الجزيرة العربية في كتابات الرحالة والجغرافيين أسماء جبال تِهَامَة وقراها وسكانها.. عرّام بن الأصبغ السّلمىّ (ت 275هـ/888 م)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 05:26:59

د. أنور محمود زناتي

جامعة عين شمس- مصر

أولًا: ترجمة المؤلف:          

رغم أن ظاهر هذا الكتاب أنه خاص بجبال تِهَامَة وسكانها وما يتعلق بها فإن الواقع يشمل الكلام على تِهَامَة والحِجَاز، ويُعد كتاب أسماء جبال تِهَامَة وقراها وسكانها لعرّام بن الأصبغ السّلمىّ من أقدم الكتب التي وصلتنا، وتناولت شبه الجَزِيْرَة العَرَبيَّة من خلال المشاهدات والتدوين، وقد سكتت الكثير من المصادر عن ذكر السيرة الذاتية لعرّام بن الأصبغ السّلمىّ الذي عاش في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وتوفي عام 275هـ/888م. وهو أعرابي، نسبه في بني سُليم من أهل الحِجَاز، كان خبيرًا في مواضع بلاد العَرَب. ألف كتاب أسماء جبال تِهَامَة وجبال مَكَّة والمَدِيْنَة(i).

ولم نعثر لعرام على ترجمة في المصادر إلا ما ذكره ابن النديم عرضًا عند سرده لأسماء الأعراب الذين دخلوا الحاضرة فذكره قرينًا لأبي الهيثم الأعرابي، وأبي المجيب الربعي، وأبي الجراح العقيلي، وقد أورد اسمه كاملًا: "عرام بن الأصبع السلمي"(1). ويبدو أنه كان أحد أعراب بني سليم ممن كانوا يطوفون بالبلدان ويتعرفون مسالكها فيكتسبون بذلك خبرة صادقة. واشتقاق "عرام" من العرامة بمعنى: الشدة والقوة والفراسة. و"الأصبع": اسم أبيه مأخوذ من الأصبع وهو الخيل ما ابيضت ناصيته كلها ومن الطير ما أبيض ذنبه(2).

وورد في "الأعلام" لخير الدين الزركلي عن: عرام بن الأصبغ السلمي أنه: "ثقة في معرفة تِهَامَة وقراها وسكانها وأشجارها ومياهها، كان أعرابيًا من بني سليم، تنقل في جهات تِهَامَة ووضع كتابًا سماه -كتاب جبال تِهَامَة وسكانها وما فيها من القرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه"(3).

ويتناول المستعرب الروسي كراتشكوفسكي في كتابه: "تاريخ الأدب الجغرافي عند العَرَب": إن عرامًا من العلماء اللغويين، شخصية طريفة، أميّ، لما أبصر إقبال الناس على معرفة الأماكن وجغرافيتها أملى في سن الشيخوخة، بعد عام 231هـ/845م، معتمدًا في ذلك على ترحاله ومعرفته الجيدة بمواضع العَرَب، وقد نال مصنفه انتشارًا وصيتًا واسعين، ورواه علماء مختلفون من بينهم السيرافي (ت 368هـ/ 979م)، والتحليل الذي قامت به -إلزا رايتمير Else Reitemeyer - أثبت أن مصنف هذا الأعرابي كان يشمل مادة تخرج عن نطاق عنوانه، فهو لم يقتصر على ذكر الجبال بل ذكر أيضًا المياه والنباتات الموجودة بها"(4).

ثانيًا: عرض الكتاب وتقييمه:

كما سبق وذكرنا أنه على الرغم من أن ظاهر هذا الكتاب أنه خاص بجبال تِهَامَة وسكانها وما يتعلق بها فإن الواقع يشمل الكلام على تِهَامَة والحِجَاز؛ فنحن نجد أن ما يخص تِهَامَة ينتهي عندما يقرب من ثلاثة أخماس الكتاب؛ ثم نجد فصلًا معقودًا لحد الحِجَاز يتناول كثيرًا من البلدان والقرى والجبال والمواقع الحِجَازية المجاورة للمدينة. وهي وإن كان ذكرها جاء تبعًا لذكر تِهَامَة لملاصقتها لها فإنها ظفرت بنصيب وافر من عناية عرام واحتلت مكانًا أصيلًا من الكتاب، وأنت حينما تنتهي إلى خاتمة الكتاب تلقى هذا النص: "تم كتاب أسماء جبال مَكَّة والمَدِيْنَة وما يتصل بها"، وقد يوحي هذا النص بأنهما كتابان أحدهما لتِهَامَة والآخر لمَكَّة والمَدِيْنَة وليس الأمر إلا ما ذكرت من استطراد "عرام" فكلمة كتاب لا تعني إلا ما كتبه في هذه الناحية فالأقدمين لم يذكروا لعرام إلا هذا الكتاب "كتاب أسماء جبال تِهَامَة" وعنه ينقل الناقلون والمؤلفون(5).

مدلول تِهَامَة

يشرح محمد صالح شناوي(6) محقق الكتاب مدلول تِهَامَة، فيقــــول: "تِهَامَة" كلمة يختلف مدلولها اختلافًا شديدًا فهي تمتد طولًا ما بين عَدَن إلى تخوم الشَّام مسايرة شاطئ البحر، وهي تنكمش أحيانًا من الشمال أو من الجنوب، ويختلف علماء البلدان الأقدمون في ذلك، ولعل أصدق دليل على هذا ما ذكره عرام في صدر كتابه هذا إن أول جبال تِهَامَة هو: رضوى وهو من ينبع على يوم. ويبدو إن ذلك الانبساط والانكماش جاء من مختلف العصور نتيجة للسلطان السياسي أو القبلي الذي كان يسود تلك المنطقة أو يتقلص عنها.

ويضيف محقق الكتاب قائلًا(7): على أن اللغة تعيننا عونًا تامًا في هذه القضية إذْ أن اشتقاق تِهَامَة من "التهم" وهو تغير الريح وركودها وشدة الحر. فالامتداد الساحلي من جنوب اليَمَن إلى تخوم الشَّام هو الذي تصدق عليه هذه التسمية. وإن الراجع إلى أقوال العلماء ليفهم أن تقسيم الجَزِيْرَة العَرَبيَّة يخضع إلى حد ما للحجاز وهو الجبل الممتد الذي حجز بين شطرين جغرافيين متباينين من الجَزِيْرَة أحدهما مرتفع وهو نجد والآخر منخفض عنه غائر وهو غور تِهَامَة وسراة هذا الجبل أي أعاليه هي ما يسمى بالسراة ممتدة ما بين أقصى اليَمَن وأدنى الشَّام.

فالطبيعة الجغرافية جعلت تِهَامَة هي الغور الضيق الذي يساير بحر القُلْزُم ضاربًا من الجانب الغربي لشبه جَزِيْرَة طور سينا إلى أقصى الجنوب من بلاد اليَمَن، ويختلف عرضها اختلافًا كبيرًا فهي بين الطُّوْر والسويس جزء ضيق من الساحل وأوسع موضع في تِهَامَة هو ساحل جدة وهناك تِهَامَة اليَمَن وتِهَامَة الحِجَاز(8).

وكانت تِهَامَة اليَمَن في بعض العهود ولاية قائمة بذاتها لا سيما في عهد الفتح الفَارِسي لليمن في نهاية القرن السادس الميلادي ثم ولي تِهَامَة هذه من بعد بنو زياد، وكانت حاضرتها "زبيد"، ثم أصبحت ولاية خاضعة لأئمة صَنْعَاء(9).

وهناك تِهَامَة أخرى في غير الجَزِيْرَة العَرَبيَّة وهي على الشاطئ الغربي للبحر وهي: "تِهَامَة الحبشة" ذكرها ابن خرداذبة(10) وهو يعني بذلك ما يعرف اليوم بساحل أريتريا. أما تِهَامَة التي يعنيها عرام في كتابه هذا فهي "تِهَامَة الحِجَاز" التي أول جبالها الشمالية "رضوى" وهي من ينبع على يوم ومن المَدِيْنَة على سبع مراحل، وحدها الجنوبي الطّائف(11).

ويشرح العلامة الشيخ حمد الجاسر قصة اكتشاف مخطوطة هذا الكتاب النادر: "فإن الشيخ إبراهيم الخربوطلي مدير مكتبة شيخ الإسلام -عارف حكمت بالمَدِيْنَة- لما زار الْهِنْد عام 1357هـ/1955م رأى العلامة المحقق الشيخ عبدالعزيز الميمني يقوم بنسخ الكتاب، فنسخ هو نسخة منه وجاء بها إلى الحِجَاز، ولما نزل بجدة في ضيافة السري المفضال محمد حسين نصيف أطلعه على النسخة فاستنسخها الشيخ نصيف وأطلع عليها كثيرًا من المعنيين بالعلم، وكان ممن نسخها الشيخ سليمان الصنيع وحاول نشرها في القاهرة، وقد نشر الميمني الكتاب في لاهور ببــاكستان، وأرسل الشيخ نصــــيف الكتاب إلى عبدالسلام هارون لتحقيقه، وقد قام المحقق عبدالسـلام هارون بالمهـمة خير قيـام ورجع إلى 23 مرجعًا ووضع لها الفهارس وزينها بالكثير من الحواشي المفيدة وضبط بالشكل أسماء المواقع فجاء عمله مفيدًا نافعًا"(12).

ويبدأ عرام كتابه أسماء جبال تِهَامَة وسكانها وما فيها من القرى، وما ينبت عليها من الأشجار، وما فيها من المياه فيذكر أن رضوى أول جبال تِهَامَة وهو من المَدِيْنَة على سبع مراحل ومياسرة لطريق البَريراء(13) لمن كان مصعدًا إلى مَكَّة وعلى ليلتين من البحر، وبحذائها -عَزْوَرْ- وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة: أشارت بأن الحي قد حان منهم هبـــــوب، ولكن الموعد عَزْوَرْ وبينه وبين رضوى طريق -المُعْرِقَة(14) تختصره العَرَب إلى الشَّام وإلى مَكَّة وإلى المَدِيْنَة، بين الجبلين قدر شوط فرس، وهما جبلان شاهقان منيعان لا يرومهما أحد، نباتهما الشوحط والقرظ والرنف-من شجر الجبال- ينضم ورقه إلى قضبانه إذا جاء الليل وينتشر بالنهار، وهو يشبه الضهياء: التي تشبه العناب تأكله الإبل والغنم، مراتعه رنف فملقى سياله مدافع أوشال يدب معينها، والسيال: شجر له شوك أبيض وهو من العضاه، ويسكنهما نهد وجهينة في الوبر خاصة دون المدر، ولهم هناك يسار ظاهر. ويصب الجبلان في وادي غَيْقَةْ، وغَيْقَةْ تصب في البحر ولها مسك -تمسك الماء(15).

"ومن يمين رضوى لمن كان منحدرًا من المَدِيْنَة إلى البحر على ليلة من رضوى (ينبع) وبها منبر وهي قرية كبيرة غناء سكانها الأنصار وجهينة وليث أيضًا، وفيها

عيون عذاب وغزيرة وواديها -يَلْيَلْ- يصب في غَيْقَةْ، والصَّفراء: قرية كثيرة النخل والمزارع فوق ينبع مما يلي المَدِيْنَة وماؤها يجري إلى ينبع، وحولها جبال صغار لا أسماء لها، وفي يَلْيَلْ عين تُسمي (البُحَيْر) تخرج من جوف رمل من أعذب ما يكون من العيون"(16).

كما تحدث عن ميناء الجار المهم والذي أسهم مساهمة فعالة في نقل الجنود إلى ميناء القُلْزُم المِصْري لكي يشاركوا في فتح بلدان المغرب العَرَبي والأَنْدَلُس، وإن كانت الروايات لم تذكر شيء من هذا إلا أنه من المحتمل وجود الأمر سيما إذا علمنا بأن ارتباط ميناء الجار بموانئ مِصْر قد تم منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب(رضي الله عنه)، فكان البحر يُعد خير وسيلة وأسرع من البر للوصول إلى الدِيَار المِصْرية ثم إلى بلدان شمال إفريقيا والأَنْدَلُس(17). وقد قام ميناء الجار بدور حيوي في نقل حجاج بيت الله الحرام "فمدينة القُلْزُم" السويس حاليًا، كانت مركزًا مهمًا لتجمع الحجاج في مِصْر.

فوصف لنا عرام بن الأصبع السلمي(18) ميناء الجار بقوله: "الجار على شاطئ البحر، ترفأ إليه السفن من أرض الحبشة ومِصْر ومن البَحْرَيْن والصّيْن، وبها مسجد للجمعة، وهي قرية كبيرة آهلة، شرب أهلها من البحير، وبالجار قصور كثيرة، ونصف الجار في البحر الأحمر ونصفها على الساحل، وبحذاء الجار جَزِيْرَة في البحر تكون ميلًا في ميل، لا يعبر إليها إلا في سفن، وهي مرفأ الحبشة خاصة يقال لها (قَراَف) وسكانها تجار كنحو أهل الجار، يأتون بالماء على نحو فرسخين، ووادي يَلْيَلْ يصب في البحر".

ثم من عدوة غَيْقَةْ اليُسرى مما يلي المَدِيْنَة عن يمين المصعد إلى مَكَّة جبلان يقال لهما: ثَافِل الأكبر وثَافِل الأصغر وهما لضمرة خاصة -وضمرة بن بكر ابن عبد مناف- وهم أصحاب حِلال (استقرار) ورعية (رعي) ويسار (غنى) وبينهما وبين رضوى وعَزْوَرْ ليلتان: نباتهما العرعر والقرظ والظيّان والأيدع والبشام، ومن ثَافِل الأكبر عدة آبار في بطن واد يقال له -يَرْثَدْ- ويقال للآبار: الدباب وهو ماء عذب كثير، وفي ثَافِل الأصغر ماء في دوار يقال له: (القاحة) وهما بئران عذبتان غزيرتان، وبينها وبين رضوى سبع مراحل(19).

جبل ورقان ولمن صدر من المَدِيْنَة مصعدًا -أول جبل يلقاه عن يساره (وَرْقَان) وينسب إلى جميل:

يا خليلي إن "بثنة" بانت          يوم ورقان بالفؤاد سليبا

وهو جبل أسود عظيم كأعظم ما تكون الجبال ينقاد من سيالة إلى "المتَعشَّي" وفيه من أنواع الشجر: القرظ والسماق -شجر يقارب الرمان له ثمر حامض، وأهل نجد يسمونه "العرتن"-(20).

ومن الشجر: الخزم وورقه يشبه البردي، وله ساق كساق النخلة وفيه أوشال وعيون قلات وسكانه أوس من مزينة وهم قوم صدق، وبسفحه من عن يمين (سَيَالة) ومسجدها أحد ثلاثة مساجد بنيت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بعد مسجدي الحرة والشجرة، ثم الرَّوحاء وفيها يقول عروة بن حزام:

ألا فاحملاني بارك الله فيكما

                   إلى حاضر الروحاء ثم دعاني

ثم الرُّوَيثة ثم الجِيّ، ويعلو بينه وبين ثنية القدس الأبيض عقبة يقال لها: رَكُوبة وُقدْس ونباتها العرعر والقرظ والشوحط والشقب، وهي لمزينة وأموالهم ماشية من الشاة والبعير وفيها أوشال كثيرة، ويقابلها من غير الطريق المصعد جبلان يقال لهما -نَهبان– الأسفل والأعلى وهما لمزينة، وهما مرتفعان شاهقان كبيران، ويفرق بينهما وبين قدس وورقان الطريق، وفيه (العَرْج) ووادي العَرْج يقال له: (مَسيحة) نباته المرخ والأراك والثمام، ومن عن يسار الطريق مقابل قدس جبل من أشمخ ما يكون يقال له" "آرَه" تخر من جوانبه عيون وعلى كل عين قرية، ومنها "الفُرع" وهي لقريش والأنصار ومزينة، ومنها (أمّ العيال) قرية صدقة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعليها قرية يقال لها: المضيق ومنها قرية يقال لها: (المحضة) (21).

ومنها قرية يقال لها: (الفَغْوة)، وفي كل هذه القرى نخل وزروع وواديها يصب في الأبواء ثم في (ودّان) وهي قرية من أمهات القرى لضمرة وكنانة وغفار وفهر وقريش، ثم في الطَّريفة وهي: قرية على البحر ليست بكبيرة واسم وادي (آره) حقْل(22).

واحد يقال له: (لَحْفُ) وبه عيون ويزعمون أن جبلة أول قرية اتخذت في تِهَامَة، وبها حصون منكرة لا يرومها أحد مبنية بالصخر، وشرقي ذرة قرية يقال لها:(القَعْر)، وأخرى يقال لها: (الشَّرْع)، وهما على وادي رَخِم وبأسفله قرية يقال لها: (ضَرْعَاء) بها قصور ومسجد جمعة وحصون، ثم يتصل بها (شَمَنْصير) وهو جبل مستدير مجموع بعضه على بعض لم يعله أحد قط، بأعلاه القرود ويطيف بالجبل قرية (رُهَاط) وهي بواد يسمي (غُرَان) وأنشد(24):

فإن  غرانًا  بطن  واد  أحبه           لساكنه  عهد  علىّ  وثيق

وبغربيه قرية يقال لها: (الحُديبية)، وبحذائها جبيل يقال له: (ضعاضع) وعنده حبس كبير يجتمع فيه الماء، قال الشاعر:

وإن التفاتي نحو حبس ضعاضع    

                    وإقبال عيني في الظبا لطويل

فهؤلاء القريات لسعد ومسروح، وهم الذين نشأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيـــهم، ومن الحديبية إلى المَدِيْنَة سـبع مراحل وإلى مَكَّة مرحلة وميل أو ميلان، ومن عن يمين آره ويمين الطريق المصعد (الحَشَا) وهو جبل الأبواء وهو بواد يقال له (البُعْق) والأبواء منه على نصف ميل، ثم (هَرْشَى) وهي أرض مستوية أسفل منها (ودّان) على ميلين مما يلي مغيب الشمس، يقطعها المصعدون من حجاج المَدِيْنَة وينصبّون منها منصرفين إلى مَكَّة، ويتصل بها مما يلي مغيب الشمس خبت(25 ).

وفي وسط الخبت جبيل أسود يقال له: (طَفِيل) ثم تنقطع عنك الجبال يمنة ويسرة. وعلى الطريق من ثنية هرشى بينها وبين الجحفة ثلاثة أودية مسميات: منها (غزال) يأتيك من ناحية شمنصير وذرة و(دَوْران) ويأتيك من شمنصير وذرة، والثـالث (كليَّة) وهو يأتيك من شمنصير وذرة(26).

وكل هذه الأودية تنبت الأراك والمرخ والدوم -وهو المقل- والنخل، وليس هناك جبال، وبأعلى (كلية) أجبال صغار منفردات يقال لها: (شَنَائِك) وهي لخزاعة، "ودون الجحفة على ميل غدير خُمَّ وفيه يقول عبد شمس الذي يقال إنه احتفره: حفرت خمًا وحفرت زما حتي ترى المجد لنا قد تما وواديه يصب في البحر، لا ينبت غير المرخ والثمام والعشر، وهذا الغدير لا يفارقه أبدًا ماء المطر، وبه أناس من خزاعة وكنانة غير كثير(27).

ثم -الشَّراة- وهو جبل مرتفع شامخ في السماء تأوي إليه القرود، وينبت النبع والشوحط والقرظ، وهو من دون عسفان من عن يسارها، ثم يطلع من الشراة على "سَايَةَ" وهو: واد بين حجارة عظيمة وبه قري كثيرة مسماة: فأعلاها يقال لها: (الفارع) بها نخل كثير ومياهها عيون تجري تحت الأرض، ثم أسفل منها (مَهَايع): وهي قرية كبيرة غناء وأصلها لولد على بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ثم خيف يقال له: (خيف سلاَّم) سميت على رجل من أغنياء الأنصار، وأسفل من ذلك (خيف ذي القبر) وبه نخل كثير ورمان وسمي: الخيف باسم على بن موسي بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب وكنيته (الرضا)، وأسفل منه (خيف النَّعَم) ومياهه عيون خرارة كثيرة، ثم عسفان(28).

ثم إذا فصلت من عسفان لقيت البحر، وتذهب عنــك الجبال والقـــــرى إلا أودية مسماة بينك وبين مر الظهران، يقال لواد منها: مَسيحة ولآخر: مُدركة، ومنها ماء يقال له: الحُديبية بأسفله يصبان من رؤوس الحرة مستطيلين إلى البحر، ثم مر الظهران و(مـر) هي القرية و(الظهران) هو الوادي، وفيه عيون كثيرة ونخل وجميز(29).

وبعد أن يتحدث عرام عن الطريق إلى مَكَّة وحدّها مع نجد، وعن الــسراة والطّائف وجبال مَكَّة، يعود للحديث عن حد الحِجَاز الذي يبدأ من معدن النَّقْرة إلى المَدِيْنَة ومن القرى الحِجَازية(30) -بطن نخل- وبحـذائه جبل الأسود نصفه حجازي ونصفه نجدي، ثم (الطَّرَف) لمن أمَّ (المَدِيْنَة) يكتنفه ثـلاثــة جبال أحدها: 

(ظَلِم) –وهو جبل أسود شامخ لا ينبت شيئًا، و(حزم بن عوال)، وفي عــــوال آبار: (ألية) –واسم ألية الشاة- و(هَرْمة) و(عُمَيْر) والسّـدرة وليـس بهؤلاء ماء ينتــــفع به، والسـد: ماء ســماء أمر(صلى الله عليه وسلم) بسده، ومنها القـرقرة، ومــن (الـسد) قـناة إلى (قباء)(31). ويحـيط بالمَدِيْنَة من الجبال (عَيْر): جبلان أحمران من يمينك وأنت تريد مَكَّة ومن عن يسارك -شوران- وهو جبل يطل على السد، وللشاعر:

ياليتني كنت فيهم يوم صبحهم

                   من نقب شوران ذو قرطين مزموم

وفي قبليّ المَدِيْنَة جنوبًا (جبل الصَّارِي)، وفي شوران ماء كثير يقال له: (البَجَرَات) -وكرم وعين وأمعاء -وهو ماء يكوم من السنين- وفي كلها سمك أسود مقدار ذراع وما دون ذلك: أطيب ما يكون السمك، وبحذاء شوران (جبل مِيطان) به ماء بئر يقال لها: (ضَفَّة)، وفيه يقول معن بن أوس المزني(32):

كأن  لــم  يكن  ياأم  حــقــة  قـبل  ذا

                        بميطان مصطاف لنا ومرابع

وبحذائه جبل يقال له: (سِنَّ)(33)، وجبال شواهق كبار يقال لها: (الحَلاَء) لا تنبت شيئًا ولا ينتفع بها إلا ما يقطع للأرحاء والبناء ينقل إلى المَدِيْنَة وما حولها، ثم إلى (الرَّحْضية) قرية للأنصار وبني سليم من نجد، وبها آبار علىها زروع كثيرة ونخيل(34)، وحذاءها جبيل ليس بالشَّامخ يقال له: (قُنَّة الحِجْر) يقع في أرض (الحجر). يقول الشاعر:

ألا ليت شعري هل تغير بعدنا    

                    أروم  فــآرام  فـشابة  فالحـضـر

 وهل تركت إبلي ســـواد جبالها

                   وهل زال بعدي من قنينته الحجر

وهناك واد يقال له: (ذو رَوْلان) لبني سليم، به قرى كثيرة تنبت النخيل منها: (قَلَهي) و(تَقْتُدْ)، وبينهمـا جبــل يقــال له: أُديمة، وبأعلى الوادي رياض تسمى الفِلاَج جامعة للناس أيام الربيع، وفيها مياه كثيرة يكتفون بها صيفهم وربيعهم إذا أمطروا، ومنه غدير (الـمُخْتبي) (وقلت) (ذات القرنين) و(غــديـــر السدرة) من أنقــاهـا مــاء وادي عـريفطـان(35).

ثم تمضي مصعدًا نحو مَكَّة فتميل إلى واد يقال له: (عُريفطَان معن) ليس به ماء ولا رعي وحذاءه جبال يقال لها: (إبلي) وحذاءه (قنة) يقال لها: (السودة) وماؤهم (الصَّـــعْبّية) وهو مـاء عذب وكانت بها عين يقال لها: (النَّازيَّة) بــــين بني خفـاف والأنصار فتضاربوا فسدّوها، وقد قتل أناس كثيرون بسـبب ذلك، وطلبها سـلطان البـلد مرارًا بالثمن الكثير فأبوا ذلك. وفيها مياه: منها بئر (معونـة) و(ذو ساعدة) و(جماجم) و(الوسباء)(36).

وحذاء (إبلي) جبل (ذو الموقعة) من شرقيها وهو جبل معدن بني سليم، وفي أسفل من شرقيه بئر يقال لها (الشّقِيقة)(37). وفيه يقول ابن مقبل:

فحياض  ذي  بقر  فحزم  شقيقة

                     قفر  وقد  يغنين  غير  قـفار

ثالثًا: طبعات الكتاب

نسخة الأصل:

أصل هذه النسخة فريدة في مكتبات العالم وهو محفوظ في دار الكتب السعيدية بحيدر آباد في مجموعة برقم (335) حديث، وتاريخها يرجع إلى سنة 876 والنسخة في ثلاثة عشر ورقة أي ستة وعشرون صفحة، ومقياس الصفحة 15× 18 وبكل صفحة 20 سطرًا، وهي صعبة القراءة مكتوبة بخط نسخي غامض رديء فيه كثير من إهمال النقط، كما إنها كثيرة التحريف والتصحيف، وقد تغلبت على ما به من عسر بالرجوع إلى كتب البلدان وفي مقدمتها معجم ياقوت ومعجم البكري وهما قد استوعبا معظم نصوص هذا الكتاب على ما بهما من تصحيف وتحريف وكذلك بالرجوع إلى معاجم اللغة وغيرها من الكتب في جميع الفنون التي يتطلبها التحقيق غير آل جهدا أن يظهر هذا الكتاب على أقرب ما يكون من السلامة(38).

- السلمي، عرام بن الأصبغ: أسماء جبال تِهَامَة، تحقيق محمد صالح شناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990م.

- السلمي، عرام بن الأصبغ: أسماء جبال تِهَامَة وسكانها وما فيها من القرى وما بنيت عليها من الشجار وما فيها من المياه، تحقيق عبدالسلام محمد هارون، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1954م.

 

الهوامش والإحالات:

(1) ابن النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي: الفهرست، تحقيق إبراهيم رمضان، دار المعرفة بيروت، 1997م، ص 69- 70.

(2) مقدمة المحقق، ص 5-6.

(3) الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 2002م، ج4، ص223.

(4) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العَرَبي، جامعة الدول العَرَبية، ج1، ص127.

(5) عرام بن الأصبغ السلمي: أسماء جبال تهامة وجبال مَكَّة والمَدِيْنَة، مقدمة المحقق، ص4.

(6) عرام بن الأصبغ السلمي: المصدر السابق، مقدمة المحقق، ص3.

(7) المصدر نفسه، ص3.

(8) المصدر نفسه، ص4.

(9) المصدر نفسه، ص3.

(10) المسالك والممالك، ص155.

(11) مقدمة المحقق، ص4.

(12) مقدمة المحقق، ص5.

(13) عرام بن الأصبغ السلمي: أسماء جبال تهامة، ص11.

(14) المُعْرِقَة: الطريق الذي يأخذ نحو العِرَاق وهو الطريق الذي سلكته عير قريش في وقعة بدر (عرام بن الأصبغ: أسماء جبال تهامة، حاشية 6، ص11).

(15) عرام بن الأصبغ: المصدر السابق، ص12.

(16) عرام بن الأصبغ: المصدر السابق، ص11.

(17) ضيف الله الزهراني: الجار ميناء ومدينة، ص245.

(18) أسماء جبال تهامة وسكانها، ص 13.

(19) عرام: المصدر السابق، ص 14-16.

(20) عرام: المصدر السابق، ص17.

(21) عرام: المصدر السابق، ص17-18.

(22) عرام: المصدر السابق، ص19.

(23) عرام: المصدر السابق، ص20-21.

(24) عرام: المصدر السابق، ص21-22.

(25) عرام: المصدر السابق، ص 22.

(26) عرام: المصدر السابق، ص23.

(27) عرام: المصدر السابق، ص24.

(28) عرام: المصدر السابق، ص25.

(29) عرام: المصدر السابق، ص26.

(30) عرام: المصدر السابق، ص31.

(31) عرام: المصدر السابق، ص32 وما يليها.

(32) عرام: المصدر السابق، ص32.

(33) عرام: المصدر السابق والصفحة.

(34) عرام: المصدر السابق، ص33.

(35) عرام: المصدر السابق والصفحة.

(36) عرام: المصدر السابق، ص34.

(37) عرام: المصدر السابق، ص35.

(38) مقدمة المحقق، ص6.

(i) عرام بن الأصبغ السلمي: أسماء جبال تهامة وجبال مَكَّة والمَدِيْنَة، تحقيق محمد صالح شناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990م.


عدد القراء: 1293

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-