وصايا رايت العشر بين وظيفية لو كوربوزيه وتفكيكية يزنمانالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 09:57:06

أ.د. بدر الدين مصطفى

أستاذ علم الجمال- آداب القاهرة

لا يعتبر المعماري الأمريكي فرانك لويد رايت Frank Lloyd Wright ، المولود في 8 يونيو 1867, أحد أعظم عباقرة العمارة الحديثة فحسب، ولكنه امتاز عن أقرانه كذلك بكونه أشهرهم وأبرزهم وأكثرهم إثارة للجدل وللإلهام في الوقت نفسه. فقد كان كاتبًا، وهاوٍ للفنون، وفيلسوفًا صاحب رؤية كان لها تأثيرها الكبير على النهج الذي تبناه في تصميماته المعمارية. أما شهرته فنبعت من أساليب أربعة انتهجها في البناء والمعمار. فقد أبدع "طراز البراري" Prairie Style الذي كان وليد قناعته بأننا بحاجة إلى مساحات أكبر ولكن بعدد محدود من التركيبات التي تتميز بالتدفق والسلاسة، وهو طراز يناقض ما اتصف به المعمار الفيكتوري من جمود. ومن هذا الأسلوب خرج "الطراز النسجي" Textile Style، والذي بدوره مهد الطريق إلى "الطراز الحيوي" Organic Style، ثم "الطراز الأوسوني" Usonian Style. وقد آمن رايت بضرورة أن يكون البناء نابعًا من الأرض ومرتبطًا بها، وأسس استلهاماته وفق هذا الإيمان. وكان فكره المعماري طليعيًا في عصره، ولا تزال مبادئه المعمارية محل تطبيق في عصرنا هذا.

كتب رايت مجموعة من الوصايا أو المبادئ التي تمثل قناعاته الشخصية التي طبقها في تصميماته، ومثلت في ذاتها مبادئ معيارية للمعماريين من بعده، وهي كالآتي:

1. "على المعماري أن يكون نبيا...نبيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى...فإن لم يتمكن من استشراف عشر سنواتٍ من المستقبل لا يمكن أن ندعوه معماريًا".

الحق أن فرانك لويد رايت كان سابقًا لعصره. فقد اعتبرت تصميماته للمنازل إبداعًا من خارج هذا الكوكب، وصادف الناس صعوبة في فهم رؤيته والإحاطة بها في وقتها. على أن أغلب الأعمال المعمارية الحديثة قد أضحت تستوحي أفكاره ومبادئه.

2. "كل مهندس معماري عظيم هو بالضرورة شاعر عظيم. لابد له من أن يكون مرآة أصيلة لعصره وحاضره وجيله".

جاءت بداية شهرة فرانك لويد رايت مع طراز البراري المعماري؛ وهو الطراز الذي تميز بالأسقف المائلة المنخفضة، والحواف وكنارات السطح البارزة، والمدخنة في الوسط، والمخططات الأرضية المفتوحة التي أراد لها أن تكون نقيضًا لمعمار العصر الفيكتوري الذي اتصف بجموده وانغلاقه. ومن هذا المنطلق، أراد رايت الارتقاء إلى "الطراز النسجي" الذي انتهج معمارًا خطيًا بدرجة أكبر، ممتزجًا بتأثيرات من معمار حضارة المايا، وكان من الطبيعي أن تمهد هذه المرحلة إلى ما أسماه رايت "المعمار الحيوي" والذي يستمد مواده من الخامات الطبيعية، متأثرًا بالأسلوب المعماري الياباني. وسرعان ما انتقل العبقري المعماري إلى "الطراز الأوسوني". ولا يصعب على أي متخصص أن يلحظ أن كل طراز وأسلوب كان وليد ما سبقه.  

3. "لابد أن يكون هناك أكثر من طراز وأسلوب لبناء المنازل بتعدد أنواع وأنماط البشر، وأن تكون مختلفة متمايزة بقدر اختلافهم وتمايزهم. فلابد للإنسان صاحب الشخصية المتفردة أن يعبر منزله وبيئته الخاصة عنه". 

تمتاز أعمال فرانك لويد رايت بأسلوب متميز وفريد من نوعه. فلن تجد في معماره منزلان أو بناءان متشابهان.

4. "ينبغي لأي بناء أن ينبثق من موقعه بكل سلاسة وأن يتناغم مع بيئته المحيطة به، خاصة إذا كان للطبيعة حضورها القوي من حوله".

لابد لنا من أن نلاحظ أن ما شيده هذا العبقري المعماري من مبان في منطقة الغرب الأوسط في الولايات المتحدة تختلف بشكل كبير في طبيعتها ونمطها وموادها الخام عن المباني التي صممها في أريزونا ولوس انجليس وبنسلفانيا. فكل نمط فريد من نوعه ويختلف باختلاف تضاريس الأرض التي شيدت عليها تلك المباني.

5. "إننا لا ينبغي أن نشيد المنزل على تبة أو مرتفع أو على أي شيء. بل نحن نشيده من قلب المكان، منتميًا إليه. حيث يجب أن يتعايش التل مع المنزل متوائمين يسعد كل منهما بالآخر".

تبرز هذه الفكرة بالذات في طرازه الحيوي. وربما اعتبرنا منزل "الشلال" Fallingwater نموذجًا عليها، حيث اندمج المنزل بالأرض فصارا كيانًا واحدًا.

6. "العمارة أصل الفنون. وحضارة بلا معمار تتفرد به هي حضارة بلا روح".

كان فرانك لويد رايت يمارس المعمار من منطلق رؤيته لصورة المستقبل. فقد رأى أن هناك ضرورة لأن تكون المنازل اكثر سلاسة وانسيابية وانفتاحًا، ورأى حياةً أسهل من دون قيود. كما رأى الاحتياج للبناء من الأرض وللأرض. فجاء معماره توثيقًا لعصره وكذلك نجح في التأسيس لمقاربة معمارية فلسفية حديثة لمستقبل المعمار.

7. يقول لمايك والاس، المحاور الإعلامي والصحفي الأمريكي الشهير، في العام 1957: "أريد معمارًا حرًا. معمارًا ينتمي إلى المكان الذي شيد فيه، يكون نعمة للبيئة من حوله لا نقمة عليها. إن عملاءنا يرسلون إلينا بخطابات يخبروننا فيها بأن ما شيدناه لهم من مبانٍ قد أسهم في تغيير نمط حياتهم كليًا، بل ووجودهم من الأصل. والأمر اليوم يختلف عن الماضي. وأنا عازم على القيام بذلك لأجل بلادي".

من المؤكد أن هذا هو ما تحقق له. لم يفهم مايك والاس مصطلح "حيوي" وكان على رايت أن يبين له أنه يقصد به الطبيعة، وأن المعمار الحيوي هو في جوهره معمار الطبيعة. واليوم، وبعد خمسة وخمسين عامًا، تسنى لنا أن نفهم المعمار الذي تحدث عنه منذ أكثر من نصف قرن مضى.

8. "البناء المثالي لا يؤذي الطبيعة، ولكنه يزيدها جمالاً على جمال، وبدرجة تجعله إضافة جمالية زادت من بهاء المكان".

يمثل رايت نموذج الخطوط المعمارية الواضحة البسيطة. وكان إيمانه هو أن البناء الأمثل هو ذاك الذي يتكامل ببيئته المحيطة. ولم يعجب إطلاقًا بما اتصفت به الأنماط المعمارية السابقة عليه من مبالغة في التفاصيل الدقيقة والزخارف.

9. "المعمار حياة، أو هو على الأقل تشكيل للحياة وتجسيد لها، وبالتالي فهو أصدق تسجيل للحياة كما عشناها في العالم بالأمس واليوم وفي المستقبل".

ربما كان المعمار أصدق توثيق للحضارات، نموها وتطورها وحياتها. فالفن يبوح بأسرار لحظة من لحظات الزمن، بينما يبوح المعمار بحكاية ماضٍ وحاضر ومستقبل. نأخذ عنه ونتطور ونتجاوز ونتقدم. انظر إلى منازلنا الحديثة اليوم. انظر إلى خطوطها المستقيمة، ومساحاتها الواسعة المفتوحة، وإلى الأسقف المنخفضة وكيف تتكامل بسلاسة مع التضاريس والأمكنة على تنوعها. ولا شك في أننا نرى تأثير فرانك لويد رايت حاضرًا بقوة في كل منها.

10. "العمارة ليست بمعزل عن الفنون الأخرى، بل ثمة علاقات تبادلية بينهما".

يُعتقد أن متحف ججنهايم في مدينة نيويورك هو أهم إسهامات فرانك لويد رايت في فن العمارة وكذلك في علاقته بمجمل الفنون الأخرى. فقد نجح في توحيد وصهر تاريخ البشر والزمن والفنون والعمارة في كيان واحد. ففي هذا الكيان الحداثي تتعايش الفنون والعلوم والطبيعة والمعمار والأنثروبولوجيا معًا بكل وئام. وعبر هذا البناء، تحققت الريادة لرايت في التأسيس للعديد من الخطوط المعمارية التي صارت اتجاهًا سائدًا في عمارة عصرنا الحالي. فلقد كان صاحب رؤية حقيقية وعبقريًا معماريًا سبق عصره بعصور.

فرانك لويد رايت عبقرية معمارية فذة، واشتهر برؤيته الثاقبة التي طالما كانت مثار الجدل والنقاش. وقد أكسبته نظرياته وقناعاته التي آمن بها مكانة مرموقة بين أقرانه. وظلت آراؤه وتأملاته وتنبؤاته من بعده إلهامًا لكل فنان ومعماري عصرنا على اختلاف توجهاتهم. فعلى سبيل المثال سنجد مبادئه متحققة في أعمال لو كوربوزيه وبيتر آيزنمان، على ما بينهما من اختلاف ربما يصل إلى حد التناقض.

لوكوربوزيه رائد العمارة الوظيفية

كان المعماري الفرنسي لو كوربوزية معاصرًا لرايت. وقد مثلت نظريته المعمارية مرحلة رئيسة ومهمة من مراحل تطور "العمارة الحديثة" في فرنسا، فترة ما بين الحربين. واعتبرت أطروحاته الأسلوبية وأعماله المعمارية بمنزلة أمثلة ناصعة للفكر المعماري الحداثي ليس فقط في فرنسا، وإنما في مناطق عديدة من العالم. كان لو كوربوزيه شخصية متعددة الاهتمامات، فبالإضافة إلى كونه معمارًا مجددًا كان مخططًا للمدن، ورسامًا وكاتبًا، ومصممًا ومنّظرًا، وساهمت اهتماماته المتعددة تلك إلى تكريس حضوره اللامع في المشهد المعماري العالمي. وعلى الرغم من أن الأبنية التي نفذها لوكوربوزيه تعد قليلة نسبيًا لكن كل منها كان بمثابة خطوة كبيرة في تطور مبادئ "العمارة الحديثة". وتمتاز المباني التي صممها بحضور واضح للمعايير للهندسة الخالصة المعتمدة على الأشكال الأساسية كالمكعب، ومتوازي الأضلاع والأسطوانة، وقد كتب يقول ذات مرة "أن مشاكل البناء الحديث الكبرى يمكن حلها فقط عبر استخدام الهندسة المنتظمة. إذ يتجه مهندسو اليوم نحو إنتاج الكتل ذات الخطوط الهندسية الواضحة فيكتشفون أشكالاً واضحة وقوية التأثير، تريح الأبصار وتوفر للعقول متعة النظر إلى أشكالها الهندسية. كذا هي المصانع، أولى ثمار العصر الجديد. وهكذا يضع مهندسو اليوم أنفسهم في اتساق مع ذات المبادئ التي طبقها أمثال برامنته ورافائيل منذ زمن بعيد".

يتضح من عبارة لو كوربوزييه  إن التشبه بالآلة وبنتاج المهندسين الصناعيين لا يُراد به الوظيفية البحتة Pure Functionalism، بقدر ما يُراد به التعبير عن إنجازات مهندسي العصر الصناعي في تقنين نماذج نمطية اعتمادًا على حجوم هندسية بسيطة يسهل التعامل معها ضمن إمكانيات الصناعة الآلية، وهي في ذات الوقت ذات مظهر جمالي جاذب.

إن الحقبة الجديدة في رأي لو كوربوزييه لابد أن تعبر عن روح العصر الصناعي الذي يعتمد على التنظيم والنمذجة ضمن مواصفات ومقاييس معيارية تنسجم والأهداف المتوخاة من الأداة قيد التصميم. ومثلما هي الصناعة، أرادها لو كوربوزييه في العمارة. فكلما كان الحل بسيطًا ومباشرًا، كان أقرب إلى الأشكال الهندسية. لذا ذهب إلى أن الجمال في التصميم المعماري رهن استخدام الحجوم الهندسية البسيطة أو النقية أو التي تمثل الحلول التنظيمية النموذجية.

بيتر آيزنمان: تفكيك أم إعادة بناء؟

كان بيتر آيزنمان من أشهر معماري الاتجاه التفكيكي، آمن بأفكار دريدا حول علاقة الميتافيزيقا بالمعمار. وقد رأى أن فلسفة الحضور قد تجسدت عبر مفهومين مزدوجين هما: الوحدة والأصل. هذه المفاهيم بالنسبة له ناجمة عن الرغبة والحنين لدى الإنسان لمعرفة من أين أتى وما هو موقعه في هذا العالم. لذا فالإنسان يحتل موقعًا مركزيًا ضمن إطار العمل المعماري. أما المفاهيم الأخرى مثل الجمال والوظيفة، فهي كلها خاضعة للبعد البشري الذي يعتبر الإنسان حقيقة الكون المركزية. بالإضافة لذلك رأى آيزنمان أن إنسان ما بعد الحداثة  يتطور في عالم لا يحتوى نموذجًا مثاليًا موحدًا بل متعدد ومقطع. وانطلاقا من هذه الحقيقة رأى آيزنمان إن التساؤل الديني حول الأصل لم يعد متطابقًا مع عصرنا ويجعل الإنتاج المعماري منغلقًا في أفكار مسبقة كالمركز والنسق والتنظيم والوظيفة، وهي كلها تعمل على تساوي التعبيرات المعمارية.

من هنا رأى آيزنمان أن الهندسة الإقليدية والأفلاطونية لا يمكن أن تعبر وبسبب نقائها الجوهري عن حالة التعقيد والتقطيع التي تميز إنسان هذا العصر. لذا فلابد من القيام بثورة على "العمارة الحديثة" بغية تفكيكها وإعادة بنائها من جديد وفقًا لتلك المتغيرات. كتب آيزنمان قائلاً: "الكتل الأفلاطونية التي عمل عليها لوكوربوزيه لم تعد مناسبة لفهم الظواهر الحالية. التناظر غير قادر على أن يتكلم عن علاقاتنا مع المحيط؛ إنها أشياء أصبحت من الماضي." ويرى آيزنمان إنه يجب التخلص من مفهوم الوحدة والأصل كيما تتحرر العمارة من الميتافيزيقيا التقليدية، وهي "فلسفة الحضور" بمصطلح دريدا، وذلك لإسقاط النموذج الكلاسيكي للعمل المعماري. وسيغدو التفكيك عند آيزنمان بمثابة تمرد على كافة الصيغ التقليدية للتفكير ولفهم الأعمال المعمارية.

 


عدد القراء: 1470

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-