هل فارتيما أول حاج أوروبي إلى مكة المكرمة؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-10-11 19:59:33

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

يعتقد البعض أن أول حاج أوروبي إلى مكة المكرمة، هو  الرحالة الإيطالي لودوفيكو دي فارتيما Ludovico di Varthema، إلا أنه من الصعب أن نتأكد إذا ما كان فارتيما حقيقة هو أول رحالة أوروبي يُغامر باختراق الصحراء العربية.

جون كابوت

فقد ادعى الرحالة البرتغالي جون كابوت John Cabot، أو كابوت الأكبر The Eder Cabot، أنه وصل مكة المكرمة في عام 1480. وسلطتنا الوحيدة على ادعاءه، هي مراسلة لسفير دوق ميلانو في لندن "رايموندو دي سونسينو Raimondo di Soncino" بتاريخ 18 ديسمبر 1497. وفقًا لما قاله جون كابوت من أنه قد زار مكة المكرمة في مناسبة سابقة، وقد تحدث إلى تجار التوابل بها. وهذا ليس الأكثر إثارة للاهتمام، ولم يكن الأكثر مناقشةً في رحلات كابوت، وقد أصبحت صحتها مقبولة إلى حد ما بشكل غير نقدي. رفض المؤرخ الأمريكي هاريس Harrisse ذلك في البداية، وكان ذلك على أساس أنه في القرن الخامس عشر، كما في القرن التاسع عشر، لم يتمكن المسيحيون حتى من الاقتراب من مكة المكرمة، واقترح أن الإشارة قد تُشير فقط إلى رحلة إلى الجزيرة العربية، وفي عمله اللاحق قبل هاريس زيارة كابوت لمكة المكرمة، وكان مهتمًا بإثبات أن الرحلة يجب أن تكون قد تمّت بعد عام 1476، حيث مكنت الإقامة المستمرة لمدة خمسة عشر عامًا في فينيسيا Venice كابوت من الحصول على الجنسية الفينيسية، ولكن قبل وصوله إلى إنجلترا في حوالي عام 1490. اقترح البروفيسور "ج. أ. ويليامسون J. A. Williamson" ذات مرة، وبشكل غير مباشر، أن المعلومات قد تكون مشوشة قليلًا، لكنه ومنذ أن كررها من دون أي مؤهلات، فقد أضحت حقيقة في مقالة عن كابوت في الطبعة الأخيرة من الموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica.

حجة هاريس الأصلية بالكاد تحتاج إلى أن تُؤخذ على محمل الجد، حيث إن كابوت قد يكون سافر إلى مكة المكرمة مُتخفيًا مثل الكثير من المسيحيين الآخرين. ومثل هذه المغامرة كانت دائمًا خطرة، ولكنها ليست دائمًا على حدٍ سواء، كما يظهر في العصر الحديث من سلوك السلطات التركية تجاه هيروجرونيه Hurgronje. ربما في وقت كابوت كانت أقل خطورة بكثير مما جاء فيما بعد، حيث إنه وبعد أن جعلت أنشطة البرتغاليين العرب يشتبهون في المسافر الأوروبي من كونه جاسوسًا إضافة إلى كونه مشركًا. وحتى لو كانت جنسيته الفينيسية قد أصبحت معروفة، ربما كان لدى كابوت القليل ليخاف منه؛ إلا إذا أصبح إيمانه مشكوكًا به، وكان هناك العديد من المرتادين الإيطاليين لهذا الطريق قبل أن يتم اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح The Cape Route إلى الهند، فإن الأوروبي الذي تعلّم كل شيء هناك ليعرف عن تجارة التوابل لا يزال لم يفعل شيئًا ليُسلي Divert عن البلدان المسلمة، وبالتالي ليس هناك سبب لاستياء الحكام من وجوده. تجربة فارتيما Varthema بعد سنوات قليلة تعتبر كاشفة، وكانت شخصيته الحقيقية معروفة لدى البعض، ومشتبه بها من قبل آخرين، لكنه لم يكن في خطر وشيك حتى وصل إلى عدن، حيث وردت أخبار عن هجوم برتغالي وقع مؤخرًا على سفن الشحن العربية.

بيدرو دي كافيلها

وفي عام 1487 أرسل يوحنا ملك البرتغال الرحالة "بيدرو دي كافيلها Pedro de Cavilha" في محاولة لاكتشاف ما إذا كان بالإمكان سلوك طريق بحرية إلى الهند من خلال البحر الأحمر مارًا بشواطئ بلاد العرب الجنوبية، وبعد إتمام تلك الرحلة أرسل إلى بلاد الحبشة في رحلة العودة. وقد استقر هناك وأصبح من الأغنياء الذين وثق بهم ملك الحبشة وعظماء مملكته، وقد مات بعد ثلاثين عامًا بعد أن ظل يعيش في بسلام ووفاق مع أصدقائه الأحباش.

وليس هناك ما يدعو للشك في أن "بيدرو دي  كافيلها" قد وصل مكة المكرمة والمدينة المنورة. وقد تم وصف وشرح رحلاته من قبل "فرانسيسكو الفاريس Francisco Alvares"، والذي كان قسيسًا للسفير البرتغالي، والذي كان في إثيوبيا في الفترة ما بين عامي 1520إلى 1526. حيث كان " كافيلها" يعيش هناك لمدة ثلاثين عامًا، بعد أن رفض السماح له بمغادرة البلد من قبل الأباطرة المتعاقبين. استفادت السفارة كثيرًا من معرفته باللغات والأخلاق الإثيوبية، ولذلك الفاريس، والذي هو ملاحظ جيد، والذي كان أيضًا مُجاهرًا بإيمانه يجب أن يكون قد عرفه جيدًا. لذلك، هناك سبب وجيه لتصديق سردية الرحلة، والفاريس أكد بوجه خاص ثقته في " كافيلها"، الذي كان قد قدم التفاصيل بنفسه. إلى جانب أن القصة معقولة في حد ذاتها ومقبولة، وعدد قليل من المسيحيين الأوروبيين الذين حاولوا الوصول إلى مكة المكرمة يُمكن أن يؤهلوا أفضل للنجاح. " كافيلها" يعرف جيدًا اللغة العربية، وكان قد ذهب في بعثتين إلى المغرب. كما تم اختياره ورفيقه "الفونسو دي بايفا Afonso de paiva" من قبل ملك البرتغال للتحقيق في طرق التوابل، والبحث عن "بريستر جون Prester John" فقط عندما تخلى المبعوثون السابقون عن المحاولة في القدس على وجه التحديد، لأنهم لا يعرفون اللغة العربية. الفاريس، في الواقع، لاحظ أن " كافيلها" يعرف كل اللغات، المسيحية، الاسلامية، والوثنية Pagan. وعلاوة على ذلك، لديه الكثير من الخبرة من رحلات عيد الفصح قبل أن يذهب إلى المدن المقدسة. ذهب هو ورفيقه أولاً إلى الإسكندرية والقاهرة في هيئة التجار، ثم رافق مجموعة من المغاربة إلى الطور Tor وسواكن  Suakin وعدن Aden. وهناك انفصلوا عن بعضهم البعض، حيث ذهب "بايفا" إلى إثيوبيا، بينما انتقل " كافيلها" إلى كانانور Cananor، كلكتا Calicut، جوا Goa، وسوفالا sofala، وهرمز Ormuz. وعندما عاد إلى القاهرة ليُحافظ على وعده باللقاء مع "بايفا"، وجد أن الأخير قد توفي. كان " كافيلها" على وشك أن يُغادر إلى البرتغال عندما التقى اثنين من اليهود اللذين جلبا تعليمات من ملك البرتغال. وامتثالًا لهذا فقد كتب تقريرًا عن ما وصل إليه في استكشافاته حتى الآن، وأرسله إلى البرتغال على يدي أحد اليهوديين، بعد ذلك رافق اليهودي الآخر عائدًا إلى هرمز مرة أخرى، حيث افترقا، بعد ذلك ذهب " كافيلها" إلى جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وجبل سيناء Mount Sinai، وعن طريق جبل الطور وزيلع Zeila، إلى إثيوبيا حيث - وعلى حد علمنا- قضى بقية حياته هناك.

وفي عام 1520 حاولت بعثة برتغالية القيام برحلة خطرة إلى الهضبة الحبشية. وذكر رئيس تلك البعثة أنه تكلم مع دي كافيلها De Cavilha الذي أخبره أنه قد دخل كلا من مكة والمدينة، ونحن لا يهمنا إذا كانت هذه القصة حقيقية أم لم تكن، إذ إنه على فرض إتمام تلك الرحلة، فإن هذا الخبر المنقول عن رئيس البعثة هو كل ما وصل إلينا، وذلك لأن دي كافيلها، لم يكتب شيئًا، ولم يترك أي شاهد على رحلاته.

فون هارف

أما الرحالة البرتغالي أرنولد فون هارف Arnold Von Harf فقد كتب الكثير عن رحلاته، وعلى الرغم من وفرة المادة التي كتبها إلا إنه لم يستطع أن يُقنع القراء أنه وصل حقًا إلى الهند وسيلان، أو أنه اخترق مناطق أواسط أفريقيا، أو أنه قد اكتشف حقًا منابع النيل، وتابع جريان النهر من هناك حتى القاهرة، أو أنه قطع فيافي وصحاري بلاد العرب كما يدعي، فقد ارتكب أخطاء فادحة، وتخبط في سرد المعلومات والأوصاف، فلم يستطع أن يُقنع الأجيال التي صادفت من الأسرار والأعاجيب أقل مما صادف.  ولكنه رغم ذلك يظل أول من يخترق صخب الخرافات والخوف الذي كان يُغلف أواسط وقلب بلاد الإسلام ويخفيه عن عيون الأوروبيين. وإن كل ما نعرف عن هذه المغامرة، التي قام بها بمرح وسعادة ودهاء. ونحن لا نعرف تمامًا من أي بلد من إيطاليا قد أتى هذا الرجل، فهو يدعي أنه من بولونا في مقدمة كتابه، ثم يعود ويُشير إلى نفسه بأنه روماني. وهو يدعي أنه طبيب. ومع ذلك فهو يذكر بقليل من الأسى والأسف أنه قد ترك وراءه زوجة وأطفالاً يمر على ذكرهم مر الكرام، ثم يخبرنا بشيء من التواضع أنه ليس لديه شيء من المواهب، ولكنه لا يخلو من النزر اليسير منها، ومع ذلك فإن طبيعة ملاحظاته تدل على الذكاء والثقافة، وهو يستعمل مهارته كجندي، ولربما تعلم الفنون وهو في خدمة بعض الشخصيات في إيطاليا. وأما الصفات التي جعلته يتأكد من الحقائق بنفسه ومن الأمكنة، ومن طبيعة السكان ومختلف الحيوانات وأصناف الأشجار المثمرة، والأشجار ذات الروائح العطرة، في مصر وسورية وبلاد العرب وبلاد العجم والحبشة، وهو على يقين أن رؤية الشيء بالعين أفضل ألف مرة من الاستماع عنه من الآخرين.

لقد سافر "فون هارف" إلى الإسكندرية وإلى القاهرة التي وصفها أنها صغيرة الحجم، وبعدها أكمل رحلته بحرًا إلى بيروت، ثم برًا حتى دمشق فقال: "لا أستطيع أن أصف جمال وامتياز هذه المدينة". وبقي بها شهرًا بعد شهر، وتعلم اللغة العربية، واستعد لاستئناف الرحلة جنوبًا، ثم أمن لنفسه مكانًا في القافلة الذاهبة إلى مكة، بعد أن عمل على عقد عرى الصداقة مع أحد زعماء المماليك بما بذله من الهدايا والتودد. وهكذا عينوه حارسًا من حراس القافلة، ولم ينزعج عندما طُلب منه اعتناق الدين الإسلامي، فقد كان ابن النهضة الإيطالية البار، في ذلك الزمن الذي تألق فيه الترف والذكاء. وعندما أصبحت المسيحية تحت رعاية آل مديتشي وغيرهم من الأمراء المستنيرين، فلم يكن ليتردد عند اعتناق دين جديد، وعندما طلب منه اختيار اسم اختار اسم "جونه".

يزعم "فون هارف" أنه غادر القاهرة في يوليو 1497، وذهب برًا إلى عدن، مارًا بمكة المكرمة في طريقه. وهذا ادعاء فريد للأوروبيين ليقوموا به، ولكنه لم يكن مقبولًا دائمًا. القصة تستحق دراسة متأنية. "فون هارف"، مثل الكثير من المسافرين في العصور الوسطى، يُمكن تصديقه في بعض الأحيان، ولكن ليس دائمًا. وليس هناك ما يدعو للشك في أن أجزاء كبيرة من كتابه صحيحة إلى حد كبير، ولكنها تحتوي أيضًا على الكثير من نسج الخيال، والخرافات ووحوش البحر وما شابه ذلك. وقد شكلت رحلته العربية جزءًا من جولة دائرية في الشرق تبدأ وتنتهي في مصر. يقول إنه خرج من كولون Cologne في نوفمبر 1496، وذهب أولاً إلى إيطاليا ثم أبحر من البندقية إلى الإسكندرية، وذهب إلى القاهرة وجبل سيناء. ويطلب منا أن نُصدق أنه بعد ذلك اجتاز كل من شرق شبه الجزيرة العربية برًا إلى عدن، وأنه أبحر إلى سقطرى وسيلان، وأنه زار الهند ومدغشقر، وتسلق جبال القمر، ووجد منابع نهر النيل، الاتجاه الذي اتبعه عائدًا إلى القاهرة. ثم عاد إلى أوروبا عبر فلسطين وسورية وتركيا.

باستثناء بعض الاشتباه حول التواريخ والمسائل البسيطة، فإن سردية "فون هارف" تُعتبر ذات مصداقية على الأقل حتى مغادرته سيناء إلى مكة المكرمة، ويُصبح موثوقًا به مرة أخرى مع وصوله إلى فلسطين. ولكن لا يمكن توقع أن يُصدّق أحد زيارته للهند، أو رحلته إلى نهر النيل. يكفي أن نقول إنه لم يحتو فقط في هذا الجزء على هراء وروايات غير حقيقية وغير قابلة للتصديق، لكنه أيضًا يكشف عن المفاهيم الخاطئة عن جغرافية المحيط الهندي، وينص على أن منابع النيل هي رحلة لمدة 72 يومًا من القدس!

إذا كنا لا نؤمن برحلة "فون هارف" للحج إلى مكة المكرمة، يُمكننا أن نفترض أنه ذهب من مصر إلى فلسطين، لكنه أدرج روايات خيالية للرحلة من شأنها أن تُعيده مرة أخرى إلى نقطة البداية، حيث يُمكنه أن يستأنف رواية ذات مصداقية. إذا كنا نعتقد في ذلك، يجب علينا أيضًا أن نعتقد أنه بعد وصوله إلى عدن، أو ربما سقطرى، عاد إلى مصر بطريق لم يكشف عنه، وفضل التظاهر بأنه أجرى رحلة أطول بكثير، وليس مجرد إضافة إلى سفره الحقيقي. يبدو الأول أكثر احتمالاً، ولكن الأدلة القاطعة لا يُمكن أن تُتاح إلا من التفاصيل التي يعطيها لرحلته في الجزيرة العربية.

 في البداية، يبدو أنه ارتكب خطأ حول الاتجاه الذي كان يُسافر إليه؛ يجب أن يكون جنوب أو جنوب شرق بمجرد أن يمر برأس خليج العقبة. ويتحدث عن السفر شرقًا لمدة أربعة أيام من الطور إلى "نيجرا Negra". أيًا ما كان. فإنه لا يذكر أي تغيير في الاتجاه، ويصف البحر الأحمر كفرع غربي من المحيط الهندي. فإن تقديراته للوقت المستغرق قصيرة للغاية. وهو فقط ستة وعشرين يومًا من وقت السفر الفعلي بين القاهرة ومكة المكرمة، في حين أن قوافل الحج عادة ما تستغرق ما يقرب من أربعين يومًا، ويدّعي أنه أنجز الرحلة من مكة المكرمة إلى عدن في ستة وأربعين يومًا. غياب أسماء الأماكن، التي يُمكن التعرف عليها لافت للنظر. بعد مغادرته الطور، ذكر عشر مدن في شبه الجزيرة العربية، من بينهم مكة المكرمة، وهي الوحيدة التي أعطاها اسم معقول. في حين أنه ادعي أن عدن اسمها "ماداش"، ربما الاسم الذي عرفها به بطليموس!. والباقي لا يُمكن تحديده على نحو مرض، على الرغم من أنه انضم إلى قافلة الحج في الطور، ومن ثم من المفترض أن يمر من خلال المدينة المنورة فإنه لا يُشير إليها مطلقًا، إلا من خلال اسمها قبل الإسلام، يثرب، وفيما يبدون أنه نقلها عن الجغرافيين العرب الكلاسيكيين مع نوع من التحريف قليلا، حيث أوردها في كتابه (تريبا).

 كما أن وصفه لزيارته لمكة المكرمة غريب جدًا. على الرغم من أنه كان يُسافر صراحة كمسيحي، وأنه وعدد من المسيحيين واليهود الآخرين رافقوا قافلة الحج الشامي حتى كانوا على بعد حوالي ميلين ونصف (نصف ميل ألماني)، وعلى مرأى من مكة المكرمة. ومن اللافت للنظر أنه يشير إلى السماح للمسيحيين بالبقاء مع الحجاج بعد الإحرام، أو ارتداء  رداء الحج، والتي تتم في أبيار علي بعد مسيرة يوم واحد جنوب المدينة المنورة، وأنه من الغريب استمرار أنه لا ينبغي أن يسمح له برؤية مكة المكرمة اطلاقًا، ولو حتى من الخارج. ومع ذلك، فقد تحمل المملوك درغام، وهو أحد المسيحيين المرتدين عن الإسلام، الخطر الهائل المتمثل في أخذه إلى المدينة متنكرًا بشكل مناسب. ومكة المكرمة تلك المدينة الواقعة بين جدران صخرية قاحلة في واد اتساعه حوالي نصف ميل، تبدو إلى "فون هارف" مدينة ممتعة جدًا، وتحيط بها حدائق جميلة من الأشجار مع الفاكهة النادرة، وإلى جانبها نهر دقيق وكبير ينحدر جنوبًا إلى المصب في البحر الأحمر. والحقيقة أن مثل هذا النهر لا وجود له في أي مكان بالحجاز. على الرغم من أن المسافرين الأكثر موثوقية في الجزيرة العربية في بعض الأحيان يخطئون ويعتقدون أن مجرى السيل نهر. في مكة، ومع ذلك، لا تتدفق تيارات جارفة بجانب المدينة. ويُضيف "فون هارف" إن المسجد: "بُني كمكان ذو مكانة رفيعة على الأرض"، وهي ملاحظة غريبة لمن رأى مآذن القاهرة والمساجد في بلدان الشام، بالنسبة لارتفاع الكعبة هو فقط حوالي 50 قدمًا، والجدار المحيط حوالي 25 قدمًا. وهو يُخبرنا أن جميع من دخلوا كاشفو الرأس وعاريو القدمين، وهم يجب أن يكونوا عراة الرأس لو كانوا يرتدون الإحرام، ولكن ليس بالضرورة أن يكونوا حفاة القدمين. مشط القدم يجب أن يكون مكشوفًا، ولكن الحاج في الغالب يرتدي صندلاً. واصلوا إلى "الطرف الشرقي للكنيسة" حيث كان قبر محمد. الكنيسة "(كيرش) هي كلمة غريبة تطلق على الفناء المفتوح الذي يحيط بالكعبة. أما بالنسبة للمقبرة، فإن السيد (ليتس) يلاحظ أن الكعبة تبدو مختلطه مع قبر محمد في المدينة المنورة، ومن الملاحظ كم كان هذا الخطأ شائعًا. كل التشابه هو أن الكعبة تقف في الوسط، وليس في الطرف الشرقي من ساحة الفناء، وارتفاعها حوالي 50 قدمًا وطولها 40 قدمًا و اتساعها 33 قدمًا، (فون هارف) أعطي قياسات المقبرة التي رآها كالآتي 5 في 10 في 4 أقدام.

في الحقيقة هذا الوصف يبدو رواية مختلطة للمدينة. ضواحيها تستحق الثناء أفضل من تلك التي في مكة. كتب السيد "إلدون روتر" أن المنطقة الواقعة بين المدينة المنورة وحراء Harra "مزروعة بكثافة" من أشجار النخيل في ظل زراعة الذرة والخضار. هناك مجرى مائي يمر على طول الجدار الجنوبي، ومن خلال الضواحي الشرقية. المسجد النبوي، الذي تم توسيعه مؤخرًا من قبل قايتباى من المحتمل أنه أكثر إبهارًا للزائر من الحرم في مكة بارتفاعه. محمد دفن بالقرب من الزاوية الجنوبية الشرقية، وعلى الرغم من أن القبر ليس ظاهرًا للزوار. أخبر بيرتون أنه كان كتلة من الرخام. المرء كان يفترض فقط أن "فون هارف" قد سمع وصفًا للمدينة المنورة، وقبل به كوصف مكة المكرمة لأنه، مثل الكثير من معاصريه في أوروبا، كان يعتقد أن محمد دفن هناك، وأن قبره كان هدفًا للحج للمسلمين.

وليس من الضروري أن نأخذ في الاعتبار القليل الذي دونه "فون هارف" حول بقية رحلته العربية. إنه يشير إلى أربعة أنهار كبيرة، واحدة منها يصب في البحر في عدن، إلى مجتمعات المسيحيين الإثيوبيين، إلى مدينة ثلاثة وعشرين يومًا من السفر خارج مكة المكرمة، حيث "الكلدانية" (يفترض السريانية)، كما كانت تنطق وملك سبأ Saba الذي كان خاضعًا لـ "الرب العظيم للهند".

 قد تكون الأنهار، إلا في عدن، قد تم تفسيرها على أنها سيول سقطت على الوديان، ولكن المسيحيين والمتحدثين السريانيين بالتأكيد ليسوا على حق. ويقترح السيد ليتس هذا بواسطة الرب في الهند يعني الكاهن يوحنا هو المقصود حقًا. ومع ذلك، فإن البيان غير صحيح. في هذا الوقت كان الجنوب الغربي للجزيرة العربية مستقل تمامًا عن إثيوبيا.

لودفيكو دي فارتيما

وفي عام 1503 رحل إلى الإسكندرية شاب صرّح أنه ينوي القيام برحلة تعتبر من أشق وأصعب أنواع الرحلات التي نسجها خياله، وطغت على أفكاره، فهذا الرجل كان ينوي أن يكون أول رجل مسيحي يتجه إلى مكة المسلمة، وعندما غادر إيطاليا لم تكن تلك الفكرة قد استحوذت عليه، بل يبدو أنه بدأ بالتفكير بتلك المغامرة، عندما رأى الفرصة مناسبة لتحقيقها. والأمر الأكيد هو أن هذا الشاب المدعو لودفيكو دي فارتيما Lodvica Di Var Thema كانت تنتابه بعض الهواجس، وكان يتوق إلى القيام بشيء جديد، كما يتوق الظمآن للماء العذب.

وفي 8 أبريل 1503 انطلق حوالي أربعون ألفًا من الحجاج في الصباح الباكر تكتنفهم أصوات الجمال وصرخات سائقي الإبل والغبار المنطلق ليملأ جو ذلك النهار الربيعي، وكان فارتيما يراقب كل شيء، وبرفقته ستون حارسًا مثله، وهو ممتط صهوة حصانه، وكانت القافلة تسير بشكل متعرج ملتو وبدأت تلك الحركات المعقدة في جانبه وخلفه والتي أكدت له أخيرًا أن مغامرته الحقيقية قد بدأت وأصبحت في حيز الوجود والتنفيذ.

 

المصادر والمراجع:

• سمير عطا الله: قافلة الحبر الرحالة الغربيون إلى الجزيرة العربية والخليج، (بيروت: دار الساقي، 1994)، ص 49، 50.

• جمال محمود حجر: الرحالة الغربيون في المشرق الإسلامي في العصر الحديث، (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2008)، ص 19-29.

• نقولا زيادة: الجغرافية والرحلات عند العرب، (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1987)، ص 241، 242.

• أسعد عيد الفارس: "الرحالة الغربيون في شبه الجزيرة العربية أهدافهم وغاياتهم"، في كتاب دارة الملك عبدالعزيز: الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية، الجزء الأول، (الرياض: دارة الملك عبدالعزيز، 2000)، ص 471 - 476.

Beckingham C. F. : "Some Early Travels in Arabia"، The Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland ، No. 2 (Oct. ، 1949)، pp. 155- 176.


عدد القراء: 106

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-