من مظاهر الحياة الاجتماعية بالأندلس.. وصف مرحلة النعيم والاستقرار في مقصورة حازمالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 09:21:14

د. محمد بن محمد الحجوي

أستاذ التعليم العالي - سلا – المغرب

الأدب الخالد شعرًا كان أو نثرًا هو الذي يكسر القيود ويتخطى الحواجز ولا يكون حاجز الزمان والمكان عائقا في مسيرته وانتقاله، فما أبدعه الشعراء والأدباء والفلاسفة في سالف العهود من أدب جيد وحكم بالغة وفكر رصين تجده يتردد على ألسنة الناس في كل عصر ولو مرَت عليه القرون العديدة، فلا يملون تكراره والاستشهاد به  بل يزيده ذلك  توهجًا ولمعانًا، ولا ينال منه الزمان ومر الحدثان لأنه عبَر عن جوهر الفكر وصدق المشاعر ونبل العواطف التي لا يغيرها الزمن؛  إن كل أدب وفكر نبع من القلب بصدق وبأي لغة كان ومن أي جنس صدر تكون هذه سمته البارزة التي تجعله يكتسب دوما صفة الخلود. وفي أدبنا العربي الكثير من هذه النماذج الراقية التي كسَرت حدود الزمان والمكان وأصبحت تعيش في عقول ووجدان الناس أينما وجدوا برغم التطور الحضاري الهائل الذي عرفته البشرية في المفاهيم والرؤى والمعارف والعلوم المتجددة؛ فمن منا لا يتمثل بأبيات الحكمة في شعر زهير بن أبي سلمى الشاعر البدوي الجاهلي وشعر أبي العلاء المعري الذي حبس نفسه في مدينة صغيرة، وبشعر المتنبي الذي سعى للمعالي بكل ما أوتي من قوة، إن أشعار هؤلاء وغيرهم من الفحول ستظل حاضرة  برغم ما يفصلنا عنهم من قرون عديدة وما يباعد بيننا وبينهم من اختلاف في ألوان الحضارة والتمدن وطريقة التفكير ونمط العيش، ومن منا من لا يتمثل بشعر عمر بن أبي ربيعة في الغزل مثل ما يتمثل بشعر نزار القباني وقد فصلت بينهما أزمنة عديدة ونماذج حضارية متعددة. والسبب في ذلك هو أن هؤلاء الشعراء تغنوا بالمعاني التي تعبر عما في أعماقهم من مشاعر صادقة سواء كانت تخاطب العقل أو الروح، فهذه المعاني خالدة لأنها نابعة من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وإيمان الإنسان  بالقيم الأخلاقية والسلوك الفاضل والمثل العليا التي ستظل سائدة في هذا الكون ولو تغلب الشر إلى حين. إن الخير والحلم والمروءة والنبل والمثل العليا لا تعرف وجها آخر غير وجهها الحقيقي الذي يسعد البشرية ولو حقق الإنسان مزيدًا من التطور الحضاري والتقني، بل إن كل تطور حضاري ونمو معرفي يزيدها جلاءً ووضوحًا وإيمان العقل بها لأنها الخير للذي يسعد الإنسانية ويرسي القيم التي يقوم عليها الوجود، فهي من توجيه خالق هذا الكون الذي يعرف السر وما أخفى.

ومقصورة حازم القرطاجني تمثل هذا النموذج المثالي في الأدب العربي الخالد  الذي يجعلنا نجزم بأن الشعر العربي منذ نشأته وتطوره هو فن وعلم وسجل موثق للقضايا الاجتماعية والتاريخية والنفسية للإنسان العربي، إن ما كان يطمح إليه الإنسان العربي من فضائل ومثل عليا تمثل في شعره وخطبه وأمثاله فأصبح هذا التراث جزءًا من حياته؛ إنها خاصية ميزت هذا التراث على امتداد العصور حيث كان الشاعر والخطيب والأديب يعتبر إبداعه صورة لمجتمعه ومرآة لنفسه وأحوال عصره وما يظهر فيه من تيارات مذهبية وفكرية وسياسية بل كان يؤمن بأنه الموجه والمتحكم  في سلوك الناس خيرًا كان أو شرًا، استقرارًا أو فتنة، ازدهارا أو خمولاً، إنها قيم ثابتة على الدوام "هكذا كان اعتقاد العرب في الشعر، فكم من خطب عظيم هوَنه عندهم بيت! وكم خطب هيَن عظَمه بيت آخر! ولهذا ما كانت ملوكهم ترفع أقدار الشعراء المحسنين، وتحسن مكافأتهم على إحسانهم"2

وتشاء الأقدار أن يشهد حازم مرحلتين في الأندلس المسلمة كان لهما الأثر الكبير فيما عرفته من أحداث، وهما مرحلة الاستقرار والأمن والازدهار التي كان فيها الحكم العربي الإسلامي قويًا سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا حيث شهدت الأندلس إنجازات علمية وفكرية وعمرانية واقتصادية لم تعرفها بلاد أخرى في ذاك العهد، ومرحلة ثانية عانى  فيها المسلمون الشدائد من هجمات العدو على مدنهم واحتلالها بعدما ضعفوا وتفرقوا. لقد شاهد حازم في شبابه بعض الثغور الإسلامية تسقط في يد العدو ورأى ما عانى المسلمون من قتل وتهجير وخراب لديارهم، فقد سقطت قرطبة سنة 633هـ، ثم  بياسة سنة 634 هـ، وبلنسية سنة 636هـ، وشاطبة ودانية سنة 638 هـ. كل هذه المآسي والهزائم  شاهدها حازم وتألم لما عانى المسلمون  فيها من قتل وتشريد وخراب لديارهم وللحضارة التي بنوها بالعلم والعمران. وقد صوَر المرحلتين معًا تصويرًا بارعًا في مقصورته، وهما مرحلة النعيم والرخاء والهدوء الذي عاش فيه المسلمون، ثم مرحلة البؤس والاضطهاد والتشرد الذي عرفوه بعد الهزائم واحتلال الديار، فجاءت مقصورته حافلة بالصور الواقعية التي تفرح  في زمن الرخاء والنعيم  وتؤلم  في زمن الفجائع والأهوال.

أهمية مقصورة حازم في الأدب العربي

هذه المقصورة اكتسبت صيتًا كبيرًا في عصر حازم وبعد عصره، فالخليفة الحفصي أبو زكرياء الذي مدحه الشاعر بها أعجب بها وكافأه عليها مكافأة عظيمة، والأدباء والنقاد والبلاغيون واللغويون والنحويون اهتموا بدراستها في عصر حازم وفي العصور التالية لما احتوت عليه من أسرار بيانية وصور فنية بديعة وقضايا لغوية ونحوية جديرة بالدراسة والبحث، كما أن الدارسين لأحداث الأندلس أولوها عناية كبيرة لمعرفة الأحوال التاريخية والاجتماعية والأمنية في تلك المرحلة، كما كان اهتمامهم أيضًا منصبًا على دراسة جغرافية الأندلس لكون حازم أبدع في تصوير طبيعتها الجميلة في أبيات كثيرة. هذا الاهتمام المتعدد الوجوه يعزى لكون المقصورة بلغت النهاية في الجودة والإحسان في شكلها ومضمونها وصورها الفنية وما تضمنت من حكم وأمثال وتجارب عميقة في الحياة وسلوك الناس، ولهذا السبب نجد كل من أشار إليها  يذكر وجهًا من وجوه محاسنها المتعددة ، فهذا شارحها أبو القاسم الشريف السبتي وهو أعلم الناس في زمانه باللغة والنحو والشعر والبلاغة يقول فيها: "لا جرم  أنها – بما أورد من الفوائد، وقيَد من الأوابد، ووصف من المعاهد، وضرب من المثل الشارد، وأومأ إليه من الوقائع والمشاهد، وانتحاه من المنازع البيانية والمقاصد – ديوان من دواوين العرب، أودعه كثيرًا من تواريخها، وجمع فيه من المعارف ما يعترف  لقدمه برسوخها"3

ومن أعلام العصر الحديث الذين أشادوا بها العالم الجليل ابن الخوجة محقق كتاب حازم  الفريد في النقد والبلاغة "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" فقد ذكر جوانب من جمالها بهذا التعبير المحيط  بمحاسنها "وفي القصيدة المقصورة يبلغ الشاعر أبو الحسن حازم القرطاجني الذروة في الإبداع والبراعة النظمية. وقد جعل من مقصورته ألواحًا جميلة متجانسة، عرض فيها لشتى الأغراض والفنون" 4

وباحثون آخرون اهتموا بما احتوت عليه من إشارات اجتماعية وتاريخية وجغرافية للأندلس المسلمة في عصر الشاعر، ومنهم المستشرق قومز حيث قال: "أعتقد أن القصيدة المقصورة للقرطاجني تمثل وثيقة من الدرجة الأولى لمعرفة جغرافية وعادات السكان في تلك المنطقة الجميلة الخصبة من إسبانيا التي كانت تدعى في القديم كورة تدمير"5

هذه جوانب من محاسن المقصورة التي أشار إليها هؤلاء الدارسون، وكل دارس لها كان يستخرج منها لآلئ عديدة في جوانب متعددة من صور الأدب والنقد والبلاغة والحكم  والأمثال  وبراعة الوصف والتصوير تجعل الباحث يذهل لمقدرة هذا الشاعر في الإبداع الشعري. وسنرى في هذا المبحث جانبًا من هذه البراعة في وصف الشاعر لمرحلة النعيم والاستقرار في الأندلس المسلمة، وهي مشاهد استمتع بها الشاعر في مرحلة شبابه مع ثلة من خيرة الرفاق أدبًا وفكرًا وحلمًا ورزانة  حيث كانوا يتمتعون في كل أزمنة بالأنس والمرح في طبيعة الأندلس الجميلة في الزمن الذي كانت تعرف فيه الاستقرار والأمن والعز والمنعة.

وسنعمد إلى ترقيم أبيات المقصورة للتسهيل على الدارس والمتلقي الرجوع للأبيات. ومطلعها:

             لله ما قد هجت يا يوم النوى

                                   على فؤادي من تباريح الجوى

فقد اتبع فيها الشاعر منهج القصيدة القديمة بذكر الغزل والرحلة ووصف الديار التي مرَ منها وما عانى في رحلته، ثم استرسل في ذكر الحكم والأمثال وأخبار وأحداث الأمم القديمة ، وكلها كانت مقدمات مشوقة للانتقال لغرض المدح الذي أجاد فيه بذكر خصائص الممدوح التي ميزته عن سائر ملوك العصر.

تصوَير أنس الأندلس ونعيمها

بلاد الأندلس أنعم الله عليها بطبيعة جميلة بالسهول الخصبة الممتدة والهضاب المرتفعة والجبال الشاهقة التي تكسى بالثلوج في فصل الشتاء والأنهار الجارية والعيون المتدفقة والأشجار الكثيفة، وقد اكتسبت بهذا التنوع جمالاً قلما تجده في بلاد أخرى. هذا الجمال فتن به الشعراء والمبدعون  فتغنوا به غناءً بديعًا ظل خالدا مع الزمن:

312 -     منازل  للحسن  تنسي  جلقا

                                  ونهرها السلسال ينسي بردا 6

 وعبَر ابن خفاجة عن مشاعره نحو جمال الأندلس بقوله:

             يا أهــل  أندلـس  لله  دركـم

                                  ما  وظـل  وأنـهـار  وأشــجــار

            ما جنة الخلد إلا في دياركم

                                  ولـو تخيرت هذا كنت أختار

ومثل ما  تنوع الجمال في الطبيعة اكتسب مناخها سمة الاعتدال  في كل مواسم السنة فلا تمل الإقامة فيها، كما أن السماء تجود عليها بأمطار معتدلة فتمتلئ الوديان وتتفجر العيون وتخضر الطبيعة وتزدان بالورود والأعشاب وتورق الأشجار وتنضج الثمار، وأما جبالها فتكتسي بالثلوج في فصل الشتاء فتبدو في أجمل حلة. هذا المناخ المعتدل والطبيعة الجميلة فجَر أحاسيس ومشاعر الشعراء والكتاب والمبدعون فنعتوا الأندلس بكل النعوت الجميلة التي وهبها الله إياها. وكان حازم القرطاجني من هؤلاء الشعراء الذين تغنوا بجمالها ولاسيما في مقصورته الخالدة فجاءت الأبيات عبارة عن بساط من الزهور والورود المتنوعة الألوان والأشكال، لقد قضى حازم في هذه الطبيعة الجميلة مرحلة الطفولة والشباب واستمتع بمناظرها الخلابة، فوصفها بدقة وأبدع  فيها ما شاء حتى بدت الطبيعة كأنها  جنة من جنان الدنيا.

كيف جاء تصوير النعيم والأنس في المقصورة؟

إن حازمًا صوَر نعيم  الأندلس بكل أشكاله وأنواعه التي تمتع العين وتريح الأذن ويستريح لها الفكر، فالطبيعة الجميلة بكل تضاريسها جزء هام من هذا النعيم الذي كان الأندلسيون يمرحون فيه، لكن هناك نعيم معنوي كان يقدره الأدباء والمفكرون في هذا البلد حق قدره وهو ما اشتملت عليه الأندلس من نهضة فكرية وعلمية وعمرانية وأمنية رعاها الملوك والأمراء بالمال والتشجيع والتتبع  حتى غدت الأندلس مركزًا من مراكز الفكر والمعرفة في العالم آنذاك ومكانا للإقامة، كل ذلك تحقق بوجود الاستقرار والأمن والعدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي، وقد شهد بهذا كل المؤرخين حتى الأعداء منهم، وما بقي من آثار عمراني فيها دال على ذلك. هذا هو النعيم الذي عاش في كنفه المسلمون في تلك الديار التي أصلحوها وبذلوا كل جهد  لتصبح جنة على الأرض ومنارة عرفان تضيء ظلام الكون ومستقرًا آمنًا لكل من يلجأ إليها. وحازم حينما نظم المقصورة لمدح الخليفة الحفصي بتونس وهو أبو عبدالله المستنصر استرجع الأيام الجميلة التي  قضاها في مرتع صباه وشبابه بالأندلس، إنها أيام طاب فيها الزمان وحلا مع ثلة من خيرة الإخوان الذين جمع بينهم الأنس والسرور والحلم والفكر الناضج، ولذلك قرن زمان النعيم أثناء إقامته مع هذا الخليفة بنعيم بلاده ومرتع صباه وشبابه  قبل أن تعصف  بها الأحداث التي مزَقتها وشرَدت أهلها  وجعلتها أثرا بعد عين:

175 -  طابت به الأيام لي حتى لقد

                                     ذكرت فيما قد خلا عيشا حلا

فكيف حلا العيش هناك؟ وما هي العوامل التي ساعدت على ذلك؟ وهل هو نعيم يستحق أن يذكر بلهفة  وشوق وترتاح له النفوس وتلذ به الأذن ويستقر نغمه في القلب؟

179 -  أين الزمان الناضر الطلق الذي

                                   كم قر فيه ناظري بما رأى؟

180 -  أملأ  سمعي  ويدي  من  كل  ما

                                   تهواه نفسي من غناء  وغنى 7

لقد تحسَر الشاعر على هذا الزمان لأنه كان زمن المرح في ريعان الشباب  حيث تقبل النفس على التمتع بأطيب ملذات الحياة في الطعام والتنزه في الطبيعة الجميلة ذات الأنهار الجارية والخضرة الدائمة والأشجار المورقة والثمار الناضجة والسهول الخصبة الممتدة، إن بلاد الأندلس كانت بحق جنة من جنان الدنيا، تطيب فيها الحياة وترتاح لها  النفوس حتى إن المرء ليشعر فيها كأنه في أعياد دائمة وأفراح مستمرة لأن طعم الحياة يتجدد  في كل منظر جميل  من مناظرها الخلابة:

181 -  في بقعة كجنة الخلد التي

                                       يرى  بها كل  فـؤاد ما  اشتهى

 182 -  تجري بها من ماء ومن

                                       خمر ومن رسل وأري قد صفا

 183 -   أقسم الأيام  بين  منظر

                           ومسمع  يسبي  العقول والنهى

هذه هي بلاد الأندلس التي قضى فيها الشاعر طفولته وشبابه، وعرف فيها أحلى أيام سعادته، فلماذا لا تكون أيامها  - بالنسبة إليه - أعيادا ولياليها أعراسًا، ويصبح العيش فيها حلمًا كأحلام الكرى؟

187 - فالدهر عيد والليالي عرس

                           والعيش أحلام كأحلام الكرى 8

إن كل ما حبا الله هذه الأرض من جمال واعتدال في كل الفصول كان يغري كل من يحب الجمال بالاستمتاع بالطبيعة في كل فصل من فصولها، فالإقامة فيها تزيل الهموم وتبعث في النفوس الرغبة في الحياة:

202 -  وننبري لنجعة الروض إذا

                            ما هبَ  مطلـول  الـنسـيم  وانبرى

203 -   وتنسري الأشجان عن قلوبنا

                           إذا الظلام عن سنا الصبح انسرى 9

وتتنوع متع الحياة في الأندلس لكل الفئات شبابًا وكهولاً وشيوخًا، فالكل يقبل عليها للاستمتاع والتمتع بمباهج الحياة، وأما الشعراء والأدباء فيجدون فيها ما يفجر قريحتهم بالإبداع وما يحرك فكرهم للتأمل في هذا الكون الذي أبدعه الخالق وهو أحسن الخالقين، كما أن الشباب الطموح المرح يجد فيها كل ما يلبي رغبته في الاستمتاع بمباهج الحياة في غاباتها وهضابها وسهولها وجبالها وطيورها المتنوعة ووحوشها المختلفة وعيونها العذبة  الجارية في كل مكان؛ فما ألذ الحياة مع الإخوان في هذه الأماكن  التي يتجدد فيها الشباب! 

242 -  حتى إذا ما  امتلأت  حقائب

                                      من الوحــوش وخـلا منها الملا

243 -  مـلـنـا  إلـى  مــولــيـة  مــوشــية

                                       قد حدب الغيث عليها وانحنى

244 -   والآس والريحان قد صفَ وقد

                                      ألقى  عليه  كل  طــاه  مـا طها

245 -  ولفَ   كل   خــابــز  مملـوكــه

                                     في سعف الدوم وأصلاه لظى 10

هكذا يصفو العيش وتلذ الحياة  في طبيعة الأندلس الجميلة التي بقيت وشما في ذاكرة الشاعر، وكيف ينسى المرء أجمل أيام حياته؟

 

253 -  وقد  صفا  العيش لنا بمنزل

                                 قد سال صفو مائه من الصَفا 11

هذه الحياة التي ملئت أنسًا وسعادة ومرحًا في طبيعة جميلة كان يزينها وجود خيرة من شباب الأندلس حيث ينعمون بما وفَرت لهم طبيعة بلادهم الخلابة، ولا يشغلهم شيء عن الاستمتاع والمرح  إلا التأمل والفكر الرصين والإبداع  وكلهم من ذوي الحلم والشرف والكرم والأدب:

255 - لله  ما  صيابة  خـضـت  بهم

                                  عصر الصبا بحر نعيم قد رها !

256 - من  كل  بـحـر  للـعـلوم  زاخر

                                 وكل طــود  للحـلــوم   قــد  رســــــــا 

257 - كم أوقد الكباء للساري! وكم

                                  صب  القدور  في  الجفان وكبا !

258 - وكم  له  من  قـبب  مـعـروفــة

                                 في  قنن  مرفــوعـة  وفي  صوى 12

هذه الصفوة من خيرة شباب الأندلس علما وحلما ونسبا لم تكن تترك لحظة للاستمتاع بطبيعة بلادهم التي حباها الله تنوعًا فريدًا في المناخ والنباتات والثمار والأشجار، فهناك أماكن لقضاء فصل الشتاء حيث الدفء والاستحمام في المياه الساخنة التي تتفجر من العيون التي توجد في كل مكان، وهناك أماكن لقضاء زمن الصيف حيث تجري العيون الصافية وتكثر الأشجار المورقة والظلال الممتدة والأعشاب الخضراء والطيور الغنَاء، وأما زمن الربيع فهو جنة على الأرض في بلاد الأندلس بالورود  المتنوعة والسهول الخضراء الممتدة في كل اتجاه والطيور الصداحة على جذوع الأشجار والجو المعتدل الذي يغري بالسهر. هكذا كان يقضي خيرة شباب الأندلس أيام الاستجمام والراحة في الزمن الذي كان فيه الحكم الإسلامي ناشرا لواءه في هذه الأماكن بالعدل والاستقرار والرخاء والعلم والمعرفة  والبناء والتعمير:

264 -  ما شئت من مشتى بشاطي لجة

                                    بين  قـــبـاب  وقـــصــاب   وبــنى

 265 - ومن مصيف فوق شاطي نهر

                                    بين  قـــصــور  وجــسـور  وقـــرى

266 -  ومــربــع  على  مـيـاه  مـزنـة

                                     بين  مــروج  وبـطــاح   وربـــــــــى

267 -  وخــرفــة  على  مـياه  حـمـة

                                       بين  غــصـون  وحـصـون  وقرى

268 -  نصــيــف  بمــرســـيــة  بمــنزل

                                       ضفا به  الدوح  على  ماء  صفا

269 -  نقطع  دنيانا  بوصل  الأنس  في

                                       مـغـتـبق  مـن  روضـه   ومـغـتـدى

270 -  وتتناجى  بالمنى  أنفسنا

                                    حيث تداعى الطير منها وانتجى

271 -    مساقطين  للقيط   درر

                                    في  سـمـر  في  قـمـر  قد  اسـتــوى

272 -    ملتقطين  لسقيط  زهر

                                    من شجر في سحر قد اعتلى 13

هذه هي طبيعة الأندلس بجبالها وسهولها وهضابها وأنهارها ومنتزهاتها، عاش فيها المسلمون زمنًا طويلاً في العز والقوة والمنعة، وبنوا وأصلحوا وأسسوا الجامعات والمكتبات العامة وألفوا في العلوم الإنسانية والعقلية، فأصبحت الأندلس في عهدهم قبلة لكل من أراد اكتساب العلم والاستقرار وممارسة التجارة والعيش في أمن وأمان، ولم تنطفئ شعلتها إلا بعدما تفرق المسلمون وحارب بعضهم البعض من اجل الحكم، فقسموا البلاد إلى ممالك وطوائف كل واحد يريد الإبقاء على ما بيده ولو استعان بالأعداء ظنا منهم أن العدو هو المنقذ لهم، فضعفوا ضعفًا شديدًا حتى أصبحوا لقمة سائغة في فم العدو الذي نكَل بهم وأخرجهم من ديارهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد:

يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا

                                للحادثات وأمسى جدها تعسا

ولم تنفع استغاثة أهلها لقادة المسلمين في شمال إفريقيا لأن المصاب كان جللاً والخطب كان كبيرًا:

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا

                             إن السبيل إلى منجاتها درسا 14

وقبل خروج حازم من الأندلس كان قد شاهد بدايات مآسي المسلمين في المدن التي سقطت بيد العدو، وما فعل فيها من تقتيل وتخريب وتهجير لأهلها، فقال في أبيات من المقصورة:

حتى إذا ما ضاحكت مرسية

                              بكت على  رسم  حبيب  قد خلا

وندبت معاهدًا أنحى العدى

                              فيها على رسم الهدى حتى عفا 15

لقد كانت الأندلس قبل هذه المآسي عصية على العدو بوحدة المسلمين وتعاونهم، وقد ذكر حازم كيف نال النصارى الهزائم المتكررة في كمرحلة العز وبخاصة في عهد المرابطين والموحدين الذين كانوا حماة لبلاد الإسلام في هذا الجناح، وقد أشار إلى ما حقَق الموحدون من نصر مؤزر على العدو في معركة  "الأرك" الشهيرة، فقال:

903 -   فأمنوا الدنيا بترويع العدى

                                 بالعدوة الدنيا ، وفي أقصى العدى

904 -  قــادوا  إلى  أندلس   كتائبا

                                 أمامها  النصر   العزيز  قد  قــدى

905 -  وجللوا شط المجاز سبَقا

                                     تعدو على غزو الأعادي الجمزى

906 -  وصبحوا "الأرك" بجيش غطَ في

                                    آذيــه  "أذفـنـش"  لما  أن  غــطــــا

 907 -   وخلفوا بالبيض قرص الشمس في

                                   أرهـاجـه  حتى  رأوه  قد  صفا 16

 

الهوامش:

1 - حازم القرطاجني شاعر وأديب وبلاغي وناقد نشأ في الأندلس وقضى شبابه متنقلا بين قرطاجنة ومرسية، وكانت الأندلس في هذه المرحلة ما زالت تنعم بالهدوء والاستقرار. تلقى مبادئ تعليمه على يد أبيه ثم اتصل بعدد كبير من الشيوخ أبرزهم الشلوبين عالم زمانه في النحو وقد قرأ عليه كتاب سيبويه، كما وجهه إلى دراسة المنطق والبلاغة والشعر. وقد استقر في نهاية حياته في تونس في عهد الحفصيين، ومدح أبا زكرياء الحفصي بهذه المقصورة الخالدة.

2 – منهاج البلغاء: 122.

3 – رفع الحجب: 1 /114.

4 – منهاج البلغاء: 82.

5 – مقدمة منهاج البلغاء: 86.

6 – رفع الحجب: 2 /691 . جلق: موضع بالشام، وقد ذكره حسان بن ثابت، رضي الله عنه، في قوله

  لله در عصابة نادمتهم        قدما بجلق في الزمان الأول

وبردى: نهر بالشام.

7– رفع الحجب: 2 /554

8– المصدر نفسه: 2 /556

9 -   ""   ""     2 /558

10 -  "      "      2 /617 . المولية: الأرض التي جادها الولي وهو المطر الذي يأتي بعد الوسمي .

11 -  "     "     2 /624 .

12 -  "     "    2 /627 . الكباء : ضرب من العود

13– "  "  2 / 638.

14 -  من قصيدة استصرخ فيها ابن الأبار الملك الحفصي بتونس.

15– رفع الحجب 2 /832 . الضمير في قوله "ضاحكت" يعود على السحب التي جللت سماء مرسية. وكنى بها هنا عما أصابها من بلاء على يد العدو.

16 -  المصدر نفسه: 4 /1495. أذفنش: ملك العدو.

المصادر والمراجع:

1 – ديوان حسان بن ثابت الأنصاري. تصحيح عبدالرحمن البرقوقي. دار الأندلس – بيروت.

2 – رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة. أبو القاسم الشريف السبتي. تحقيق وشرح، صاحب المقال. مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ط 1 .1997م

3 – القطوف اليانعة من ثمار جنة الأندلس الدانية . د . عبد أنيس الطباع . دار ابن زيدون – بيروت . ط1 . 1986م.


عدد القراء: 370

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-