أثر ابن حمديس في الأديب الإسباني فدريكو غارثيا لوركاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-10-12 02:15:16

د. صبيح صادق

جامعة أوتونوما، مدريد ـ إسبانيا

(سيوف من المياه ... ينابيع ترفع سيوفها في الهواء)

 

قد نقرأ أحيانًا حول تأثير الأدب العربي على الأديب الإسباني ذائع الصيت، فدريكو غارثيا لوركا المولود عام 1898 في بلدة "فوينتي باكيرو"، التابعة لمدينة غرناطة، جنوب إسبانيا، والذي نـُفذ فيه حكم الإعدام، وعمره 38 عامًا، سنة 1936، عند منحدر بين بلدتي "بيثنار"، و "الفاكار" القريبتين من غرناطة، في بداية الحرب الأهلية الإسبانية (1936 - 1939) التي نشبت بين الجمهوريين وقوات الجنرال فرانكو، وانتهت بانتصار الأخير، ولا يُعرف حتى اليوم مكان قبره، فكان أول شخصية إسبانية مهمة تلاقي حتفها في تلك الحرب.

والذي يلاحظ إن بعض الباحثين يتكلم عن تأثير العرب على لوركا، دون تقديم معلومات موثقة، بل إن بعضهم يبالغ في التأثير العربي على لوركا، ويطلق الأحكام جزافا، دون تقديم أية دلائل. إن المبالغة في تأثير الأدب العربي على الآداب العالمية قد يـُولـِّد نتائج عكسية، تؤثر سلبيًا على مصداقية تأثير العرب على الحضارة الإنسانية. من هنا لابد من توخي الحذر عند الكلام حول تأثير العرب في الآداب العالمية، لأن الأدب المقارن طريق شائك وصعب، ولابد للباحث أن يكون دقيقًا للغاية في تقصيه، وفي صياغة نتائج بحثه.

من التشبيهات الشائعة في الأدب العربي، تشبيه ماء النافورة أو الينبوع أو النهر بالسيف، ومثل هذا التشبيه غير موجود في الأدب الإسباني، وقد استعمله فدريكو غارثيا لوركا لأول مرة، عام 1921، حيث شبـّه ماء الينبوع بالسف: (سيوف من المياه . . . ينابيع ترفع سيوفها في الهواء).

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو هل اقتبس لوركا هذا التشبيه من الأدب العربي؟

***

لقد عثرنا على عدة مقطوعات عربية تمت ترجمتها إلى اللغة الإسبانية، وكذلك مقطوعات أخرى تـُرجمت إلى لغات أوربية، تتضمن هذه الفكرة، قبل أن يكتب لوركا قصيدته، ولعل أقرب تلك الترجمات إلى لوركا قصيدة ابن حمديس، الشاعر العربي الذي ولد في جزيرة صقلية عام  447 هـ  1055 م، ورحل إلى الأندلس، ونال شهرة كبيرة فيها وفي شمال أفريقيا، وتوفي في جزيرة ميورقة عام 527 هـ ـ 1133 م.

وقصيدة ابن حمديس هذه، التي تـُرجمت إلى الإسبانية قبل لوركا، هي في وصف بركة في قصر المنصور بن أعلى الناس أمير بجاية، وفيها يصف المياه المتدفقة من أفواه تماثيل الأسود كأنها السيوف التي تذوب كي تعود الى الغدير.

***

يقول لوركا، عام 1921، في قصيدته "حديقة":

Jardin

Hay cuatro caballeros

con espadas de agua

y está la noche oscura.

Las cuatro espadas hieren

el mundo de las rosas

y os herirán el corazón.

¡No bajéis al jardín!)1).

حديـقـة

هناك أربعةٌ من الفرسان

مع سيوف من الماء

والليل مظلم.

تجرح السيوف الأربعة

عالـَمَ الورود

وتـَجرحُكُم في القلوب.

لا تـتركوا الحديقة.

 ثم عاد لوركا لاستعمال هذا التشبيه عام 1936 في قصيدة "قصيدة الجريح بالماء" في ديوانه ذائع الصيت "تماريت":

Casida del herido por el agua

CASIDA DEL HERIDO POR EL AGUA

QUIERO bajar al pozo,

quiero subir los muros de Granada,

para mirar el corazón pasado

por el punzón oscuro de las aguas.

El niño herido gemía

con una corona de escarcha.

Estanques, aljibes y fuentes

levantaban al aire sus espadas)2).

وقصيدة لوركا هذه بالعربية حسب ترجمة ناديا ظافر شعبان:

قصيدة جريح المياه

أريد أن أهبط إلى البئر،

أريد أن أتسلق جدران غرناطة،

لأنظر القلب المثقوب،

بمخرز المياه المظلم.

كان الطفل الجريح يئن،

وتاجه من صقيع،

كانت برك، حبب، وينابيع،

تسل سيوفها في وجه الريح(3).

وترجمها محمود السيد علي بالشكل التالي:

عن جريح الماء

أريد أهبط البئر

أريد أتسلق أسوار غرناطة

لأنظر قلبًا اخترقته

قاتم سنابك الماء.

تأوه الطفل الجريح

مكللاً بتاج من صقيع.

غدران، آبار، ينابيع

ترفع سيوفها في الهواء(4).

أما ترجمة رفعت عطفة فجاءت بالشكل التالي:

قصيدة المجروح بالماء

أريدُ أن أنزلَ إلى البئر،

أريدُ أن أصعدَ أسوارَ غرناطة

كي أنظر إلى القلب

يخترقُهُ ميخازُ الماء الغامض.

كان الطفل الجريحُ يئنُّ

بتاجٍ من صقيع.

مستنقعات، وحبابُ وينابيع

ترفع للهواء سيوفها(5).

***

في الترجمات الإسبانية للشعر العربي قبل لوركا

إن تشبيه السيف بالنهر، أو النهر بالسيف، شائع في الكثير من النصوص العربية، وبعض هذه النصوص تمت ترجمتها إلى الإسبانية أو إلى اللغات الأوربية قبل أن يكتب لوركا قصيدته، ومن جملة ما عثرنا عليه من ترجمات لنصوص عربية تـُرجمت إلى اللغة الإسبانية ما يلي:

1

قال الشاعر ابن حمديس:

وضراغمٌ سكنت عرين رئاسة    

                         تركـت خـريـر الماء فيه زئيرا

فكأنما سـلـّت سُـيـوفَ جداول

                         ذابـت بـلا نار فـعُـدن غـديـرا(6)

وفكرة ابن حمديس واضحة، وهي تشبيه جداول المياه بالسيوف، وهو التشبيه الشائع في الأدب العربي، وهو نفسه أيضًا الذي استعمله غارثيا لوركا.

في عام 1859، ترجم قصيدة ابن حمديس هذه المستشرق فرانثيسكو خابيير سيمونيت إلى الإسبانية:

Los leones que reposan magestuosamete (sic) en esta regia morada, dejan resonar, en vez de rugidos, el murmullo del agua que se derrama de sus bocas.

***

Mas al ver que es agua lo que sale de sus bocas, se dirá que vomitan espadas, que, derritiéndose, aunque sin fuego, se llegan a confundir con el cristal del estanque) 7).

 

هنا نلاحظ إن معنى الترجمة الإسبانية هو أن الماء الخارج من أفواه الأسود يشبه السيوف، ويذكر بكل وضوح الكلمة الإسبانية: agua  وتعني ماء، ثم يذكر espada  وتعني سيف.

في عام 1868، قام الأديب الإسباني خوان باليرا بترجمة قصيدة ابن حمديس، مرة ثانية، إلى اللغة الإسبانية، ليس من النص العربي وإنما من خلال ترجمة المانية:

"Nunca leones tuvieron

Tan esplendente guarida:

Cual si rugiesen, murmuran

Con el agua cristalina.

                        ***

Y cual espadas candentes,

Que de la fragua retiras,

Con el sol fulgura el agua

Que por las fauces vomitan(8).

وفي ترجمة باليرا هذه أيضًا تظهر بكل وضوح فكرة (المياه) كأنها (سيوف).

وترجمة خوان باليرا، السابقة الذكر، مأخوذة عن ترجمة المستشرق شاخت الألمانية لقصيدة ابن حمديس، عام 1865:

Ein Lager hatten Löwen nie von solcher Glanzesfülle;

Das Wasser, das sie speien, rauscht, als wär' es ihr Gebrülle.

***

Für Schwerter, aber ungestählt in einer Esse Gluthen,

Hältst du die Wasserstrahlen, die aus ihren Rachen fluten. (9).

وفي ترجمة شاخت أيضًا تظهر فكرة المياه المشابهة للسيوف بكل وضوح، فالكلمة الألمانية:  Schwerter  تعني المياه ، ونرى أيضًا كلمة Wasserstrahlen  وتعني السيوف.

2

يمكن إضافة  مقطوعة الشاعر أبي بكر يوسف بن أبي القاسم عبدالصمد الذي يشبه الجدول بصفح مهند:

والجدول الفضي يضحك ماؤه

                  فكأنـّه في العـيـن صـفـح مـُهـنـّد(10)

ترجم هذا البيت المستشرق سيمونيت، عام 1859، إلى اللغة الإسبانية:

"La riega un canal de ondas plateadas y risueñas, que deslumbra la vista como la hoja de una espada"(11).

في ترجمة سيمونيت لمقطوعة الشاعر عبدالصمد إلى اللغة الإسبانية يمكن تمييز كلمةcanal    وتعني بالعربية الجدول، وكذلك  espada وتعني سيف، أي إن الترجمة الإسبانية ذكرت أن الجدول يشبه السيف، وهو ما أراد قوله الشاعر العربي. 

وكان المستشرق جون هومبيرت قد ترجم قصيدة عبد الصمد هذه، عام 1819، إلى الفرنسية:

Là coule un ruisseau argenté, dont les eaux limpides paraissent sourire, et dont le reflet éblouit comme le tranchant poli d´une épée”)12).

وترجم هومبيرت أيضًا مقطوعة عبدالصمد هذه إلى اللاتينية:

Et est canalis argenteus; ridet aqua ejus ; et elle in oculo sicut ensis perpolitus)13).

3

في عام 1859، تحدث المستشرق فرانثيسكو خابيير سيمونيت في موضوعه حول الأدب العربي في صحيفة "أمريكا" La América  وفيه تعرض لمسألة التشبيهات في الأدب العربي وذكر أمثلة عديدة، ومن جملتها، تشبيه النهر بالسيف، يقول:

"إن صور الأنهر والقنوات التي تسقي الحقول، وكذلك العيون التي تنبع عند نخيل البحيرات أو عند الصخور قرب الأماكن البرية، كل هذه الصور استعملها أبناء الصحراء بشكل متميـّز. وقد صوّر الشعراء العرب سطح النهر الزجاجي كأنه صفحة السيف الصقيل"(14).

ترجمات أخرى إلى لغات أخرى:

هناك قصائد أخرى تتضمن هذا التشبيه كانت قد تـُرجمت إلى لغات أوروبية، كاللاتينية والفرنسية والألمانية، ها هنا أمثلة أخرى:

1

يقول الشاعر ابن اللبانة في مدح المعتز بالله، ابن المعتمد ملك إشبيلية، واصفًا قصر الشراجيب، بمدينة شِلب، في البرتغال الحالية:

وما عـلـم المعتـز بالله إنني بحضـرته في جـنـّة شقها النهـر

وما هو نهر أعشب النبت حوله ولكنه سيف حمائله خضر(15)

في عام 1846، ترجم المستشرق رينهارت دوزي قصيدة ابن اللبانة إلى اللاتينية:

"Nescitne al-Mo:tazz bi-'l- láh, me, in ipsius regiâ sede versantem, esse in horto quem permeat fluvius?

Non autem est fluvius circum quem plantae pubulum viride producunt, sed est ensis cui viridis est balteus"(16).

2

يقول الشاعر الأندلسي المعتمد:

ولربما  سلـَّت  لنا  من  مائها     

                      سـيفًا، وكان عن النواظِر مُغـْمَدَا

طبَعته  لـُجـِّيـّاً فذابت صفحةٌ

                     منه،  ولو جـَمـُدت  لكان  مهنـَّدا(17)

            في عام 1852، ترجم القصيدة المستشرق دوزي إلى اللاتينية:

"Saepe ella nobis gladium strinxit, ex suâ aquá ausum, qui antea in vaginá erat reconditus, ita at oculi cum non viderent;

Cuderunt illum loci ubi equae fluxae cohibetur, et ex aquâ gladium formarunt qui ex Indico ferro factus gladius foret, si congelatus esset"(18).

3

يقول أبو القاسم عبدالصمد بن فضالة الصفار يصف حديقة:

لا تصحبِ الدُّنيا كئيبًا مكمدا

                  مَنْ ذا رأيت من البريّة خالدا؟

                  ***

والماء يـجري في الرّياض كأنّه

              سيف صـقـيـل في قـراب جردا(19)

ترجم المقطوعة إلى الألمانية المستشرق جوزيف فون هامر، عام 1854:

Nimm dir nicht zu Herzen Weltengram!

Wer ist´s, für stets auf Erden kam?         

***  

Und das Wasser durch die Fluren fährt,

Wie ein blankes, ausgezog`nes Schwert“(20)

4

يقول شاعر عربي:

أما ترى البـركة الغـرّاء  قد كسـيـت

                                     نورًا من الشمس في حافاتها  طلعا

والنـّهـْـر من فـوقـه  يـلهـيـك مـنـظره

                                     شـهـب سـماويـة فـارتـج والـتـمـعـا

كأنه  السـيف   مصــقـــولاً   يـقـلــبـه

                                    كف الكمي إلى ضرب الكماة سعى(21)

ترجم القصيدة إلى الفرنسية المستشرق رات، عام 1902:

Ne vois-tu point ce magnifique étang sur toute l´étendue duquel miroite la lumière du soleil et se reflètent ses rayons?

 La surface de ses eaux t'offre un spectacle ravissant; c'est l'image des étoiles du firmament. (Sous le souffle de la brise), il ondule et (dans ses mouvements oscillatoires) il resplendit d'un vif éclat

Tel un glaive, á la lame flamboyante, que brandit dans sa main, le Valeureux guerrier en s'élançant pour combattre les braves”(22).

 خاتمة

إن فكرة تشبيه النهر أو الماء بالسيف غير موجودة في الأدب الإسباني قبل لوركا، وقد استعملها الشاعر الغرناطي في شعره كما رأينا في المثالين السابق ذكرهما. لاشك إننا لا نملك أي دليل على أن لوركا قد اقتبس هذه الفكرة من الأدب العربي، بل من المحتمل إنه اخترعها، وهو الشاعر المعروف باختراعه للتشبيهات والصور، فقد يكون ذلك التشابه بين ما كتبه لوركا والأدب العربي قد حدث صدفة، وهو ما عبر عنه النقاد العرب القدماء بـ "وقع الحافر على الحافر".  ولكن نرجح أن يكون لوركا قد اطلع على ترجمة المستشرق سيمونيت إلى اللغة الإسبانية، ذلك أن لوركا كان مهتمًا بمتابعة ترجمات الشعر العربي، كما إنه أعلن صراحة إنه معجب بما كتبه الشعراء العرب، وكان يهتم بالتقاط الأفكار الغريبة، من أية ثقافة كانت، ومنها تشبيه الماء بالسيف.


عدد القراء: 24

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-