العلاج بالكي عند البدو كما رصده الرحالة الغربيونالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 09:48:03

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

يعرف بدو العراق والجزيرة العربية والخليج منذ العصور القديمة فنون الطب، ويُمارسونها استنادًا إلى طرق قديمة، مجربة وناجعة، إذ يوجد بين البدو، رجالاً ونساءً، يتمتعون بسمعة طيبة كمعالجين للأمراض، يُسمون "المداوين"، لا يأخذون أجرًا، وإنما يُقدمون نصائحهم الطبية من دون مقابل، وبينهم من يقوم بإجراء بعض العمليات الجراحية البسيطة، وتجبير الكسور، وتقويم الأعضاء المكسورة أو المخلوعة بواسطة "جباير"، ويُسمون الشخص الذي يقوم بهذه العملية "جبارة".

يمتلك بدو العراق والجزيرة العربية والخليج الكثير من الخبرة في الطب الشعبي، ويستفيدون من النباتات والأعشاب البرية الصحراوية في علاج الكثير من الأمراض المختلفة، إما بتناولها في صورتها الخضراء الطبيعية، أو باستخلاص وصفات طبية من مكوناتها، وقد وهبهم الله من الأعشاب النامية في الصحراء، ومن الحكمة التي حصل عليها شيوخهم، والتجارب التي مرت بهم؛ ما يُحقق الشفاء بهذه العلاجات البسيطة. كما أن لحم بعض الحيوانات، كالثعالب والضباع والفهود وغيرها، يُستعمل كعلاج لبعض الأمراض أيضًا. ومن البحر أخذوا الطحالب والطين والأعشاب البحرية واللآلئ. ومن الأسماك تداواو بزيوتها وعظمها ولحمها وجلدها وبطنها. وكذلك عالجوا الأمراض الجلدية للإنسان والحيوان على السواء بالنفط. ونظرًا لأن العلوم الطبية بدائية لديهم، فقد سادت الفكر البدوي غرائب الخرافات والأساطير، والتعاويذ والأوهام، منها ما أورثه الجهل بحقيقة الأمور والمعارف، ومنها ما أوحته ضراوة الطبيعة وقساوتها.

يستعمل البدو الكي طلبًا للاستشفاء من مختلف الأمراض، وهو رأس الدواء عندهم؛ ويقولون "لما غضب لقمان الحكيم من الداء رماه بالنار"، ولهذا يُعالجون آلام البطن، ووجع الرأس والمعدة والظهر، وسائر الأمراض الباطنية بالكي، وذات الجنب، وأم جنوب، وهي مرض في الأمعاء في الجنب، والطرف، وهي برودة تعقبها سخونة وقيء، والزرد، وهو ألم بالرقبة، والكحة الشديدة، والحبة أو البثرة. ويُعالجون به أنفسهم، والخيل والإبل، وسائر الحيوانات، ويعتقدون أنه أنجع الأدوية في داء المفاصل، والأمراض النفسية والعصبية. إلا أن البدو يفرطون في استعمال الكي، فهم يستعملونه في كل الأمراض تقريبًا، ويسيئون استعماله بكثرة، وفي أي مكان، فهم يكوون سواعدهم، ويجعلون الكية بقدر القرش، فيتعفن الجرح، وتتقيح الفتحة وتبيض؛ فتشبه قطعة النقد. ويُحظرون على الجريح شم روائح المواد العطرة كالريحان، والعنبر، والمسك، إذ يعتقدون أن ذلك يؤدي إلى ورم الجرح، وربما الموت. وللحماية من ذلك يضعون له في أنفه سدادتين من خرقة ما مثبتتين على نهايتي خيط مثبت حول الرقبة، وتحتويان على ما يسمونه براز الشيطان "حلتيتة".

يستخدم البدو العلاج بالكي بالحديد الحامي للأجزاء المريضة للجسم في طلب الاستشفاء في العديد من الأمراض، وهي عادة قديمة عند معظم القبائل العربية البدوية، باعتبارها طريقة شعبية للعلاج من الأمراض. ويستخدمون في عملية الكي، سيخ تذخير البندقية، المسمى "المدق"، أو سيخ حديد حامي ذي رأس مستدير يُسمى "مرقاع"، أو مغارز الخيام بعد حميها على النار حتى الاحمرار، أو مسمار متوهج، ويستخدمون الأخير للأطفال، خاصة عند إصابتهم بالزنطارية. ويشعلون النار في خرقة ملفوفة تُسمى "عُبطة"، ويضعون نهايتها المشتعلة على الجرح المفتوح لإيقاف نزيف الدم1. بالإضافة لاستخدامهم الرمل الساخن، بأن يتقلب أو ينام عليه المريض أو الجريح، ثم يقوم آخرون بتغطيته به؛ في محاولة لإيقاف نزيف الجروح، أو علاج بعض الأمراض، وخاصة الجلدية. وفي حالة الإصابة بالرماح فإنهم يقومون بنوع خاص من الكي، بأن تُحفر حفرة صغيرة، ثم تشعل فيها النار، حتى إذا خفت حرارة النار، وضعوا العضو المصاب داخل الحفرة بطريقة خاصة، وهي عملية شاقة إلا أنها في الغالب يعقبها الشفاء2.

يذكر الرحالة الإنجليزي صموئيل إيفرز Samuel Evers، الذي يمر بالخليج العربي والعراق والشام قادمًا من الهند في طريقه إلى أوروبا سنة 1779، أن البدو يستخدمون الكي لعلاج لدغات الأفاعي، فيذكر أن أفعى لدغت مرافقًا له في إصبع قدمه، وتسببت في ورم غير عادي، وبدأ مفعول السم يتفاقم، إلا أنهم قاموا بإحماء قضيب حديدي، ثم كوي الإصبع المصاب حتى العظم، ويؤدي ذلك إلى منع النتائج المريعة للسم، وخلال وقت قصير، وبمساعدة الأدوية، يُشفى3. ويشير الرحالة الإنجليزي ريتشارد بيرتون Richard Burton، الذي يقوم برحلته إلى الحجاز في عام 1852/ 1853، أن البدو يستعملون الكي للاستشفاء من مرض الروماتيزم4.

يعتقد الرحالة البريطاني وليم جيفورد بالجريف William Gifford Palgrave، الذي يقوم برحلته في وسط وشرقي الجزيرة العربية بين سنتي (1862-1863)، أن الكي هو العلاج الوحيد الذي يشيع استعماله بكثرة بين البدو في كل الأمراض تقريبًا، ويتحمله الناس بصبر، يستثير الدهشة والعجب، ومهما كان الألم، وأينما كان موضوعه، تجدهم يستعملون ميسم الكي بعد تسخينه، وإذا ما تأوه المسكين وجأر بالشكوى من الألم بعد انتهاء الكي، فمن المؤكد أنه سيُكوى مرة ثانية أيضًا. ويحصلون بذلك على تسكين مؤقت للألم على حساب ضرر بالغ فيما بعد. وأحيانًا يكوون صدر المريض كل. ويشير بالجريف إلى أن الكي هو العلاج الوحيد لمرضى الروماتيزم، وقد شاهد طبيب بيطري يكوي بطن امرأة شابة من ضحايا هذا المرض كيًّا شاملاً فزادها آلامًا، ورأى صبيًا محبوسًا بمرض الصرعة مكويًا من قمة رأسه إلى أخمص قدميه؛ لكن من دون فائدة. وقد استمع إلى شاب من أسرة نبيلة أصيب بالجنون، وفي رأسه كيّة مستديرة نفذت حتى العظم5.

يشير الرحالة الإنجليزي تشارلز داوتي Charles Doughty، الذي يجوب جزيرة العرب (1876-1878)، إلى أن الطب الشعبي البدوي يقوم على الكي بالنار، والحجامة في الرأس والعنق والظهر، ويترك الكي قروحًا، وقد شاهد آثار الكي على وجوه نساء شابات أردن التخلص من الصداع. ولما تعرض بعيره لحادث ذات صباح، وأنيخ وهو يئن، وأوثق بعض الرجال أرجله، ثم أمالوا جسمه الضخم، وسدحوه أرضًا بسواعدهم القوية، وتفقد الخبراء منهم مكان الألم، ووضعوا حديده في الجمر، وقاموا بكيه، وأخيرًا يؤكد أن "الكي لا تخلو منه أية عملية جراحية في الصحراء"6.

يقضي الرحالة الهولندي كريستيان هيروجرونجي Christiaan Hurgronje، عامًا كاملاً في الحجاز (1884-1885)، فيذكر أن المكيين يُغالبون العديد من الأمراض والأوبئة، التي تنتقل إليهم عادة خلال مواسم الحج، كالجدري والسل الرئوي، والنزلات المعوية، والالتهابات الرئوية، بالاستعانة بوسائل الكي والحجامة7. ويشير الرحالة الألماني ماكس فون أوبنهايم Max Von Oppenhiem، الذي يقوم برحلته من البحر المتوسط إلى الخليج العربي في عام 1893، إلى استعمال البدو للحديد الساخن في الكي ضد مختلف أنواع المرض والسقم، ولجميع أجزاء وأعضاء الجسم، فيكوي البدوي الرأس مثلاً ضد الحمى، التي تنجم عن الانخفاض السريع لدرجة الحرارة في الليل، ومن الفنون أو المهارات التي يملكها البدو شفاء المرضى عن طريق الكي، الذي يؤكد أنه معروف لدى العرب منذ القدم8.

يحكي الرحالة البريطاني هارولد ديكسون Harold Dickson، الذي يقضى متنقلاً بين عرب صحراء العراق والجزيرة العربية السنوات (1914-1936)، أن ابن شيخ كريم المنبت من فخذ الشقير لقبيلة المطير، قد هام على وجهه مخبولاً من أجل فتاة مطيرية قابلها بين الإبل، واعتقد بعض أفراد قبيلته أن ما أصابه ليس إلا بسبب سيره فوق أحد القبور ليلاً بطريق المصادفة، وأن جنيًا خرج من القبر وتملكه وسيطر عليه، لذلك جربوا فيه الكي بالنار، على رأسه ورقبته وظهره، ولكن من دون جدوى. ويؤكد على استخدام البدو الكي بالنار في معالجات وجع الرأس، وأوجاع البطن والمعدة، والظهر، إما على الظهر، أو في البطن، أو في أسفل الصدر، ويقومون بكي بطن المصاب على شكل (x). ويعتبرون الكي من المعالجات الرئيسة لأمراض كثيرة، وبعض هذه الأمراض خطرة جدًا؛ كمرض السل، إذ يقوم الأهل أنفسهم بمعالجة المريض بكيّه على اليد اليسرى، وينتظرون فإذا لم تعط هذه المعالجة نتيجة بعد 15 يومًا، وغالبًا لا تعطي شيئًا، يكررون الكي على اليد اليمنى، ثم أخيرًا يجرى الكي على ظهر اللسان، الأمر الذي يتسبب في آلام لا تُطاق، ويتوقف المريض بسببها عن الكلام عدة أيام، ثم بعد ذلك يتوقفون عن أية معالجة، لأن تلك المعالجات غالبًا ما تنتهي بالوفاة، وهو ما يجعله يُقرر أن العلاج بالكي دواء "غير فعال".  ويشير إلى أنهم يستخدمون الكي لعلاج مرض الغش الذي يصيب الإبل، وتسببه لسعة من ذبابة "السرة"9.

يؤكد الرحالة الأمريكي وليم سيبروك William Seabrook، الذي يقوم بمغامراته في بلاد العرب عام 1935، أن الكي بالحديد المحمي، أو دبس السكر المغلي، معالجة شائعة لكل القروح والجروح في الإنسان والحيوان، حيث رأى البدو يكوون قرحًا نازفًا في وجه فرس كيًّا ناجعًا، وفي غضون ثمانية أيام اندمل الجرح تاركًا ندبًا واضحًا10.  وأصيب الرحالة الألماني لوثر شتاين Lohar stein ، الذي يقوم بزيارة مشعان الفيصل الجربا شيخ قبيلة شمر في عام 1962، بجروح فوق الكعبين نتجت عن ركوبه الإبل من دون جوارب وحذاء ذي رقبة، ومن جراء الاحتكاك حدثت له التهابات وآلام شديدة، فتفحص بعض البدو الجرح، وأشاروا عليه بعلاجه بواسطة الكي، أي حرقه بواسطة شيش حديدي ساخن جدًا، لكنه رفض ذلك، واعتبره "تضحية". ثم يشير إلى أنه علم لاحقًا أن العلاج بالكي للأجزاء المريضة للجسم عادة قديمة عند قبائل شمر وغيرها من القبائل العربية، والكثير منهم أطلعوه على علامات الكي على أذرعهم وسيقانهم، أو على رؤوسهم وبطونهم، ثم يذهب إلى أن "مثل هذه الوسائل العلاجية تكون أقل فاعلية"11.

 

المراجع:

1 - جوهن جاكوب هيس: بدو وسط الجزيرة (عادات– تقاليد- حكايات وأغان)، محمود كبيبو (ترجمة)، محمد سلطان العتيبي (تقديم)، (بغداد: دار الوراق للنشر المحدودة، 2010)، ص 274، 275.

2 - حافظ وهبة: جزيرة العرب في القرن العشرين، (القاهرة: دار الآفاق العربية، 1956)، ص 118.

3 - صموئيل أيفرز: رحلة صموئيل أيفرز  من البصرة إلى البحر المتوسط سنة 1779، أنيس عبد الخالق محمود (ترجمة وتعليق)، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013)، ص 86.

4 - أحمد عبد الرحيم نصر: التراث الشعبي في أدب الرحلات، (الدوحة: مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، 1995)، ص 55.

5 - وليم جيفورد بالجريف: وسط الجزيرة العربية وشرقها، ج1، صبري محمد حسن (ترجمة)، (المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001(، ص 182، 183.

6 - أحمد عبد الرحيم نصر: مرجع سابق، ص 153، 158.

7 - سنوك. سي. هيرجرونجى: مكة في أواخر القرن التاسع عشر، صبري محمد حسن (ترجمة)، جمال زكريا قاسم (تقديم)، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007)، ص 23.

8 - ماكس أوبنهايم: رحلة إلى ديار شمر وبلاد شمال الجزيرة، محمود كبيبو (مراجعة وتدقيق)، (بغداد: دار الوراق للنشر، 2007)، ص 167.

9 - ديكسون: عرب الصحراء، (بيروت: دار الفكر المعاصر، 1996)، ص 133، 134.

10 - ويليام ب. سيبروك: مغامرات في بلاد العرب، عارف حديفة ونبيل حاتم (ترجمة)، (دمشق: دار المدى للنشر والتوزيع، 2006)، ص 104.

11 - لوثر شتاين: رحلة إلى شيخ قبيلة شمر مشعان الفيصل الجربا سنة 1962، قسم الترجمة في المؤسسة (ترجمة)، (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2011) ص 71. 


عدد القراء: 1463

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-