التفضيل الجمالي للألـوان في الثقافة العربيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 14:32:35

مصطفى أمزير

المغرب

اللون ظاهرة فيزيائية، وعلامة سميائية تواصلية، وذوق فني.. وهو بالإضافة إلى كل ذلك مستودع انتروبولوجي سحيق؛ فالصينيون القدماء، مثلاً، لاعتبارات ميثولوجية، رسموا الفضاء في ذهنهم ألوانًا: الشمال أصفر، والجنوب أزرق، والشرق أبيض، والغرب أحمر! أما الهندوس فقد أسكنوا في اللون الأحمر دلالة الحبور والبهجة. فيما حُمّل اللون الأسود لدى الفراعنة  بمعان ايجابية، عكس معظم الحضارات، فهو لون البعث والحياة الخالدة...

    بيضٌ صَنائِعُنا سودٌ وَقائِعُنا   

                            خُضرٌ مَرابِعُنا حُمرٌ مَواضينا

لو تفحصنا سلم الألوان العربية من زاوية الوظيفة التعبيرية - السلبية أو الإيجابية - التي تؤديها داخل السياق التداولي، لألفيناه على النحو التالي:

المقام الأول: شغله اللونان الأبيض والأصفر اللذان رمز بهما الإنسان العربي القديم إلى كل ما هو سام ورفيع في المثال والحلم. لونان استمدا وضعهما الاعتباري من الذاكرة الأسطورية؛ فهما معًا لونا الآلهة العربية القديمة (القمر والشمس). واللونان حتى وإن بديا متماهيين سميائيًا، إلا أن الأبيض كان دائمًا الأقرب إلى قلب هذا الإنسان في مواطن الجمال، والسمو، والعطاء...وإذا كان اللون الأصفر قد ارتبط في مُخَيِّلة العربي بالمتعالي، والنفيس... بصورة الشمس العظيمة الدافئة، فإن ذاكرته قد لازمت أيضًا بين هذا اللون وصورة الهجير المحرق القاسي، والرمال الصفراء الملتهبة... عكس القمر الأبيض الذي ظل دائمًا في النصوص الشعرية القديمة وديعًا أبدًا: صورة البدر المفلج ببياضه لسديم الليل الموحش، قمر السمر البارد على أطراف الحي أيام الصيف القائظ والشاهد على مغامرات الشعراء الليلية  الرقيقة...لذلك، ربما من هذه الزاوية، كان لونه الأقرب إلى قلب الشاعر من لون الشمس.

المقام الثاني: كان للأخضر، لون الخصب والدعة ورغد العيش... إلا أنه على الرغم من هذه التداعيات الإيجابية المصاحبة له في الثقافة القديمة، لم يستعمله الشاعر العربي القديم بوفرة؛ فهو لون الندرة المبحوث عنها، لون الحلم المفتقد أكثر منه لون الواقع والحقيقة؛ فالإنسان العربي لم يجد في هذا اللون، بتداعياته الساكنة الهادئة، صدى لعواطفه المستفَزَّة في بيئته الصحراوية القاسية؛ فهو أبدًا في فضائها قلقًا، متوترًا، مصارعًا للجدب والكثبان الزاحفة، والفراغ المقفر المميت... وهو دائم البحث عن الخضرة والماء المفتقدين.

المقام الثالث: في السلم الجمالي للألوان، كان للأحمر، لون وإن  تمظهر في الشعر الجاهلي مقرونًا في الغالب بصورة الدم المسفوح، إلا أن العربي كان فخورًا بلونه؛ صبَغَ به ثيابه وبنوده، وتغنى به انتشاء حينما كان يراه متدفقًا من وقع الحراب على أطراف  أعدائه...تقمص من خلاله العربي القديم قيم البطولة والشراسة، وتوسل به قربانَ عشقٍ لمحبوبته.

المقام الرابع: شغله اللون الأسود، لون الحزن والفقد... وما يثير في توظيف الشعراء لهذا اللون انتقالهم به، في بعض الاستعمالات، من الدلالة الأسطورية الشائعة باعتباره لونًا منَفِّرًا، إلى الدلالة الشعرية المحبَّبَة باعتباره ملمحًا جماليًا دالاً على الوسامة  في لمة و شَعر المحبوبة وعينيها.

المقام الأخير: في السلم الجمالي للألوان لدى الإنسان العربي القديم، شغله اللون الأزرق. دلالته ملازمة لمعاني الرعب والموت والتدمير... قد يكون مرجع ذلك في تاريخ الجزيرة العربية، حيث كانت تتعرض دومًا لغزوات الأعاجم الذين أشبعوا أرجاءها، بين الفينة والأخرى، قتلاً و تدميرًا وسبيًا...وقد كان هؤلاء، من غزاة الشمال والشمال الشرقي خصوصًا، ممن يملك  عيونا زرقاء، ولعل هذا ما جعل العربي يقرن الأزرق في ذاكرته اللونية بالتدمير والشؤم.

شكلت هذه الدلالات المتناسلة من اعتبارات أسطورية وتاريخية نماذج معيارية في الشعر العربي؛ على منوالها سار منطق التشكيل لدى كل الشعراء في تعاملهم مع الألوان؛ فهم إن مدحوا بالعطاء وسمو المقام، مثلوا لمعانيهما بصورتي القمر والشمس. وإن تغزلوا استدعوا نصاعة الأبيض، وإشراق الأصفر، ودلال الأحمر، وأخضر الدعة والنعمة ورغد العيش. وإذا هجوا وظَّفوا شؤم الأسود وعبوديته، وحقد الأزرق. وإذا افتخروا، استعملوا اللون الأحمر للفروسية، والأبيض للكرم، والأصفر للسيادة والملك، والأخضر لخصب المرابع...ألوان بدلالات ثابتة، داولها الشعراء وكرَّروها في قصائدهم، ولم يخرجوا عنها إلا كما خرج الشعراء المجددون عن عمود الشعر العربي توسيعًا في عناصر النموذج  أو تحويرًا خلاقًا في السياق المستوعب لتجاربهم الشعرية الخاصة...

لم يحد السلم الجمالي للألوان في المخيال الإسلامي كثيرًا عن هذا الترتيب؛ فالأبيض والأخضر لونا الإسلام الرمزيان؛ فالأخضر لون الجنة ونعيمها، والأبيض (النور) لون البهاء الإلهي ورحمته المضيئة لملكوت السماوات والأرض. فيما الأسود لون الكفر، والأزرق لون أهل النار كما يستفاد من قوله تعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) طه 102.

هذا السلم الجمالي للألوان سنجد له صدى واضحًا في المخيالين الفني والشعبي فيما بعد؛ فقد استلذ الذوق الفني العام "الألوان المباركة" (الأبيض والأخضر)عاكسا إياها في الزخارف والمنمنمات، والألوان المفضلة في الألبسة، وفي طلاء الأضرحة والمقامات الصوفية...كما تم تتويجها برمزيتها السيادية في المتخيل الشعبي لدى تفسيره للرؤى والأحلام . فيما نفر ذوق الناس من الأسود، وندر استعمالهم للأزرق.

ألوان الأناقة العربية

تُقدِّم بعضُ المصادر القديمة كالأغاني والموشى والبيان والتبيين...صورة عن الذوق اللوني الرائج في الحياة الاجتماعية العربية القديمة؛ فقد كان الرجال في العصر العباسي، مثلاً، يفضلون الأقمشة البيضاء ويبتعدون عن الألوان الفاقعة، ويتجنبون الأصفر. فيما يفضلون النعال السود، ويعيبون لبس الأحمر من الخفاف. ويحبذون التختُّم بالعقيق الأحمر، والفيروزج الأخضر، والمعراني الأحمر، والياقوت الأصفر.. ولا يتختمون بالذهب كما النساء، والصبيان والإماء.  فيما تُفَضّلُ النساء السراويل البيض، والمعاجر السود، ولا يلبسن من الثياب الأصفر ولا الأسود أو الأخضر، أو المورّد، أو الأحمر. كما يفضلن النعال المخضرة، ويبتعدن عن كثيرة الألوان والتخطيط، ويتطيَّرين من النعال الحمراء والصفراء. أما خواتمهن فكانت من فصوص الياقوت الأحمر، والزمرد الأخضر.

أما عن الفواكه والورود التي أحبتها الطبقات الاجتماعية الراقية، وتهادتها فيما بينها إيغالاً في طقوس الأناقة والظرف، فكانت على رأسها فاكهة الخوخ، والورد الأحمر؛ "أما الخوخ، فقد أطنبوا في وصفه، وأكثروا في مدحه، وزعموا أنه أشبه شيء بالخدود من التفاح، وأقرب شَبَهًا بالوجنات الملاح، لأنه يشاركها في البياض والسمرة، والأدمة والصفرة، والتوريد والحمرة." (الموشى ). لم تكن الفواكه والورود في عيني هذه الفئة مجرد تغذية أو رائحة زكية، وإنما أيقونات وجدانية وتشكيلاً لونيًا مشحونًا بكثير من شفرات التواصل العاطفي.

فيما اعتُمدت الألوان للتمييز في المراتب العسكرية والمقامات الاجتماعية؛ فقد كان لقواد ورؤساء الجند العباسيين دراعات خضر. وألزم الشعراء بالتزي بالأردية السود، تعبيرًا سميائيًا عن الموالاة السياسية لبني العباس الذين اتخذوا من هذا اللون رمزًا أيديولوجيا لدولتهم.

ما نود التأكيد عليه في الأخير هو أن الألوان لم تكن يومًا اختيارًا حياديًا بل جزءًا من المنظومة الرمزية للمجتمعات، استثمرت السياسةُ كما الأدبُ والفنُ نظامَه الإشاري المُشفَّر المتناسل عن الأسطورة والدين والأيديولوجيا.     


عدد القراء: 117

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-