رواية التاريخ .. معاينة في التمثيل الثقافيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 09:42:36

أ.د. نادية هناوي سعدون

كلية التربية - قسم اللغة العربية - الجامعة المستنصرية – بغداد

شبه إدوارد سعيد حال المثقف الفرد في الكتابة ومحاصرة الولاء له بلا هوادة، مع حال المرأة الكاتبة التي تحاول مقاومة قيم الذكورية في الكتابة منطلقا من رؤية درامية للتاريخ . وبالرجوع إلى المنجز الروائي العربي الموظف للتاريخ ولقاعدة النقد الأدبي النظري والتطبيقي المزامن له والمهتم به؛ فإننا سنلمس بجلاء أن التمثيل للتاريخ يتحدد بخيارين أولهما يتجسد في انتقاء التوظيف التقليدي في تمثيل محكي التاريخ سرديًا وهو ما تعكسه الرواية التاريخية والخيار الآخر يتجسد في الكيفيات التقانية التي تقلب هذا التمثيل وتؤدي وظيفة اشهارية عبر اللعب على المضمر الذي سكت عنه التاريخ الرسمي وحاول تهميشه وهو ما تعكسه رواية التاريخ.

وشهدت تمثيلات النقاد العرب اختلافات كثيرة حول الروايات التي تستثمر الحدث التاريخي كمفاهيم وتقانات وتلك الروايات التي توظف التاريخ كوسيلة لا غاية فضلاً عن التباين في الرؤى إزاء الاصطلاح الاجناسي الذي يضع الحدود النظرية والأطر المنهجية والمواصفات الإجرائية لهذا النمط من التوظيف السردي. ولا نكاد نجد عند النقاد العرب اتفاقًا اصطلاحيًا على تبني تسمية مثلى تعطي لهذا الاشتغال السردي توصيفًا يحظى بإجماع مبدئي على صلاحيته الأجناسية ولعل السبب عائد إلى واحد من أمرين:

 الأمر الأول/ التباين في الترجمة للمصطلح الغربي، فمثلاً اعتمد المترجم حيدر الحاج إسماعيل في ترجمة اجتراح ليندا هتشيون لهذا الجنس من السرد بـ( ميتا خرافة التاريخية) تماشيًا مع اهتمامها بنظرية التاريخ في مرحلة ما بعد الحداثية.

الأمر الثاني/ اختلاف الاجتهاد التطبيقي في معاينة المنظور المفهوماتي وتطبيقيه إجرائيًا على السرد والتاريخ معًا، والسبب التفاوت بين منظري السردية الحديثة في توصيف شعرية هذا الاتجاه من السرد وبين منظري سرديات ما بعد الحداثية.

ويبقى الأمر رهنًا بفهم وظائفية الكتابة الروائية والدور الطليعي الذي ينبغي أن يؤديه الكاتب بوصفه مثقفًا تمثيليًا أي ذلك المثقف الذي يتسبب بهزة أرضية مثل الزلازل وهو يصدم الناس بما يقول ويفعل. 

وبناء على ما تمَّ توضيحه آنفًا ووفقًا لمتطلبات التحديد الاجناسي، فإننا سنختار هنا أقرب التسميات وأكثرها اختصارًا ودلالة وهو (رواية التاريخ) ومسوغات اعتمادنا هذا التوصيف ترجع إلى:

أولاً/ الرغبة الصميمية في التفريق بين هذا النوع من السرد الميتا تاريخي من جهة والسرد الروائي التاريخي التقليدي من جهة أخرى.

ثانيًا/ منح السرد الميتا تاريخي ثوبًا جديدًا يتناسب والبعد النظري الذي يتجسد فيه ويتمظهر من خلاله في ظل حقبة ما بعد الحداثة.

ثالثًا/ توكيد أن التاريخ ليس هو الغاية والرواية هي الوسيلة؛ وإنما الرواية هي الغاية التي ينبغي للتاريخ أن يكون وسيلتها وأداتها والخادم الذي يراد منه أن يكون خير معين في تحقيق فاعليتها السردية.

رابعًا/ أن مفردة تاريخ لا تعني التأريخ المؤرشف والرسمي الذي هو مجموع النصوص التاريخية الموثقة والمروية وكل ما يعني دلالة الأرخنة أو التأرخة والتوثيقية التاريخية وإنما تعني المقصد ما بعد الحداثي للتاريخ أي الحدث التاريخي بوصفه متخيلاً لا وقائعيًا. وهنا لا بد من الوقوف المتريث عند الخصوصية التي تتمتع بها رواية التاريخ والهيأة التي تتذوتن فيها متميزة عن التماثل مع أي اشتغال سردي آخر أو احتذاء للرواية التاريخية أو الرواية الميتاسردية، فما الحدود التي ينبغي أن يظل الكاتب واقفًا عندها لا يتجاوزها لكي يوسم عمله بأنه رواية تاريخ؟!!

وكيف تصبح رواية التاريخ نصًّا مشفرًا يستثمر الوقائع والتاريخ والسيرة وظيفيًا باتجاه إنتاج التاريخ؟ وما الحدود الأجناسية النوعية بين رواية التاريخ ورواية السيرة الذاتية ورواية التخييل الذاتي والرواية الميتاسردية؟ وهل يمكن أن تتقاسم هذه الأجناس معمارية محكي التاريخ؟

إن رواية التاريخ ليست نمطًا سرديًا يشتغل على الثيمات ويهتم بالمحتوى أكثر من المبنى مثل الروايات الواقعية التي تهتم بثيمات بعينها كالمرأة أو العنف أو الريف أو العمال.. كما أنها ليست الروايات التي تتذوتن في إطار جنوسي مثل الرواية النسوية.. أو إطار إقليمي مثل رواية الجنوب أو الرواية الخليجية .. أو الروايات التي تتقولب في شكل إيديولوجي مثل رواية الماركسية أو القومية أو تحمل بعدًا نفسيًا مثل رواية الغربة أو رواية العصاب أو تتقولب في شكل طبقي أو فئوي مثل الرواية البرجوازية أو العمالية .. أو الروايات المتجذرة بالعرقية الإثنية أو الأقلية الأثنولوجية مثل الرواية الكردية أو السريانية .. إلخ

إن رواية التاريخ تتجاوز هذه التحديدات كلها وتتعدى تصوراتها بمجموعها والسبب أنها تتعالى على المعتاد في الكتابة السردية والمطروح من تقاناتها فضلاً عن كونها رواية لا تنحاز للشكل كما هو الحال في الرواية الميتا سردية ولا تغلّب المحتوى الموضوعي كالرواية التاريخية والرواية الواقعية، بل هي أجناسية سردية بغيتها الأساس الاشتغال الشكلي الموضوعي معًا في إطار ما بعد حداثي يتبنى طروحات فلسفية معينة ويتضامن مبدئيًا مع توجهات تقويضية عاملة على تدعيمها عمليًا في شكل اشتغال معولم أو عولمي وبقصدية الانفتاح والتداخل..

والهدف المركزي هو عدم التسليم للتاريخ وفي الوقت نفسه الظفر بالحاضر الآني استشرافًا للمستقبل القادم وبما يضمن للإنسان وجودًا حرًا تأصيليًا ليس فيه احتواء ولا إقصاء.

وإذا كانت رواية الميتا سرد تتبنى تداخل الأجناس كما تشتغل على القارئ؛ فإن رواية التاريخ لا تتعاطى التاريخ إلا كشكل سردي ثقافي يشتغل على المركز والهامش يهمه التجريب الفني، مثلما يعنيه اللعب على الأنساق بمقصدية تقويض الوعي الفكري وخلخلة الأطر المعرفية للتاريخ..

 ليصبح في إدخال التاريخ مسرودًا في الكتابة، توكيدًا للجانب الجمالي وتعرية لمستوراته فضحًا وتغريبًا وأسطرة وفنتزة.

ولعل ما يحصل من خلط بين الكتابة التي تنتهج مسلك الميتا سرد والكتابة التي تشتغل على التاريخ راجع إلى كون الميتا سردي يستثمر مخطوطًا أو حدثًا تاريخيًا مشتغلاً على المبنى لا المحتوى ومن ثم لا يغدو هناك فاصل بين التاريخ والسرد وعادة ما يتم إشراك القارئ في المبنى الروائي في شكل سرد كثيف .

بينما تتضح أبعاد توظيف التاريخ سرديًا ودلالاته النقد ثقافية في رواية التاريخ بالاشتغال على تاريخانية جديدة أو ميتا تاريخية تتعامل مع التاريخ بوصفه مفهومًا اصطناعيًا يستدعي الذاكرتين الفردية والجمعية، لتغدو وظيفة التاريخية الجديدة إعادة تداول التاريخ أو كشف ما وراء التاريخ بناء على مرجعيات الذات المعاينة والمذاكرة التي تستعين بالتسريد والتخييل والتخريف والتحريف وليس التوثيق وبذلك يتم تجريد الحدث التاريخي من قيود الزمان والمكان والتعامل معه من خلال رؤية حاضرة قد تستشرف المستقبل وتخمنه وقد تلّمح عليه من بعيد..

وعلى الرغم من البون الإجرائي الكبير بين رواية التاريخ والروايات الأخرى؛ إلا إن بعض الباحثين أعطوا لبعض هذه الاشتغالات الكتابية اهتمامًا تطبيقيًا على حساب اشتغالات أخرى ومن ذلك تركيزهم على الرواية الميتاسردية فلا فرق لديهم مثلاً بين اشتغال يقوم على إدخال واقعة تاريخية أو مخطوطة وتكييف السرد لها مراهنًا على أبعادها ما وراء السردية التي تتحدى إمكانيات القارئ الفكرية.. وبين اشتغال من نمط أخر من الاشتغال ينبني على مخاتلة معلنات التاريخ الرسمية ليدحضها أو يقوضها بإبدالها بمضمرات التاريخ بمفهومه ما بعد الكولونيالي.

وهذا ما نلمسه عند بعض النقاد ومنهم الناقد فاضل ثامر الذي كان واعيًا لهذه المسألة لذلك لم يداوم على مصطلح الميتا رواية التاريخية فاستعمل بدله تسميات مقاربة مثل الميتا سرد التاريخي ، والرواية التاريخية ما بعد الحداثية وميتا سرد الرواية التاريخية، مقرًا بأن هناك تنازعًا دائمًا بين التاريخي والمتخيل بوصفهما سلطتين يقول: «ومما أغنى الحوار النقدي هذا انتماء الرواية التاريخية الجديدة ومظهرها المتمثل في الميتا رواية التاريخية إلى فضاء ما بعد الحداثة بما تحمل من رؤى ومواقف ومعالجات تجعل هذه الرواية ذات حمولات رؤيوية وفكرية عميقة» .

والغريب أن الناقد يعود بعد أن وطّد آليات مفهوم الميتا رواية التاريخية إلى الحديث مجددًا عن التاريخية مشيرًا إلى أنها تنتمي إلى ما بعد الحداثة جامعًا بين الميتا سرد والميتا تاريخية مع أن الفاصل الوظائفي ما بين الاثنين متمحور في مسألة كونه وسيلة أم غاية؟!!

وهو الذي فضّل على المستوى التنظيري مصطلح (ميتا رواية التاريخية) انطلاقًا من اهتمامه بالجانبين الميتاسردي والتاريخي بينما تبنى إجرائيًا مصطلح ميتا سرد الرواية التاريخية في تطبيقاته على الإعمال السردية.

 وبذلك يكون تعامله مع التاريخ مقتصرًا على توظيف تقانة الميتا سردي حسب علمنا أنه استند كثيرًا إلى تنظيرات ليندا هتشيون التي تبنت الميتا خرافة التاريخية ووسعت مجال الإجراء مؤكدة وجود وعي ذاتي ميتا خرافي وليس مجرد وعي ذاتي ما وراء سردي في توظيف التاريخ وبهذا يتسع المجال عند ليندا في حين يضيق المجال عند فاضل ثامر.

ولا غرو أن الكتابة الميتا تاريخية هي الأقرب في الاشتغال على موضوعة التاريخ بمقصدية الاهتمام بالمحتوى لا المبنى رغبة في كشف أنساق إضمارية يمكن أن تتوارى خلف أنساق سياقية وليس في مقصدية هذه الكتابة التجريب الشكلي وتحدي القارئ واستفزازه إلا ما جاء عرضًا.

ولم تتعد تطبيقات الناقد وتمثيلاته حدود الروايات المتناولة لمراحل التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس فمثلاً في تحليله لرواية ليون الإفريقي وإشكالية الهوية العولمية للبطل نجده يهتم بالمبنى الميتاسردي وكيف أن البطل يدّون مخطوطة ومرويات وشهادات حية مباشرة، مركّزًا اهتمامه على التكنيكات الشكلية كبنية الحكاية الواصفة والوصف والتبئير والانفتاح الفسيفسائي.

ومعلوم أن هذه التكنيكات يمكن أن توجد في مختلف أنماط السرد ما بعد الحداثي وهي ليست مقتصرة على التاريخ والميتا تاريخ فضلاً عن كون الميتاسرد ليس مجرد مخطوطة أو وثيقة يصنع على وفقها القالب الروائي الذي يمكن أن يخرق الداخل النصي بالخارج النصي كون هذا الخرق يمكن أن يتم بالاشتغال التجريبي على مستوى المسرود له أو على مستوى القارئ ضمنيًا كان أو فعليًا.

واهتم الناقد عباس عبد جاسم بالرواية الميتاسردية وأعجب بـ"دخول الروائي كمؤلف منظور في الرواية.. الشكل المفتوح والكرنفالية والمتخيل العجائبي والغرائبي"، لكنه لم يعط اهتمامًا مماثلاً لما سماه الكتابة على السرد التي أوجدت صنف «التخييلي» ولم يبن عن طبيعة هذا التخييلي في الكتابة السردية ككتابة جديدة بدأت عابرة تتجه نحو تفتيت العقدة وتفجير طاقة المتخيل . وهو إذ يرصد على المستوى النظري الكيفيات التي بها يمارس المؤلف الروائي دوره داخل الرواية كاسرًا النمط في إطار روائي مفتوح ذي سطوح متعددة منشغلاً بنفسه وموقعه في السرد ؛ إلا إنه أي الناقد ظل على المستوى التطبيقي يمط حدود رواية الميتاسرد لتتجاوز على رواية التاريخ، ففي نقده لرواية (موت الأب) للروائي أحمد خلف التي يتوقف نظر الناقد فيها عند استثمار الحكاية التراثية بوصفها مخطوطة ليجد فيها مجرد إحالة بالمعكوس في شكل دال مفتوح كرواية ميتاسردية ومع ذلك نجده يقرر أن استثمار مخطوطة الكتاب "ليس هو المقصود بحد ذاته وإنما المقصود به هو شكله الدال المفتوح على مدلولات متعددة كالماضي في الكتاب ونظيره الحاضر في الواقع بصيغة استثمار الإحالة بالمعكوس". 

واستثمار الإحالة هو اشتغال على مستوى التاريخ بوصفه زمنًا هو جزء من المروي/السرد كبناء داخل نصي وليس اشتغالاً على مستوى المسرود له والقارئ الضمني والقارئ الفعلي الأول كبناء داخل نصي والآخرين كبناء خارج نصي.

والأمر عينه نلمسه في النقد التطبيقي الذي أجراه الناقد على رواية (ليلة الملاك) التي اشتغل فيها كاتبها نزار عبدالستار على مفارقة زمانية تقع على مستوى النص لا القارئ موظفة العجائيي والواقعي عبر استدعاء أسرار علاقة السمارتو التاريخية بالطفل آشور بانيبال والتشابه بين الصبي يونس والطفل آشور بانيبال القادم من منتصف الألف الأول قبل الميلاد.. 

لكنه تنبه إلى أن هذا الاشتغال يجري على مستوى النص لا على مستوى القارئ فقال: «تبدو مظاهر السرد وكأنها مصممة على وفق فجوات وقفزات سردية مقصودة في الزمان والمكان والأحداث. لأن الغاية منها كيفية تفكيك العالم المروي وتشظي أنظمته الدلالية ليس بهدف تشويش ذهن المتلقي وإنما بهدف تكسير التسلسل المنطقي للمروي عن طريق خلق فجوات وقفزات وانتقالات سردية كعلامات دالة على عدم منطقية الواقع واختلال العلاقات الكامنة فيه».

وهذا وعي مهم ناجم عن إدراك لحدود الاشتغال الداخل نصي ومديات المستوى الخارج نصي بدليل تساؤله الذي ينم عن ذلك الوعي في قوله: "ألم يوح هذا المسار باللامركزية الروائية؟ وأجاب لقد كان بإمكان النص أن ينفتح أكثر على كونية الأسطورة ولا يكتفي بتحولات الرمز الآشوري لان علاقة السمارتو باتونبشتم علاقة كونية موازية لعلاقته الوضعية بالصبي يونس" وكذلك في سؤاله المتعجب: كيف حدث أن تكون ليلة الملاك رواية نسق من غير مركز وأن تكون لها هذه النهاية في آن واحد؟!! ونجد في إجابته ما يوحي بالتقاط هذا الفارق بين الميتاسرد والسرد أن الأول يشتغل على نسق خارجي والثاني يشتغل على نسق نصي داخلي فيجيب "أن ذلك باعتقادي يتعارض بين قصد المؤلف وقصد النص ولكن إذا ما كان المؤلف قد تعمد غلق النسق فإنه اخطأ لأن النص عمل مفتوح أما إذا لم يتعمد ذلك فهو خطأ عفوي"  وهذا ما يجعلنا نتعجب إذ لو كان الناقد مدركًا لهذا التفاوت والتمايز فلماذا إذن أغفل علائقية التاريخ بالسرد ؟!!

صحيح أن توظيف المخطوطة كمدونة أو وثيقة أو استعمال تواريخ مذيلة يصنع ميتاسرد ولكنه ليس الميتا تاريخ كاشتغال تجريبي لا احتوائي يشتغل على المستدعى التاريخي واقعة كانت أم شخصية ومدى قدرته على بلوغ ما وراء التاريخ ليدخل إلى مكنونات المادة المسرودة فيجعلها ذات حساسية زمانية تغوص في الماضي وتطفو إلى الحاضر وتحلق عاليًا نحو المستقبل صانعة عالمًا قرائيًا جديدًا مداره الواقع وما وراء الواقع.

وهذا إذا ما غاب عن أذهاننا فستبدو الكتابة التاريخية اشتغالاً مقيدًا بالتجريب الميتاسردي متمردة على اجناسية السرد مغامرة على مستوى الشكل حسب..!! وواقع الحال ليس كذلك حتمًا..

وينتهي هذا التأرجح الإجرائي عند الناقد عباس عبد جاسم ما بين حدود الميتاسرد والسرد ما بعد التاريخي إلى عدّ ذلك قطيعة" جديدة مع تقاليد القصة العراقية ولعل أهم جماليات هذه القطيعة استخدام نظام المخطوطة ليس كبنية تعبر عن الواقع وإنما كشكل دال على واقع ليس هو المقصود بذاته فقط" وبهذا أصبح الخلط حاضرًا وحاصلاً على حساب الرواية فضاقت حدود إبداعيتها وانحصرت في الشكل لا الموضوع لتعد رواية ميتاسردية.

ومع ذلك كان الشعور بالقصور في الإنصاف عند الناقد حاضرًا إذ لا نجده يقطع نهائيًا بما يذهب إليه من تحديدات ميتاسردية إزاء النصوص المدروسة ومن ذلك قراءته لنص (بكتريا المتاحف) لحسن كريم عاتي التي لا يحسم الناقد أمر اشتغالها السردي بقطعية تامة، بل ظل متأرجحًا إزاءها ما بين ما وراء القص وكتابة التاريخ فقال: «تركز اركيولوجيا القص في نص بكتريا المتاحف على إمكانية فهم حقبة من التاريخ من خلال ما ترسب في هذه الحقبة من لقى ومسكوكات أو أوان ومخطوطات تمثل تلك الحقبة فماذا عن المدن التي تعرضت في التاريخ للطوفان والطاعون معًا؟ وكيف اندثرت المخطوطات والآثار تحت الأنقاض»  فإذا كان هذا رأيه فلماذا إذن أدرجها في الميتاسرد؟ وهو الذي تساءل "كيف سيكون شكل البحث الناجم عن هذه الاركيولوجيا في القصة" وكما أن الرواية المتعددة الأصوات ليست ميتاسرد، كذلك رواية الميتاسرد ليست رواية التاريخ بالضرورة لأن هذه الأخيرة لا تقوم على الميتاسرد وحده وإنما قد تعتمد على الذاكرة أو السيرة الذاتية الروائية أو السرد السير ذاتي.

ووفقًا لهذا التعاطي تصبح الأعمال الروائية كبصرياثا ومحنة فينوس وليلة الملاك روايات تاريخ بينما تعد رواية حكايات دومة الجندل والراووق روايات ميتاسردية.

ويبدو أن ما وقع فيه الناقد جاسم كان قد وقع فيه الدكتور رسول محمد رسول في كتابه (السرد المفتون بذاته) وهو يحاول الربط بين الميتاسرد والميتا تاريخ فبعد أن توصل إلى حرية المؤلف /الناص في الاستعانة بالسرديات المنجزة كالحكايات التاريخية في بناء الأعمال الروائية  عاد ليدمج الاشتغالين البنائيين معًا اعني الميتاسردي والميتا تاريخي وهو بصدد مفهومي المؤلف/الناص..

 إذ يجعل الناص متواريًا خلف الميتاسرد أو ما سماه السرد المفتون بذاته في قوله: «إن الناص المركزي هنا لا يتوارى إلا ليظهر عبر تلك السرديات الواقعية بصوته الكلي الذي يدلقه عبر خطاب عمله الروائي وفي السرد المفتون بذاته يدندن الناص متواريًا خلف حكايات متعددة»  وهو هنا يعني بالناص (السارد) الذي هو كيان تخييلي في الميتاسرد أو بنية داخل نصية.

 بينما يجعل هذا الناص مركزيًا وفي الميتاسرد أيضًا في قوله: «في السرد المفتون بذاته يتحول الناص إلى فاعل منظور بل يحضر كمؤلف منظور.. صار بوسع المؤلف أن يقدم ذاته بوصفها مواضعة لرواية أو وجهة نظر تقدم منها الرواية وبذلك زحزح المؤلف المنظور فيها المؤلف الضمني عن موقع رؤيته»  وهو يعني هنا بالناص (المؤلف الحقيقي) كبنية خارج نصية..!!

وهذا يعني أن الالتباس عائد إلى عدم فك الاشتباك بين مفهوم الناص كمؤلف بوصفه بنية خارجية وبين الناص كسارد الذي هو كيان نصي داخلي.

وبالطبع فإن الرؤية الأولى التي يكون فيها الناص ساردًا تندرج في إطار الاشتغال على السرد الميتا تاريخي بينما تكون الرؤية الثانية التي يكون فيها الناص مؤلفًا حقيقيًا ستندرج في إطار الاشتغال الميتاسردي الذي هدفه القارئ كبنية خارج نصية يتم توطيد عملية تفاعلها أو تشاركها من قبل المؤلف لأجل إنتاج الداخل نصي للعمل الروائي وهو ما لا تراهن عليه رواية التاريخ لأن بغيتها ليست كسر أفق توقع القارئ وخلق مسافة توتر جمالية وصنع عتبات وتموضعات وفجوات تستفز القارئ وتغالبه أو تتحداه؛ وإنما هدفها تحريك الثابت المدوّن لأجل خلخلته وترشيحه وغربلته وكشف مخبوءاته وما تم السكوت عنه أو تغييبه من أخبار أو مرويات أو حيوات ورفع الغبار عنها واستجلاء عتمتها لأجل أن تبدو واضحة للعيان..

وإجمالاً.. فإن رواية الميتا سردي تلتقي برواية التاريخ من ناحية البادئة (ميتا) أو (ما وراء) كونهما تثوران على تقليدية الاشتغال السردي لتنتجا اشتغالاً سرديًا مغايرًا لكن ما يأتي بعد هذا التثوير هو ما يجعلهما مختلفتين في بعض تقاناتهما وأساليبهما.

وإذا كانت رواية الميتاسردي قد وظفت التاريخ في شكل حكاية أو مخطوطة أو وثيقة أو ما شاكل؛ فإنها لم تنقلب عليه كونها توجهت منشغلة بفنية الشكل الكتابي لا مرجعيته محاولة اقتناص جماليات جديدة تترشح كسرد ما وراء روائي فيه القارئ هو الهدف المركزي الذي تضعه هذه الرواية نصب عينيها ككيان فعلي لا ضمني وبمقصدية خلخلة أفق توقعاته وانتظاراته صانعة له فراغات وفجوات جمالية على مستوى التلقي القرائي يتوجب على القارئ فك شفراتها السردية ومن هنا يصبح منطقيًا القول بانتفاء مقصدية انقلاب رواية الميتاسردي على موضوعة التاريخ ووقائعيته الذي هو في الأصل موضع اهتمام رواية التاريخ ومركز اشتغالها.

ولا غرو أن إثبات صحة تسمية على أخرى أمر محال لان ذلك يتطلب توافقًا نقديًا عربيًا من نواح مختلفة تتصل نظريًا بالترجمة والفلسفة والتاريخ واللغة والنقد والسرد ومع ذلك فإن إمكانية اجتراح توصيف ما والاهتداء إليه، لا يفسد في المسألة أمرًا ولا يصادر توجهات معينة كما لا يناقض توجهات أخرى وإنما هو اجتهاد لا نقدمه إلا على سبيل الاقتراح والتصنيع..

وهذه التسمية التي نجترحها للرواية التي تستثمر التاريخ إنما تتطلب بروتوكولات بناء من قبيل التمثيل والمرجع والميتا سرد والانتماء وهي بمثابة آليات عمل ما بعد حداثية تتبنى رؤى نظرية بإزاء الزمن والذاكرة وتفيد أيضًا من الدراسات النسوية للجنس والجسد وتستعين بالدراسات الثقافية حول بنيتي المركز والهامش.. لتؤدي دورها كمضادة أو بديلة للتاريخ.

وتسهم مكونات بنائية بعينها ومواضعات فنية محددة في ولادة رواية التاريخ ولادة طبيعية من رحم مقتضيات منطقية وموضوعية كما تعزز في الآن نفسه نجاح تلك الولادة وقد تمدها بمقومات النماء والصيرورة ليكون لها شكلها السردي الخاص وسيرورتها المميزة...

 

الإحالات:

1 - ينظر: المثقف والسلطة، إدوارد سعيد، ترجمة د. محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، طبعة أولى، 2008/ 75ـ83.

2 - ينظر: المرجع السابق /105

3 - السردية العربية الحديثة تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة، عبدالله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء طبعة أولى، 2003.

  التاريخي والسردي في الرواية العربية، فاضل ثامر، دار ابن النديم للتوزيع والنشر، الجزائر.

4 - المرجع السابق /15

5 - ما وراء السرد ما وراء الرواية، عباس عبد جاسم، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، طبعة أولى، 2005/18ـ20.

6 - ينظر: المرجع السابق / 30.

7 - ينظر: المرجع السابق / 72.

8 - المرجع السابق / 78.

9 - المرجع السابق /105ـ106.

10 - المرجع نفسه.

11 - المرجع السابق /107.

12 -  جماليات القطيعة الجديدة في القصة العراقية، عباس عبد جاسم، دار الغسق للطباعة، الطبعة الأولى، 2002/40

13 - المرجع السابق / 45

14 - المرجع السابق / 46

15 - ينظر: السرد المفتون بذاته من الكينونة المحضة إلى الوجود المقروء، د. 16 - رسول محمد رسول، دائرة الثقافة والإعلام الشارقة ط1، 2015/ 163.

17 - المرجع السابق / 164.

18 - المرجع السابق / 165.


عدد القراء: 453

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-