح القسمُ الأوّلُ الذي ينقسم إلى اثنيْ عَشَرَ( 12) جُزْءًا للقارئ فُرْصةَ قراءةِ المفاهيم والقضايا التي يطرحها الكاتب بكلّ يُسْرٍ و سُهولةٍ.  ويناقش الجزءُ الأوّلُ بعنوان (الأصل/البداية) صورةَ العَرَب النمطيّةَ في الثقافة الأمريكية الشعبيّة، وينتقل الكاتب بعد هذا الجزء إلى تقديم الجزء الثاني وهو (العرب الحقيقيون) كما يُعرّفُهم، وهؤلاءِ هُمْ: عائلتُهُ، وأصدقاؤُهُ، وزملاؤُهُ، والنّاسُ الذين قابلهم وخَبِرَهُمْ في حياته. وهناك جزءٌ آخرُ بعنوان (مَدْخلُ الصورةِ النمطيّةِ)، يناقش طريقة دخول صورة العرب النمطية إلى الثقافة الأمريكية الشعبية. وهنا يقول الكاتب: (إنّ صانعي الأفلام الأمريكيين لم يخترعوا صورة العرب النمطية السلبية، ولكنهم "وَرِثُوا صورَ العَرَبِ الكاريكاتوريّةَ الموجودة مُسْبَقًا في أوروبا و بالغوا فيها"). و يوضّح قائلاً: (إنّ هذهِ القَصَصَ الموروثةَ كانتْ مليئةً" بباعةٍ مُخادعين، وخليلاتٍ أجنبياتٍ مأسوراتٍ في أسواق العبيد". ويَخْلُصُ الكاتبُ إلى نتيجةٍ، مفادُها أنّ قَبُولَ الجمهورِ الأمريكي هذه الصورَ على أنّها صورٌ حقيقيّةٌ وصحيحة، قد أثّرَ على الثقافة الأمريكية تأثيرًا كبيرًا في علاقتها مَعَ الإنسانِ العربيِّ "الشرقيِّ"). وعِلاوةً على ذلك ، يقدّم الكتابُ نظرةً بسيطةً وواضحةً عن طريقةِ تصوير أفلام هوليوود الصحراءَ والعربَ حيث "تتألّفُ البيئةُ الصحراويّةُ من واحةٍ، وآبارِ نَفْطٍ، وأشجارِ نخيلٍ، وخِيَمٍ، وقُصورٍ مُزَخْرفةٍ فارهةٍ،  وسيّاراتٍ فاخرةٍ برّاقةٍ، و جِمالٍ أيضًا". ويتحوّل الرجلُ العربيُّ في الشاشة إلى "عُدّة علي بابا" الجاهزةِ، ويعيش في الصحراء بكلّ مُكوّنات عُدّتِهِ التي تضمُّ  "خِنْجَرًا مَعْقوفًا، وسيوفًا وفوانيسَ سِحْريّةً ومِرْوحاتِ رِيْشٍ عملاقةً و(نارَجيلات)". والمرأةُ العربيّةُ تَلْحَقُ بالرجلِ العربيِّ مُرْتَديةً "بُرْقُعًا، أو حِجابًا، أو سِرْوالاً شفّافًا كالذي ترتديه الراقصةُ الشرقيّةُ، ومُجَوْهراتٍ تُغطّي السُّرَّة". والملاحظةُ المهمة هنا تكمن في المعاملة الجائرة التي يتلقّاها الإسلامُ على أيدي صانعي الأفلام، إذْ إنّهم عادةً ما يربطون الإسلامَ "بسطوةِ الذكور" والجهادَ (الذي يترجمونه ترجمةً خاطئةً على أنّه "حربٌ مُقَدّسةٌ") بأعمالٍ إرهابيّةٍ.

وبعد مأساةِ الحادي عَشَرَ من أيلول/سبتمبر 2001 أصبح الحِوارُ حول الإسلام والمسلمين في الغرب شديدًّا، ويحاول نقّادُ الإعلام، والخبراءُ المَزْعومونَ إقناعَ الجمهورَ الأمريكيَّ الساذَجَ بأنّ الإرهابّ يَكْمُنُ في طبيعة ثقافة المسلمين والعرب. ويعدّ الكتابُ الذي بين أيدينا شاهدًا على أنّ هوليوود هي من أوجد التربة الخِصْبةَ لبذور الكراهيّة من خلال صورِها السلبيّةِ عن العرب. بالإضافة إلى ذلك، يشكّكُ الكتاب تشكيكًا كبيرًا بهدف استوديوهات هوليوود من استغلال الممثلين الأمريكيين من أصلٍ إفريقيٍّ، المشهورين، الذين عانتْ أقليّاتُهم العِرْقيّةُ معاناةً كبيرةً من التصوير النمطيِّ العرقيّ السلبيّ، لكي تشرّعَ صورة َالعرب السلبيّةَ في السينما الأمريكية. ومن هذه الأفلام فيلم الحصار(The Siege 1998: للمثل دينزل واشنطن Denzel Washington) وفيلم قواعد الاشتباك (Rules of Engagement 2000: للمثل صامول إل. جاكسون Samuel L. Jackson) وفيلم ديزني "كازام" Kazaam(مارد الفانوس) (1996: للمثل شاكيل أو نيل Shaquille O’Neal). ولا يقدّمُ الكاتب أيَّ تبريرٍ لدوافع هؤلاء الممثلين (السُّودِ) للقَبُولِ بهذه الأدوار أو أسباب قَبُولهم تلك الأدوار.

إنّ أهمَّ جانبٍ في هذا الكتاب هو محاولتُهُ الإجابةَ عن السؤالِ التّالي: لماذا هذا التصويرُ النمطيُّ؟ ويقترح الكاتب وجودَ سبعةِ أسبابٍ، مع أنّه لا يقيّدُ نفسَهُ بها. أَحدُ هذه الأسباب هو الصّراعُ العربيُّ الإسرائيليُّ. فقد أدرك داعمو إسرائيل أنّ صناعةَ الأفلام وسيلةٌ قويّةٌ، فبدؤوا استعمالَها لنشر صُوَرٍ مُتحاملةٍ، تناسبت مع أغراضِهم السياسيّةِ. وستستمر هذه الممارسةُ طالما أنّ المجتمعَ ككلٍ يسمحُ بوجود الصورِ السلبيّةِ للشعوب الأخرى. وهناك جوابٌ آخرُ يكمن في متابعة الحكومةِ الأمريكيّةِ لأطماعِ سياستها الخارجيّةِ في الشرق الأوسط، وهذا يفسّرُ درجةَ تواطؤِ وِزارة الدّفاع الأمريكيّةِ في صناعة أفلامٍ تُسيءُ للعرب، وتصوّرُهم كإرهابيين، يقتلون الأمريكيين ويدمّرون "طريقة العيش الغربيّةِ". وبعد أحداثِ الحاديْ عشَرَ من أيلولَ تمّ عقدُ اجتماعٍ بين (جَمَعَ) إداريين ومُدِيرينَ رفيعي المُستوى ومنتجي أفلامٍ من هوليوود والبيت الأبيض بمبادرة من الرئيس السابق جورج بوش، لمناقشة طريقةِ مُساهمةِ هوليوود في "مكافحة الإرهاب"، كما تمَّ تناقلُهُ على نطاقٍ واسعٍ. ويُظهر هذا الأمرُ كيف أنّه بإمكان الحكومة استخدامُ هوليوود كأداةٍ للترويضِ الاجتماعيِّ. وهناك عاملٌ مُساهمٌ آخرُ هو الصمتُ المُطْبِقُ الذي يميّزُ ردةَ فعلِ الشعبِ، بالإضافة للنُّخَبِ الفكريّةِ والباحثين و مسؤولي الحكومة. حتّى إنّ أولئكَ الذين يخوضون الانتخاباتِ الرئاسيّةَ على مَنصّاتٍ مناهضةٍ للتصوير النمطيّ، لا يذكرون أنّ العرب َكانوا مُنْذُ فترةٍ زمنيةٍ طــويلةٍ كـبشَ فداءِ الإعلام المُفَــضّلِ وشـمّاعتَهُ المفضّلةَ. فإنْ كان الواجبُ علينا كمجتمعٍ أنْ نكونَ صادقينَ مع المبدأ الأمريكي "كلُّ الناس متساوون" فعلينا أن نشكّكَ بالصورِ النمطيةِّ البغيضةِ على الملأ وبِمَلْءِ الفَمِ، بما في ذلك الصورة النمطية "السينمائية" عن العرب الأشرار. وللأمانة فإنّ الكاتبَ البروفسور شاهين لا يَحصِرُ أسبابَ استمرار الصورة النمطيةِ السلبيةِ عن العرب في العوامل الخارجيةِ فحَسْبُ، بلْ ينظر إلى العوامل الداخليّةِ أيضًا، فينتقدُ قلّةَ الظهورِ العلنيِّ للجاليةِ الأمريكيّةِ العربيّةِ.

وهناك مجموعاتٌ أخرى عانت من النمطية السلبية، كالأمريكيين الأفارقة والأمريكيين الآسيويين  والأمريكيين اليهود، ولكنها كافحتْ بشراسةٍ وقلّلَتْ من تلك الصورِ السلبيةِ. بَيْدَ أنّ الأمريكيين العربَ، من مَنْظُورِ البروفسور شاهينَ، يفتقرون إلى الشجاعةَ، ويعانونَ التّشَرْذُمَ. وقلّما تُصغي لهم هوليوود عندما يحتجّونَ، ولذلك فإنّ حربَ صناعةِ الأفلام غيرِ المُعْلَنةِ على العرب تستمرُّ دونَ هَوادةٍ.

 يوجدُ في الكتاب  بعضُ العُيوبِ بالإضافةِ إلى بعض السَّقَطَات أو الحذفِ، على الرّغْمِ من ميّزاتِهِ الإيجابيّةِ كلِّها. فعلى سبيل المثال: يبدو اقتراحُ الكاتبِ المقدّمُ في الفِقْرةِ الثانويّةِ بعنوان (الحُلول) لحلِّ المُشْكلة مُبَسّطًا جِدّاً. فالكاتب يبحث عن حلٍّ من خلال نيّاتِ صانعي الأفلام الطيّبةِ، ويتحدّى مُنْتجي هوليوود للاعتراف بالممارسات الظالمة وقَبول حِكْمة النزاهةِ في تصوير الناس. أعتقد أنّ من السذاجة بمكان الافتراضَ أنّه بمُجَرّد تعليمِ صانعي الأفلام الحقيقةَ، وتزويدِهم بالأدلّةِ على مخاطر تصوير الناس بصُوَرٍ نمطيّةٍ سلبيّةٍ فإنّهم سيتوقّفونَ عن ذلك تمامًا، كما فعلوا مع الأقليّات العِرْقيّةِ في الماضي. إنّ مِثْلَ هذا الاعتمادِ على النيّات الطيّبةِ يتجاهلُ المخطّطاتِ السياسيّةَ القويّةَ الكامنةَ خلفَ التصوير النمطيِّ، هذا الذي قام بتحليله الكاتب سابقًا في كتابه.

ظـاهـرةُ الاسـتـمرار في الـتـصـوير الـنـمطـيِّ السلبيِّ لأقليّةٍ عرقيّةٍ ما هي إلّا نتيجةُ عواملَ مُعَقّدةٍ، سياسيّةٍ          واجتماعيّةٍ، وثقافيةٍ، ودينيّةٍ، ونفسيّةٍ أيضًًا ويتطلّبُ إيقافُها تحوّلاً اجتماعيًّا، يأخذ بعين الاعتبار كلَّ هذهِ العواملِ، وليس فقطْ تعليمَ صانعي الأفلام أو معالجةَ عاملٍ واحدٍ فقط من هذه العوامل. ومع ذلك فإنّ هذه الدراسةَ المهمّةَ الرائدةَ المبدعةَ من شأنها أنْ تفتحَ البابَ أمامَ المجتمعاتِ العربيّةِ والمسلمة لاتّخاذ أنماطٍ جديدةٍ كليًّا من الأنشطة والفعاليات. وآمل أنْ يحثَّهم هذا على الارتقاء بفهمهم لهذه الظاهرة، واستجابتهم لها، والشروعِ بالعمل الشاقِّ لتنظيم أنفسِهِمْ، ومن ثمّ استئصالِها. إنّ المَنْهجَ المضمونَ لإنهاءِ ممارسةِ هوليوود الجائرة في تجريد العرب من الجانب الإنساني، وتحويلهم إلى مجرّدِ صورٍ كاريكاتورية هو منهجٌ شاملٌ. ولا يجب استهدافُ هوليوود فقط بالتعليم والحوار، بلْ يجبُ استهدافُ المجتمع كلَّهُ. عِلاوةً على ذلك، فإنّ التعليمَ وحدَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَحُلّ المشكلة، إذْ ينبغي استخدامُه كأداةٍ لزيادة إشراكنا نحن- العربَ- في كلّ مَظاهرِ الحياة الأمريكيّة الاجتماعيّةِ، والاقتصاديّةِ، والعلميّةِ، والثقافيّةِ، كمُنْتِجينَ، وليس مجرّدَ مستهلكين وحَسْبُ. ينبغي أنْ يجدَ هذا الكتابُ (العرب الأشرار في السينما) طريقَهُ إلى قاعات الجامعة والكُليّاتِ، لكي يساعد على إنشاء جيلٍ جديدٍ متنورٍ من صنّاعِ السينما، ممّنْ سيكتشفون حياةَ الناس، ويقدّمونَها بطرقٍ غيرِ مُشَوّهةٍ، تَخْدُمُ مخطّطاتٍ سريّةٍ، وهذا سَيُسَهّلُ علينا نحن- العربَ - إنتاجَ صورتِنا وتشكيلَها بالطريقة التي نعرفها. ومن شأن مثلِ هذه العمليّةِ أنْ تشجّع على رواية القصص وإنتاج الصور التي توسّع الأفق، وتشجّعُ على التفاهم، وتولّد انسجاماً ضِمنَ التنوّعِ الثقافيِّ.

 

الهوامش:

 

1-Jack Shaheen (2001), Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies a People. New York: Olive Branch Press.

 2 -  يودّ المترجم أن يشكر أخاه الأستاذ قاسم عثمان جبق المختص باللغة العربية على التدقيق اللغوي لهذا المقال.


عدد القراء: 1181

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-