نحن وحضارة الما بعدالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 02:48:12

أ.د. السيد نصر الدين السيد

أستاذ إدارة المعرفة، جامعة كونكوريا – مونتريال – كندا

اليوم، وقد أوشك ثلث القرن الواحد والعشرين على الاكتمال، نجد أنفسنا نعيش في مجتمع بالغ التعقيد تنوعت منتجاته وتسارعت إيقاعات أحداثه وتشابكت مصالحه على نحو غير مسبوق إنه مجتمع حضارة الما بعد (حضارة الألف الثالثة). ولم يكن هذا المجتمع إلا نتيجة منطقية لأعمال إنسان القرن العشرين. وهي الأعمال التي يمكن تصنيفها في ثلاثة مجموعات رئيسية هي: اكتشافات الإنسان في "العالم الطبيعي" بظواهره المختلفة وبما يحتويه من مادة جامدة وحية، ومن إنجازاته في "العالم المصنوع" التي أسفرت عن تكنولوجيات غير مسبوقة في وظائفها وفى طبيعة ما تتعامل معه من مواد، وأخيرًا من فتوحاته في "العالم المعقول" التي راجعت رؤى ومفاهيم كانت قد استقرت وأوشكت أن تصبح من المسلمات.

اكتشافات العالم الطبيعي

شهد الثلث الأول من القرن العشرين "حركة كشوف كونية" ماثلت في أثارها ما أحدثته "حركة الكشوف الجغرافية" في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ولئن كانت الأخيرة قد وسعت من مدارك الإنسان عن الكوكب الذي يقطنه وعما يوجد على سطحه من مخلوقات، فإن الأولى قد فعلت الشيء نفسه في العالم الطبيعي فراحت تكتشف الكونين: "الكون الأصغر" Microcosms، بما يحتويه من ذرات وجسيمات أولية، و"الكون الأكبر" Macrocosms، بما يضمه من مجرات ومجموعات نجمية وكان ميلاد الفيزياء الحديثة.

وقد توالت اكتشافات الإنسان في الثلث الثاني من القرن العشرين فامتدت إلى عالم المادة الحية لتنجح في فك شفرة الحياة باكتشاف بنية لبنتها الأساسية، جزئ الـ "دنا" DNA. وولد علم البيولوجيا الجزيئية Molecular Biology ليحدث ثورة في مفاهيم الإنسان عن المادة الحية شبيهة بتلك التي فعلها علم الفيزياء الحديثة في عالم المادة غير الحية.

أما الثلث الأخير فقد حملت لنا بداياته أنباء اكتشاف خاصية "الانتظام الذاتي" Self- organization التي تتمتع بها العديد من المنظومات المادية والمنظومات الحية. وتمتع منظومة بهذه الخاصية يعني قدرتها على تخليق الانتظام من الفوضى دون أي تدخل من جهة خارجية.

انجازات العالم المصنوع

ولم يتخلف "العالم المصنوع"، عالم الأشياء المصنعة، عن الركب فلقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين ثلاث ثورات تكنولوجية تركت أثارهما الجذرية على المجتمع الإنساني.

والثورة التكنولوجية الأولى هي ثورة "تكنولوجيا المعلومات" Information Technology، أو "الثورة الرقمية" Digital، أقدم الثورات نشأة وأسرعها تطورًا وأكثرها تغلغلاً وتأثيرًا في حياة الإنسان. وقد شهدت هذه الثورة مرحلتان فارقتان في تاريخ تطورها. المرحلة الأولى هي مرحلة الـ "رقمنه" Digitization أو تمثيل أي شيء يقابله الإنسان في الواقع الفعلي ويهتم به على هيئة رقمية. وهي الهيئة التي يمكن اختزانها في ذاكرة "الكومبيوتر". وهكذا أنشأت تكنولوجيا المعلومات من خلال آلتها المحورية، الكومبيوتر، "واقعًا رقميًا" موازيًا للواقع الفعلي الذي يعيش فيه الإنسان. وكانت المرحلة الثانية لثورة تكنولوجيا المعلومات هي مرحلة دعم "التواصل" الإنساني التي تحققت بدمج كلا من تكنولوجيات الكمبيوتر مع تكنولوجيات الاتصالات في منظومة واحدة هي منظومة "تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ت م إ)". وهي المنظومة التي مكنت بني البشر من التواصل مع بعضهم البعض أيًا كان مكانهم على سطح الكرة الأرضية وأيًا كانت فروق التوقيت التي تفصل بينهم. وهكذا قلصت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجغرافيا إلى نقطة وحولت فضاءها الفيزيائي إلى "فضاء ذهني" تترابط أنحاؤه إلكترونيًا وتنعدم فيه المسافات.

أما الثورة التكنولوجية الثانية فهي ثورة "التكنولوجيا الحيوية" Biotechnology، التي كانت إحدى نتائج اكتشاف تركيب جزئ الـ "دنا" DNA، فقد مكنت الإنسان من تغيير الصفات الوراثية للمادة الحية الموجودة على كوكب الأرض بشتى صورها بدءًا من النبات وانتهاءً بالإنسان نفسه. 

وأخيرًا نأتي إلى الثورة الثالثة أحدث الثورات التكنولوجية نشأة ثورة "التكنولوجيا النانووية" Nanotechnology التي مازالت في مرحلتها الجنينية مرحلة البحوث والتطوير. وإذا كان الهدف الرئيسي للتكنولوجيا الحيوية هو "تغيير" المكونات الأساسية للمادة الحية المتمثلة في جزيئات الحمض الوراثي، أو جزئ الـ "دنا"، فإن هدف التكنولوجيا النانووية هو "تغيير" المكونات الأساسية للمادة غير الحية، الذرات والجزيئات، واستخدامها في بناء آلات متناهية الصغر. والموضوع الأساسي للتكنولوجيا النانووية هو كيفية التحكم في المادة غير الحية على مستوى الذرات والجزيئات، أي في نطاق تتراوح أبعاده ما بين 1 و100 نانومتر (*)، وبناء آلات بالغة الصغر لا يتجاوز حجمها هذه الأبعاد.

فتوحات العالم المعقول

وقد شكلت كلا من اكتشافات العالم الطبيعي وإنجازات العالم المصنوع "بنية أساسية" infrastructure، مادية وذهنية، مكنت الإنسان من القيام بحركة مراجعة شاملة للمفاهيم التي ظلت تحكم نظرته لنفسه ولمجتمعه (الإنسانيات)، وتسيطر على رؤيته لما يدور في الكون الذي يعيش فيه (الطبيعيات) على مدى الثلاثة القرون الأخيرة. وقد هيأت هذه البنية الأساسية البيئة الملائمة لبدء حركة فتوحات في العالم المعقول. فعلى سبيل المثال اكتشف الإنسان سذاجة منطق أرسطو بثنائيته الشهيرة ثنائية الصواب الخالص والخطأ الخالص، فكان "المنطق الغائم" Fuzzy Logic الذي يسمح بامتزاج الخطأ والصواب عند الحكم على صحة الأمور، وتبين قصور منهج التحليل والتجزئة الذي تبناه العلم الحديث فكانت "المنظوماتية" System Approach بعموم رؤاها وكلية نظرتها إلى الأمور. ومن هذه الفتوحات العقلية وغيرها تشكل الأساس لحضارة جديدة هي "حضارة الألف الثالثة" بخصائصها الفريدة التي تميزها عمّا سبقها من حضارات. ومن أبرز هذه الخصائص طبيعة المورد الرئيسي الذي تقوم عليه هذه الحضارة وهو "المعرفة العلمية والتكنولوجية". وهو المورد الذي لا ينقص باستخدامه ويمكن انتاجه، ومن ثم تتصدر قيمة "الابداع"، في كافة المجالات، منظومة القيم الحاكمة لمجتمعات هذه الحضارة. وهي أيضًا حضارة تتقارب فيها الثقافتان، "ثقافة الطبيعيات والتقنيات" بما تقدمه من رؤى عن العالم الطبيعي والعالم المصنوع، و"ثقافة الانسانيات" بما تحتويه من رؤى الإنسان لنفسه ولمجتمعه.

وهكذا نجد أنفسنا، أفرادًا ومجتمعات، أمام تحد لا بديل عن الاستجابة لمقتضياته ﺇلا الانقراض عن "اللحاق" بهم وتضييق الفجوة بيننا وبينهم. إن قضية اللحاق بهم تتجاوز مجرد استيراد تقنية جديدة أو ترجمة كتاب أو ورقة بحثية أو تبنى مدرسة نقدية أو التعرف على اتجاه فني أو الانقياد لنهج فكري، تتجاوز هذا كله إلى ضرورة فهم معنى ومغزى المنتج الحضاري أو الثقافي أيًا كان شكله، ماديًا كان أم معنويًا، في سياق اللحظة التاريخية والظروف المجتمعية التي أنتجته. وهذا الفهم هو شرط الاستيعاب الخلاق الذي يؤدى بدوره إلى القدرة على التكيف ويدفع بالمجتمع الذي يستورده إلى تجاوز مرحلة الاستهلاك والتبعية إلى مرحلة الابداع الأصيل والإسهام الفعال في تطور المجتمع البشري ككل. وبهذا تصبح قضية الوعي بالمضمون الثقافي لمنتجات تلك الحضارة والتبصير به فرض عين لا فرض كفاية على مفكري أي مجتمع ومثقفيه ﺇن أرادوا له البقاء في العالم الجديد.

 

الهوامش:

(*) الـ "نانو"، أو "النانو متر" Nanometer هو وحدة لقياس الأطوال قدرها واحد على البليون من المتر. والنانو بالمقارنة مع المتر يماثل حجم بلاطة بالمقارنة مع حجم الكرة الأرضية.


عدد القراء: 1333

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-