قلادة الإحسانالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-10-11 22:04:06

محمد بن عبدالله الفريح

كاتب ومفكر

جاء في ترجمة الشيخ فالح الصغير السبيعي من أهل الزلفي (ت1359) وهو العالم الذي قَضَى جُلَّ حياتِه بين العِلم والتحصِيل والدعوة والتدريس والقضاء، مُتنقِّلًا بين أرجائها، برغم الصعوبات، وشِدَّةِ المؤونة، وضنك العيش في كتاب  "عصارة الشهد في ذكريات الوالد عن الجد ص68-69" ما نصه (بتصرف):

 ومن كرمه وسخائه رحمه الله أن حضرت زوجة جاره ذات مرة إلى زوجته أم عبدالله سارة الفايز رحمهما الله، فبكت عندها بكاء شديدًا لا شعوريًّا، فقالت زوجة الشيخ:  ما يبكيك؟

 فأجابتها قائلة: عندي رغبة شديدة وأتمنى أن أحج هذا العام، فالقافلة ستسير اليوم أو غدًا، وأبو فلان (زوجها) رفض أن أحج، وأخشى على نفسي من الموت!! فقد كانت رحمها الله حريصة على الحج مع فقرها، وضنك عيشها، وضيق ذات يدها ويد زوجها- أدع المقارنة مع نساء العصر للقارئ الكريم- فسكتت زوجة الشيخ، فلما عاد الشيخ إلى بيته، أخبرته أم عبدالله الخبر، فذكر الله، وأشخص يتأمل، فلما صلى بالمسجد استدعى جاره، وقال: يا فلان نريدك معنا بالحج أنت وأم فلان، قال:  يا شيخ والله إن نفسي تتقطع رغبة في الحج، ولكن والله لا أملك عشائي هذه الليلة، فكيف سأحج؟

 قال الشيخ:  قد اشتريت لك ذلولًا من مال عندي أمانة، وكتبته في ذمتي، لأنه لا يملك مالًا رحمه الله، وزادك عليَّ، لكن نريدك معنا، فانطلق الجار فرحًا وبشر امرأته، فذهبا هو وزوجته وحجَّا مع الشيخ.

 ولأن الله يأبى إلا أن يكرم من أكرم ضيوفه، فلما عاد الشيخ من حجه باع الذلول (الناقة) بضعفي قيمتها.

كم تعجبت كثيرًا عندما قرأت هذه النادرة في طيات هذا الكتاب، ولا ينقضي العجب من كل تفاصيلها وأبعادها، فمن أدب وكياسة في الطلب من تلك المرأة التي عرضت حاجتها بطريقة تأبى النفس السوية رفضها، إلى امرأة استطاعت بكياسة وفطنة من نقل ذلك الطلب إلى زوجها، إلى رجل حكيم، بعيد النظر، مجرب، استطاع بكل سلاسة وذكاء من تلبية حاجة الزوجة وزوجها، دون أن يخدش لهما  كرامة، مع ضيق ذات يده، وقلة موارده، ولكنها النفس الأبية التي تحيل شدائد الأمور إلى تجارة رابحة، ويجازف بمال دين عنده، ويوثقه على نفسه، ويبلغ العجب منتهاه (ولا عجب)، وهو إكرام الله المطلع على خفايا النفوس وسرائر الصدور، لهذا المحسن الأبي النبيل، وهو لذلك أهل وجدير،  بأن يمكنه من بيع ناقته بضعفي ثمن شرائها.

 إن العجائب في طيات بعض القصص لا تنتهي، وكذلك عجائب تدبير الله لعباده وإحسانه وإكرامه لهم، أكثر وأعظم من أن يحصيها بشر،  أو يخطها قلم، أو يحويها سفر.

 وصَدَقَ أبو حنيفة رحمه الله حينما قال:

الحكاياتُ عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إليَّ مِن كثير من الفِقه؛ لأنها آدابُ القوم وأخلاقهم.

 وقال الجنيد: الحكايات جند من جنود الله عز وجل يقوي الله بها إيمان العباد، فقيل له: هل لهذا من شاهد؟ قال: قوله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) هود: 120.

 وكذلك ما ذكره الإمام ابن القيِّم عندما قال:

مفتاح حصول الرَّحمة الإحْسَان في عبادة الخالق، والسَّعي في نفع عبيده.

 أتذكر في هذا السياق مقولة الفيلسوف والكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون عندما قال:

الرجل الحكيم يصنع من الفرص أكثر مما يجد.


عدد القراء: 59

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-