وظائف وأدوار المثقف عند الفيلسوف السويسري جان زيغلرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-10-12 02:24:04

د. متعب القرني

مترجم وأكاديمي، جامعة الملك خالد - السعودية

"إنَّا كمثقفين نُؤلف كتبًا، ونُدرّس في الجامعات، ونُسهم بأفكارنا في الحراك العام، ولكن، في النهاية، ما الفائدة من وجودنا؟ وما هو مستقبلنا القريب والعملي كمثقفين؟" هذه تساؤلات حائرة  اندلقت على لسان الفيلسوف السويسري جان زيغلر (1934 -) أثناء حواره مع إذاعة فرانسس كولتور في أواخر عام 1994م، متسائلاً عن هذا المثقف الذي بات بلا قيمةٍ ووجود، وحفت المخاطر مستقبله وقللت من فرصه وحظوظه كمكوّن اجتماعي هام. جاءت هذه التساؤلات محمّلة بروحٍ من اليأس والاحباط دفعت زيغلر لأن يتعهد بنُصح ابنه ويقول "اسمع يا بُني: افعل ما شئت ولكن حذارِ من أن تختار مهنة المثقف، لأنه أصبح اليوم بلا وظيفة!".

كعالم اجتماع سويسري قضى حياته مُدرِّسًا بين جامعة جنيف السويسرية وجامعة السوربون الفرنسية، يرى زيغلر بأن الأفكار التي يُنتجها المثقف، والرموز والكلمات التي يُضمِّنها في كتبه ومؤلفاته لا يمكن أن تحمل قيمةً في الوسط الثقافي الاجتماعي ما لم تجد حركات اجتماعية تعتنقها وتُخرجها من مرحلة التعليق والتنظير دخولاً في مرحلة التطبيق والتنفيذ. "فالأفكار تتطلب التجسيد لكي تدخل حيز الوجود، ولكي تُصبح قادرة على تغيير الواقع. باختصار، إنها تحتاج لحركات اجتماعية، وأشدد على ذلك. لأن الحركات الاجتماعية هي وحدها القادرة على تحويل الأفكار إلى قوى مادية أو قوى قادرة على تغيير مجرى الواقع والتاريخ. أما حين لا يكون ثمة حركات اجتماعية فما الذي سيُجسّد أفكارنا؟!". هذا التجسيد للأفكار هو ما يصفه زيغلر بـ "مسألة الفعالية"، وهي مسألة جوهرية في العلاقة بين المجتمع والمثقف، إذ أنها "مسألة تجسيد الفعل الذي يمكن للمثقفين ممارسته - بالكلام - على المجتمع وعلى مختلف المعارف".

في ضوء "مسألة الفعالية"، يرى زيغلر أن ثمة ما يحول بين المثقف وهذه الحركات الاجتماعية، وعلى رأسها الثورة الاتصالية والتلفزيونية التي اجتاحت الأقطار وقضت على الأفكار. "فبرامج الواقع، والصخب الإعلامي المتواصل، والتغطيات الإخبارية المُتلَفزة التي تستهدف الأُسر، والنشرات المُجزأة والمفتقرة لأي تحليل ثقافي جامع، هي بالتحديد ما يَحُول بين المثقف والمجتمع وهي ما يَحُول دون قيام حراك عقلاني يُسهم في إنتاج وعي جماعي بالواقع". فمع انتشار أصوات التافهين والسطحيين عبر القنوات التلفزيونية والاتصالية، يُصبح المتلقي في غنى عن المثقفين الأُصَلاء، فيتفاجأ المثقف بنفسه "مستبعدًا قد طواه النسيان". وهذا الأمر لم يكن مشهودًا في الفترة السابقة لهذا العصر الاتصالي المتصاعد، فلقد كان المثقف الأول مهيمنًا ومسيطرًا على وسائل الإعلام منذ انطلاقتها، وكان حضوره ملحوظًا ومُعتبرًا. أما مثقفي اليوم فلستُ أدري - هكذا يتساءل زيغلر - "هل سيكون قَدَرنا ومصيرنا أن نُحنَّط في المتاحف ونكون عبرة في تاريخ البشر؟!".

يلحظ زيغلر في قراءته لهذه الأوضاع والأزمات بأن المثقف يمتاز بعاملين ربما يُمكّناه من لعب دوره الاجتماعي باقتدار، وينبغي عليه استغلال هذين العاملين لإنتاج المعنى للمجتمع، وهما: (1) حرية المثقف و(2) إعالة المجتمع للمثقف. أما على مستوى الحرية، فيؤكد زيغلر بأن "مكانة المثقفين الاجتماعية تمتاز بالاحترام والتقدير. وأكثر ما يُميزها الحرية، فنحن - كمثقفين - نُزاول التدريس الجامعي وننشر المؤلفات ويُخضعها الجمهور للنقد مدحًا أو قدحًا. وهذا الامتياز، امتياز الحرية، قليلٌ من الناس على هذه الأرض من يمتاز به. فانظر مثلاً لجامعي قصب السكر في برنامبوك أو المنقبين عن الألماس في بياو، جميعهم لا يمتلكون حرية القول". هذه الحرية - في نظر زيغلر - هي التي تُحتِّم على المثقف أن يُسيطر على عدّته وأدواته في النقد والتحليل والجدال، وهي ما يزيد من مسؤولياته ووظائفه وتدفعه للانضباط والالتزام.

أما العامل الثاني فيَكمن في إعالة المجتمع للمثقف، وهو أمرٌ مُستغرب عند زيغلر. "أكثر ما يُذهلني هو ظفر المثقفين بامتيازاتٍ باهرة غير قابلة للتفسير والتصديق، ولا أظن بأننا نستحقها بدءًا، إذ يندفع المجتمع لإعالتنا كمثقفين لكي نتفرغ للتفكير؛ بينما نجد الآخرين يُنتجون ويقدمون الكثير من الخيرات والخدمات". فالمثقف يجد من يدفع أجره ويوفر له إمكانية الكتابة بحرية. وهذان العاملان هما من يُطيل عمر المثقف ويشجعه ليصمد في دوره بدلاً من أن يتقاعس ويقول "اسمعوا، الآن سأنسحب من المعركة، لأن العالم أصبح صعب القراءة، واندثرت الحركات التي أنتمي إليها كمثقف عضوي".

من هذا المنطلق وحتى تتحقق هذه الفعالية الثقافية، يؤكد زيغلر بأنَّ على المثقف ألا يهتم وينشغل بالفوارق بين المثقف كعالم والمثقف ككاتب فـ "الانشغال بمثل هذا التمييز الفئوي لا يبدو واقعيًا بالإطلاق" وذلك "لأن صفة العالم تشتمل على صفة الكاتب أصلاً". فعلى المثقف ككاتب أن يهتم أولاً بأسلوبه وتحسين كتبه ومؤلفاته، إذ لا يكون الكتاب كتابًا إلا "بروعة أسلوبه والمنطق المتماسك الذي تنسدل من خلاله أفكاره. فالكتاب يعتمد على طريقة التلقي الذي يحظى به الآخر في وعيه، يُضاف إلى ذلك أسلوب الكاتب الرائع. فمن يحظى بأسلوبٍ جميل، وقدرة على التعبير عن المعنى، تصبح الأفكار لديه أسرع وصولاً إلى وعي المتلقي وبأيسر الطرق".

هذه العوامل التي يمنحها المجتمع للمثقف من حريةٍ وإعالة، وهذه المكونات التي يمتاز بها المثقف من أسلوبٍ وكتابة، هي ما ينبغي أن تجعل المثقف يؤمن بأهمية دوره ووظيفته ولا يستسلم. وهي التي تبعث على الاطمئنان عند زيغلر ليؤكد بـ"أن وجودنا كمثقفين أمرٌ لا بد منه، وأقول ذلك بشيءٍ من الفخر والتباهي". وهذه القيمة الوجودية تستمد قيمتها من كون "إنتاج المعنى" هي المهمة والوظيفة المناطة بالمثقفين دون غيرهم، وعلى ذلك يتاقضون أجورهم؛ بل "أن المثقفين لا يُنتجون المعنى فحسب، إنهم يخلقون الشروط الموضوعية لإنتاج المعنى". انتاج المعنى عند زيغلر يَتلخَّص في قدرة المثقف على مساعدة المجتمع على العيش وفق منظومة من المعاني والغايات، حتى يجد أفراد المجتمع المبررات والمسوغات التي تعينهم على فهم العالم، والغاية من وجودهم، والحاجة من استمرارهم في البقاء والحياة. فرغم هذا الصخب الإعلامي الذي يُصدِّر كميات هائلة من المعاني والغايات الخاطئة في نفوس المشاهدين، إلا أن "وظيفتنا الاجتماعية بصفتنا منتجين للمعاني تبقى ضرورة قصوى في جميع المجتمعات الإنسانية"، ولكن المسؤولية الهامة التي ينبغي الاضطلاع بها هي "أن نباشر كمثقفين في البحث عن أدوات ووسائل جديدة لإنتاج المعنى، وقد يتطلب ذلك بعض التحالفات مع طبقات اجتماعية أخرى تساعدنا على استعادة دورنا وقدرتنا على إسماع المجتمع أصواتنا".

لم يُبين زيغلر ويستطرد عن مقصده بالطبقات الاجتماعية الأخرى التي يطالب المثقف بالتحالف معها، ولكن يمكن الزعم بأن زيغلر لا يستبعد أن تكون هذه الطبقات سياسية الطابع والمرجع، ما يُطفو بأزمة العلاقة بين المثقف والسلطة إلى السطح. فزيغلر نفسه عاش حياة المثقف المتواطئ مع السلطة، وقد تكون هذه العلاقات المشبوهة مع السلطات هي سبب نقده الشديد للمثقفين وبُرمه بمسؤولياتهم وخياراتهم. فعلى سبيل التمثيل، حين أعلن الرئيس السابق معمر القذافي (1942-2011) جائزة القذافي لحقوق الإنسان وذلك في جنيف عام 1989م وسلم رعاية الجائزة بيد مؤسسة سويسرية مستقلة، كانت الأنظار موجهة إلى زيغلر باعتباره أحد الذين انضموا للجنة الاستشارية وتحكموا في خيارات الجائزة، وقد تعهد زيغلر حينها للقذافي بأن "تأثير طرابلس على اختيارات الجائزة لن يُشعر به إعلاميًا"، فكانت الجائزة الأولى من نصيب نيلسون مانديلا (1918-2013). لم تخمد هذه الانتقادات لزيغلر طويلاً حتى أعلنت وسائل الإعلام فوز زيغلر نفسه بجائزة القذافي عام 2002م، الأمر الذي أوقعه في حرج كبير فاندفع لرفض الجائزة تأكيدًا على استقلاليته كمثقف وكذلك كوكيل لرئيس اللجنة الاستشارية بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ما يجعل قبوله بأي جائزة من أي دولة غير مُسوَّغ أمميًا.

كان الكاتب بصحيفة الغارديان آلان جونسون (-1950) من أوائل من أشار إلى علاقة زيغلر بالسلطة والإرهاب، وذلك على خلفية ارتباطه بالقذافي وجائزته، خصوصًا وأن إعلان جائزة القذافي جاءت بعد 4 أشهر من قضية لوكربي الجنائية، والتي شهدت سقوط طائرة ركاب أمريكية أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي الاسكتلندية عام 1988م، وكان المتهمون فيها من الرعايا الليبيين. كما انتقد نفس الكاتب اختيار الأمم المتحدة لزيغلر ليشغل منصب حقوق الإنسان، في حين أن زيغلر لا يعرف معنى حقوق الإنسان بدءًا إذ كان من المحتفين بالفائزين بجائزة القذافي من أمثال الرئيس الكوبي فيدل كاسترو (1926-2016) ولويس فراخان (1933 -) رئيس التنظيم السياسي الديني (أمة الإسلام) بالإضافة إلى المتنكر لمجزرة الهولوكوست الفيلسوف الفرنسي روجر جارودي (1913-2012) والذي قاسمه زيغلر الجائزة نفسها رغم مطالبات زيغلر بتعويضات لضحايا الهولوكست على النقيض من مواقف جارودي المتنكرة.

علاقة المثقف بالسلطة وبحقوق الإنسان ازدادت وضوحًا في زيغلر بعد عمله كمستشار للديكتاتور الإثيوبي مينغستو مريام (1937 -) ومعاونته على كتابة دستوره أحادي الحزب، وبعد مديح زيغلر للديكتاتور الزيمبابوي روبرت موغابي (1924 -) باعتباره ذا "تاريخ أخلاقي"، فضلاً عن زياراته المتعددة لطغاة العالم من أمثال صدام حسين (1937-2006) وكيم إل سونغ (1912-1994). وما يزيد الطين بلة، تبرير زيغلر وتبرئته لبعض المنظمات الإرهابية الشهيرة كمنظمة (حزب الله)، إذ صرح عام 2006م قائلاً "أرفض أن أصف حركة (حزب الله) بالمنظمة الإرهابية. إنها حركة مقاومة قومية. وأتفهم اختطاف الجنود!". هذا التاريخ المظلم لزيغلر قد يكون هو الذي جعله يطرح سؤاله المُحبَط بدايةً "ما الفائدة من وجود المثقفين؟!"، وربما هو ذاته الذي جعله ينصح ابنه لترك العمل كمثقف كون المثقف أصبح - في رأيه - بلا وظيفة!


عدد القراء: 841

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-