دريدا قارئًا هوسرلالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-10-11 23:47:54

شايع الوقيان

باحث في الفلسفة - الرياض

في المبحث الأول من (مباحث منطقية) يدرس هوسرل بعمق مفهومَ العلامة. وسوف يكون هذا المبحثُ الموضوعَ الأثير لجاك دريدا في كتابه (الصوت والظاهرة). يقسم هوسرل العلامة إلى نوعين: عبارة expression وإشارة indication.

العبارة (= التعبير) تختلف عن الإشارة (= التأشير) في أنها ذات علاقة "داخلية" بالمعنى. أما الإشارة فذات علاقة خارجية. فلنبدأ بالإشارة: يضرب هوسرل مثلاً للإشارة بالنُّصُب والنوتات ويمكن أن نضيف اللوحاتِ الإرشاديةَ ونحوها. فاللون الأحمر مثلاً يؤخذ إشارةً لتوقف السيارات. والعلاقة بين اللون والتوقف علاقة بين حدثين مستقلين ويمكن أن يوجدا منفصلين. 

أما العبارة (=التعبير) فهي علاقة بين رقوم أو أشكال مادية لا معنى لها بذاتها ولكنها تصبح دلالية بمجرد انطوائها على معنى يعطى لها من قبل الوعي القصدي. وهكذا فإن علامة (شجرة) تدل على معنى الشجرة في أذهاننا وتحيل إلى الشجرة في الخارج. ولكن متوالية الأصوات (ش/ج/ر/ة) لا وجود لها منفصلة أو لا وجود سابق لها على المعنى. فالدال والمدلول هنا متضايفان، بينما هما في الإشارة متفارقان.

يجدر بالذكر أن هوسرل يعطي قيمة كبيرة للعبارة على الإشارة. فالعبارة هي ظاهرة تنطوي في ذاتها على معنى، وأما الإشارة فلا تبقى ذاتَ دلالة عندما نقوم بتقويس العالم الواقعي؛ أي عندما نغض الطرف عن العالم الواقعي ونركز على الماهيات أو المعاني. عندما نصف اللون الأحمر فينومينولوجيًّا فإننا لا نعثر فيه على دلالة توقف السيارات، بينما الأمر كذلك فيما يتعلق بالعبارات. والأهم من ذلك أن "المعنى" يكون حاضرًا بشكل مباشر في العبارة ولا نضطر أن "ننتقل" من شيء إلى شيء كما يحدث في الإشارة. و"الاختلاف" بين العبارة والإشارة هو تنويع فينومينولوجي على الاختلاف بين المحايثة والمفارقة، وبين الحضور والغياب، وبين المباشرة والتوسط.

إن الفيلسوف الفينومينولوجي يقوم بتعليق الحكم على الواقعِ والوجودِ وعلى كل ما ليس معطًى مباشرة. والمعطى المباشر هو ما يحضر أمام الوعي بدون وسيط. فهوسرل يرى أن تلك الطاولة تظهر لوعيي بوصفها هي، وظهورها مباشر. ولكن هل هي "موجودة" فعلا في الخارج؟ أو هل وجودها في ذهني هو نفس وجودها في الخارج أم بينهما فرق؟  هذه الأسئلة يتجنبها الفينومينولوجيُّ لأنها تتكلم عن موضوعات لا تعطى مباشرة. فوجود الطاولة لا يعطى بينما "ظاهرة" الطاولة معطاة لي بشكل فوري وحضوري، ومن هنا يسمى هذا المذهب بالمذهب الظاهراتي (الفينومينولوجي). 

الاختلاف بين المباشر والمتوسط يمكن أن ندعوه بالاختلاف الفينومينولوجي. وفلسفة اللغة عند هوسرل لا يمكن فهمها إلا بالانتباه لهذا الاختلاف.

الاختلاف الفينومينولوجي يشير إلى الفرق بين المعطى وغير المعطى؛ أو بين ما هو حاضر للوعي بدون وسائط، وما يغيب أو ما يحضر ولكن من خلال نائب ينوب عنه. وهكذا فالمنهج الفينومينولوجي لا يبدأ - بل ولا ينتهي- بأي ضرب من ضروب الاستدلال التي يكون فيها "انتقال" من شيء إلى شيء آخر مطلوب، بل يعتمد على منهج الحدس. والحدس هو حضور فوري للمحدوس. لكن ما الذي يحضر في الحدس؟ هل الشيء بوصفه شيئًا هو ما يحضر؟ لا، بل هو "المعنى"؛ أي: معنى الشيء. ومعناه هو ماهيته. ففي حدس الماهية يحضر الشيء الفردي ولكنه يحضر كمثالٍ على ماهية كلية أو تصور عام. ولذا فالمعطى هو الماهية أو المعنى.

لكن أليس للأشياءِ معان فردية إضافة إلى الكلية؟ نعم. ولكن الإشارة، وليس العبارة، هي ما تدل على هذه المعاني الفردية. لنأخذ الجملة التالية: (ما أجمل السماء!). هذه الجملة لها معنى وهو أن السماء جميلة. لكنها تشير أيضًا إلى معنى فردي في ذهن المتكلم وهو أنه سعيد جدًّا بسبب جمال السماء. الجملة أعلاه "توحي" لنا بالحالة الداخلية للمتكلم. والإيحاء ضرب من الإشارة وليس العبارة. فالعلاقة بين الجملة والحالة الداخلية للفرد علاقة تفارق وليست علاقة تحايث. والدليل أن فلانا من الناس يمكن أن يقول (ما أجمل السماء!) رغم أنه كئيب. بمعنى أنه بتلفظه يقرر فقط جمالَ السماء. بينما يظل المعنى ملازمًا للعبارة ومهما تكررت العبارة فالمعنى ثابت وقار. ويمكن الاستئناس بالتفريق بين الجملة والتلفظ وهو تفريق مألوف في نظريات أفعال الكلام: يقول جون سيرل "الجملة ذات بنية شكلية، بينما التلفظ فهو ينطوي على فعل قصدي. أن تتلفظ بجملة يعني أن تنخرط في سلوك قصدي" (Searle, p. 643).

إن الجملة تكون تعبيرًا (عبارة) إذا قام الوعي القصدي بوهبها المعنى؛ فالوعي يهب المعاني للأشياء ومن ضمنها الكلمات. ولكن الكلمات تمتاز عن الأشياء بأنها تؤسس مفهوم العبارة. لكن أليس الكلام ماديًا؟ أقصد: التلفظ الصوتي؟  بلى، هو مادي وغير شفاف وهو توسط يمنع الحضور؛ حضورَ المعنى لذاته. ولكن هوسرل يتحدث عن شيء يدعوه بالكلام الخيالي أو النفسي (كما عند علماء الكلام المسلمين كالأشاعرة). إن التواصل بين الناس هو ما دعا إلى إخراج الكلام النفسي إلى كلام مادي. ومن ثم فالتواصل ينتمي إلى الإشارة وليس إلى العبارة؛ لأن التواصل يستلزم أن يكون الدال محسوسًا (مسموعًا) وفي الانتقال عبر كثافة المادة وضبابيتها يغترب المعنى (المدلول) عن ذاته. في الكلام النفسي يكون الدال شفافًا جدًا حتى لكأنه ينطبق على المدلول. من هنا نجد أن هوسرل يرد العلامة إلى حقل ما هو سيكيولوجي أو فينومينولوجي فيصير الدال شيئًا غير مادي بل نفسي أو عقلي. ويذكر دريدا في (الصوت والظاهرة) أن هذا الرد هو ذاته الرد الفينومينولوجي الذي سيظهر جليًا في كتاب الأفكار "إن القراءة الدقيقة للمباحث تكشف عن أنه ينطوي على كل فكر هوسرل، ففي كتاب المباحث يظهر مفهوم الرد الماهوي أو الفينومينولوجي رغم أنه الثيمة الأساسية لكتاب الأفكار" (Derrida 1973, p. 4 & 44).

لماذا يريد هوسرل أن يلغي أية كيفية مادية من مفهوم العلامة؟! هوسرل فيلسوف مثالي رغم كل نقده للمثاليات السابقة. وهو في (المباحث) مثالي أفلاطوني وفي (الأفكار) مثالي كانطي. والمثالية الأفلاطونية هنا يراد منها ذلك المذهب الذي يرى أن التصورات ذات وجود مطلق ومستقل عن الأذهان. فالمعاني الكلية أو الماهيات هي كينونات مثالية. وهي أساس المعرفة عند هوسرل بل وأساس الإدراك. والمادي أو المحسوس يعد جزئيًا ولا يظهر بوصفه كليًا ولذا فهو وجود غير مثالي ولا يمكن أن يؤسس للمعرفة. وفي كتاب (الأفكار) طرح هوسرل مبدأه الشهير والذي أسماه بـ(مبدأ كل المبادئ). فلنسمع ما يقول عن هذا المبدأ الذي يعصمنا من كل خطأ: "مبدأ المبادئ هو أن كل حدس حضوري أصلي هو المصدر الشرعي للمعرفة، وأن كل شيء يظهر لنا في حدس أصلي فإننا يجب أن نقبله ببساطة كما هو؛ أي كما هو معروض في هذا الحدس وفي حدود هذا الحدس" (Husserl 1983, p. 44). لننظر في هذا المثال الذي ضربناه في غير موضع فهو كفيل بإيضاح ما يقصده هوسرل بالحدس بوصفه مصدر المعرفة ومبدأ المبادئ: لو أن رجلاً ولد أعمى فإنه سوف (يعرف) معنى اللون الأحمر مثلاً ولكنه لا (يحدسـه). وقد ظهر رجل أكمه في فيديو على اليوتيوب يقول إن أهلي وأصدقائي حاولوا بشتى الطرق أن يخبروني ما هو اللون الأحمر ولكني على الإطلاق لا أدري ما هو على الأصالة. صحيح أنه يعرفه بالنيابة؛ أي من خلال تعريفه العلمي بوصفه أطوال موجية ونحو ذلك، لكن هذا لا يعطينا (حدسًا) باللون الأحمر. المعرفة بالأصالة هي المعرفة الحدسية وهي أساس كل معرفة حقة، بينما المعرفة بالنيابة هي معرفة الشيء في غيابه الدائم. أي معرفته عن طريق وسيط.

هوسرل يرفض فكرة الوسيط؛ لأنها ضد مبدأ المبادئ. والمادة وسيط؛ فالكلام الصوتي الفيزيقي هو مادي وهو ينقل المعنى ولكن المعنى في الكلام المادي يفقد اكتماله وحضوره المباشر. يقول دريدا في كلام مهم "كل دال يكون إشارة «مادية» إذا اختفت فيه صفةُ المباشرة والحضور الكامل للمدلول" (Derrida 1973, p. 40). بمعنى أن انتقال العلامة من محيط الكلام النفسي إلى الكلام المادي يؤدي إلى تحول الدال إلى حجاب كثيف يهدر مباشرة وحضور المدلول. ولذا يحاول هوسرل أن يطرح الكلام النفسي كبديل أو كأساس للكلام الصوتي المادي. والكلام النفسي عبارة عن (مونولوج) بينما الصوتي هو (ديالوج)؛ أي حوار مع ذوات أخرى وتواصل يقتضي وسيطًا ماديًا. ويرى دريدا أن رد العلامة إلى الحياة النفسية (المونولوج) حيث تكون الكلمات خيالية لا واقعية هو ضرب من تعليق العالم الواقعي (= رد فينومينولوجي لما هو مادي وواقعي) (ibid, p. 43). والتفكيك الذي يمارسه دريدا ومن معه للنصوص الفلسفية والأدبية الغربية هو محاولة لكشف ما هو (ديالوجي) فيما هو (مونولوجي)، كما يقول هانس ميللر (مقتبس في مقالة رورتي عن التفكيك، ص201).

مبدأ المبادئ عند هوسرل هو "حضور المعنى للحدس المليء والأصلاني" (Derrida 1973, p. 5). وهذا الحضور هو الشكل الأقصى للمثالية، فما هو مثالي يتكرر بلانهاية في هوية موحدة؛ لأنه ببساطة لا يوجد وجودًا واقعيًا (ibid, p. 6).

في الكلام النفسي يشف الدال عن المدلول (المعنى) ويكشفه للحدس. ولكن تجلي المدلول فيما هو مادي يجعل الحدس غير ممكن. الحدس عند هوسرل يحدث عندما نستبعد واقعيةَ الشيء ووجوده ونركز فقط على حضوره للوعي. كحضور اللون الأحمر لإدراكي البصري. فعندما أتدبر في هذه الطاولة التي أمامي سأجد أنني متيقن تمام اليقين من شيء واحد: وهو أن موضوع حدسي هو الطاولة. وأما وجود الطاولة أو واقعيتها المستقلة عن وعيي فهي غير معطاة، ولذا لا تدرك بالحدس بل بالاستدلال، أو لنقل: لا تدرك بالمعرفة المباشرة بل بالمعرفة الوصفية، حسب تعبير راسل. الآن، عندما يتجلى المدلول في علامة مادية فإن العلامة لا تعود عبارة بل إشارة. والمعنى لا يظهر كاملاً بل يتشوش ويظهر ناقصًا. فكان لا بد من رد العلامة من المادي إلى الروحي.

من المشكلات الكبيرة التي تواجه هوسرل فكرة "الموضوعية"؛ فالفينومينولوجيا تسعى إلى أن تؤسس لنفسها كعلم صارم. وتأسيس أي علم ينتمي - حسب دريدا- إلى متيافيزيقا الحضور وإلى نزعة التمركز العقلي الذي يحاول علم الكتابة مساءلته، كما تقول باربرا جونسن في مقدمتها للترجمة الإنجليزية لكتاب دريدا (التشتيت) (انظر ترجمة المقال في عبد المنعم الفيا، ص 86). والسؤال الآن: ما هي الموضوعية؟! الموضوعية تعني، من بين ما تعني، البينذاتية (= ما بين الذوات). أي إن ما هو موضوعي يجب أن يتم تداوله بين الناس وما يبقى حبيس ذات المتكلم يعد ذاتيًا. ومن هنا يرى دريدا أن أكبر معاناة عانتها الفينومينولوجيا نجمت من موضوعين: وصف الزمانية ووصف البينذاتية (Derrida 1973, p. 7). الزمان ينطوي على الحضور ولكن أيضًا على الماضي والمستقبل (وهما غياب)، ولذا فالزمان يقوم بزعزعة الحضور والامتلاء. وأما البينذاتية فهي تعني الخروج من الكوجيتو إلى الآخر. وهذا أيضًا صرف للوعي من الحضور الذاتي إلى الوسائط المادية التي يستلزمها التواصل. وهذا التواصل (الديالوجي، البينذاتي) هو شرطٌ للموضوعية. فالفينومينولوجيا لكي تؤسس نفسها كعلم موضوعي لا بد أن تخرج عن الوعي الترانسنتدنتالي الحضوري الحدسي. والخروج من الذاتي إلى الغيري شرط لتأسيس العلم، لذا يقول دريدا "إن الغيرية (الآخرية) ستكون شرطًا للحضور" (ibid, p. 65)؛ أي لموضوعية العلم بوصفه علمًا بديهيًا أصليًا. وكون الغير شرطًا في الموضوعية فهذا يعني أن هوسرل مضطر إلى أن يؤسس الحضور على الغياب، والمباشرة على التوسط! وهذا ما كشف عنه دريدا في ممارسته لتفكيك نص هوسرل. فالتفكيك فضح لتناقضات وتعارضات النسق الفكري وكيف أنه يؤسس نفسه على ما يحاول نفيه وإلغاءه.

الغيرية هي المصطلح الذي سوف يسميه دريدا لاحقًا بالاختلاف. وهو أهم كلمة في النقد التفكيكي ككل. فالتواصل بوصفه افتراضًا للغير وللآخرين يقف إزاء الكلام النفسي (اللاتواصلي). فالمونولوج قد يكون تواصلاً ولكنه تواصل داخلي ذاتي، وهو "لا-غيري" و"لا-اختلافي" بل هو حضور ذاتي تام (ibid, p. 58).

في الفكر الفينومينولوجي، تتم المحاولات المنهجية من أجل تأسيس الموضوعية في الذاتية. وهذا يعني: كيف يمكن للوعي بوصفه نشاطًا ذاتيًا أن يكون أساسًا للموضوعية. وقد أشرنا إلى أن هوسرل يميز في الوعي بين الفعل والمضمون. ففعل الوعي ذاتي وفردي وخاص بكل كوجيتو، وأما المضمون فمثالي ولا يتأثر بتغير أفعال الوعي. فلو فكرتُ في القضية الهندسية (كل خطين متوازيين لا يلتقيان مهما امتدا) فإن تفكيري فيها ذاتي وخاص بي، ولكن هذه الذاتية لا تؤثر في مضمون القضية، فهي قضية صحيحة دائمًا وأبدًا. يقول دريدا في مقدمته لكتاب هوسرل (أصل الهندسة) "إن السؤال الذي يشغل هوسرل هو: كيف للمعنى الذاتي أن يصبح موضوعيًا وبين ذاتيًا؟" (Derrida 1989, p. 63 & 161).

في كتاب الأفكار، الجزء الأول، يميز هوسرل بين علوم الوقائع وعلوم الماهيات. والأخيرة هي التي تهدف إلى حدس الماهية، ولذا فهي لا تعنى بالواقعة. ففي هندسة طاليس أو إقليدس مثلاً، لا يهم ماذا إذا كان الرجل يرسم على السبورة أو يهلوس أو يحلم، المهم هو الماهيات التي انتهى إليها؛ أي الماهيات التي تكون موضوعًا (= noema) للخبرة بصرف النظر عن طبيعة هذه الخبرة. فالوقائع لا تهم. فإقليدس مثلاً لا يكشف لنا وقائع تجريبية بل إمكانيات مثالية (Husserl 1983, p. 16). "فالهندسي لا يهتم بالأشكال المحسوسة كما يفعل عالم الطبيعة … فمفاهيم الهندسة مثالية ولا يمكن أن (تُرى)" (ibid, p. 166). يرى دريدا أن الفرق في بحث موضوع "أصل" الهندسة ليس بين الواقع أو الإدراك من جهة، والخيال أو الهلوسة من جهة أخرى، بل بين الهلوسة والخيال من جهة والتاريخ من جهة أخرى، ويقصد بالتاريخ هنا الوعيَ بالأصل التكويني (التاريخي) للهندسة (Derrida 1989, p. 44). فينومينولوجيًا، المبادئ الهندسية، بل ومبادئ كل علم، لها قيمتها المعيارية وهي مستقلة بشكل راديكالي عن تاريخها؛ فتاريخ كل علم، بما أنه ينتمي للواقع وللوجود ولما هو مادي متغير، يقع تحت طائلة التعليق (ibid, p. 43). ومن ثم فيجب التركيز على المعاني الباطنية للعلم وأما تاريخه فيجب تجاهله (ibid). ولكن هل حقًا أن تاريخ الهندسة مستقل عن الهندسة؟ سوف نعرف بعد قليل أن نص هوسرل يقوض نفسه بنفسه! أي إن النص ينطوي على إقصاء لمفهوم التاريخ واعتماد جوهري عليه في آن معاً.

يقرر دريدا فعلاً أن موضوعات الهندسة - عند هوسرل- لا يهم إن كان أصلها التكويني مرتبطًا بالواقع أو كان في خيال إقليدس أو كان إقليدس يهلوس! كل هذه الوقائع لا تهم. فما يهم هو ماهياتُ الهندسةِ المثاليةُ. فالهلوسة لا تقوض موضوعات الهندسة لأنها ببساطة موضوعات غير واقعية وغير موجودة (بشكل واقعي). ولكن دريدا يتساءل: إذا كانت الماهيات والموضوعات المثالية هذه ليست أفلاطونية (أي، لا توجد في سماء المثل) وإنما توجد في أفعال الوعي القصدي، وأنها لا يمكن أن توجد بشكل سابق (زمنياً على الأقل) على أفعال الوعي الذاتية، وإذا كان لها -أي لتلك الموضوعات الهندسية- تاريخٌ، ألا يدل كل هذا على أنها مرتبطة بالعالم الواقعي وبالوعي الذاتي للهندسي الأول (إقليدس أو طاليس أو أيًا يكن)؟! (ibid, 45).

يحاول هوسرل أن يقوّس (أو يقصي) كلَّ ما هو مادي-حسي أو تاريخي أو لغوي (إشاري) من دراسته لأصل الهندسة … ولكنه في النهاية يعتمد على كل ما أقصاه! فكيف حدث ذلك؟ لقد سأل هوسرل سؤالاً بسيطًا ولكن الجواب عليه سوف يقوم بخلخلة وتقويض تماسك النص الهوسرلي نفسه. سؤال هوسرل هو: كيف لأفكار ذاتية (نفسية) ظهرت في ذهن أول عالم هندسة أن تتحول إلى منظومة موضوعية من المبادئ المثالية المطلقة؟ يجيب هوسرل على الفور "مقدمًا، نحن نرى أن هذا يحدث بواسطة اللغة، فالجسد اللغوي هو ما يجعل الموضوعية أمرًا ممكنًا" (ibid, p. 161، بتصرف طفيف). هذا "جواب مفاجئ!" يقول دريدا، ثم يكمل: "اللغة إذن هي شرط الموضوعية، اللغة الحية المادية، وهي وسيط لا يمكن الاستغناء عنه لتأسيس موضوعية العلم بل ولتأسيس مفهوم الحقيقة" (ibid, p. 75-76).

في دراسته لأصل الهندسة، سيضطر هوسرل لإلغاء الرد الماهوي والترانسندنتالي وسيعود إلى التاريخ الذي يؤسس هذا العلم. إن الوقائع صارت أمرًا لا مفر منه، فالتاريخ لا ينفصل عن الوجود، والواقعي لا ينفصل عن الماهوي. إن الأصل التكويني لم يعد ممكنًا دراسته في إطار الرد الفينومينولوجي الذي كان هوسرل يلح عليه طويلاً (ibid, p. 46-47).

اللغة تبعا لهوسرل شرط لموضوعية الهندسة ولأي علم. واللغة هنا هي اللغة بوصفها تواصلاً بينذاتيًا. وهوسرل يؤكد في (المباحث) أن "كل جملة وكل علامة تقوم بوظيفة التواصل فهي إشارة" (Husserl 2001, p. 106) وليست عبارة. والإشارة تنطوي على جانب مادي، وهي خارجية، وبعبارة أخرى: هي توسّط لا يكون فيه المدلولُ معطى مباشرة بل يتم استنتاجه؛ أي تأويله وفك شفراته من قبل المستمع.

إن تجلي الكلام وظهوره في شكل ديالوجي يجعله تاريخيًّا وزمانيًّا. والموضوعية إذن سيكون "لها تاريخها ... بل إن هذا التاريخ مرتبط بالموضوعية ارتباطًا جوهريًا وداخليًا" (Derrida 1983, p. 75). وهوسرل يصادق على هذا الرأي ذاته عندما يقول "إن الموضوعات المثالية توجد -موضوعيا- بفضل التعيّن المادي للتكرار" وإن "التعبير المكتوب يكتسب أهميته في أنه يجعل التواصل بين الأفراد ممكنا ... والعلامات الكتابية يمكن اختبارها حسيا ويمكن أن تقبل التواصل البينذاتي" (ibid).

وهكذا يقوم دريدا بتفكيك نص هوسرل أو بالأحرى، يقوم بتفعيل الدلالات المضمرة والمتناقضة التي تجعل النص مهلهلاً وغير منسجم. فالإشارة التي يلغيها هوسرل يعود ويتسنجد بها من أجل تأسيس موضوعية علم الهندسة.

 

المراجع:

- الفيّا، عبدالمنعم عجب. في نقد التفكيك: نصوص مختارة مع مقدمة نقدية شاملة (منشورات ضفاف/الأمان/الاختلاف) 2015

- رورتي، رتشارد “التفكيك”، ضمن: نائل، حسام (ترجمة). البنيوية والتفكيك: مداخل نقدية (عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع) 2007

- Husserl, E., Ideas, First Book, tr. F. Kersten, Martinus Nijhuff Publishers, 1983

- Husserl, E., The Shorter Logical Investigations, tr. J. N. Findlay, Routledge, 2001

- Derrida, Jacques, Edmund Husserl’s Origin of Geometry: An Introduction, tr. John Leavey, University of Nebraska Press, 1989

- Derrida, Jacques, Speech and Phenomena, tr. D. Allison & N. Graver, Northwestern University Press, 1973

- Searle, John, Literary Theory and its Discontents, New Literary Theory, Vol. 25, No. 3 (Summer, 1994)


عدد القراء: 447

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-