خطاب الروائي الفرنسي فيكتور هوجو حول الملكية الفكرية (1878)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 15:17:25

د. مشاعل عبدالعزيز الهاجري

كلية الحقوق – جامعة الكويت - mashael.alhajeri@ku.edu.kw

ترجمة: د. مشاعل عبدالعزيز الهاجري

مقدمــة المترجمــة

فيكتور هوجو (Victor Hugo (1885 - 1802 هو واحدٌ من أعظم أدباء فرنسا وشعرائها، وهو مؤلف روايتيّ "البؤساء" (Les Misérables) و"أحدب نوتردام" (Notre-Dame de Paris) الشهيرتين واللتين يعرفهما كل قارئ للأدب العالمي. خاطب هوجو المؤتمر الأدبي الدولي (Congrès littéraire international) الذي عُقِدَ في باريس عام 1878، فألقى في الحضور كلمة مدوية كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على مسار التنظيم القانوني لمسائل الملكية الفكرية على الصعيدين الفرنسي والعالمي معًا.

في زمنٍ لم تكن تعتبر فيه الأعمال الأدبية مادةً للاستحواذ والتملك، كان هوجو يؤمن بأن الانتاج الفكري يصلح محلاً للحق، مثله كمثل أي مالٍ آخر، وبذلك، فإن حقوق المؤلف يجب ألا تصنف ضمن النطاق العام، فالإنتاج الفكري ينبغي أن يعتبر "ملكية" خاصة للمؤلف، مع أخذ الطبيعة الخاصة لهذا الانتاج بالاعتبار. من هنا، كان هوجو يرى أن الملكية الفكرية - بسببٍ من ارتباطها الخاص بالمؤلف - ينبغي ألا تنقضي إلا بعد وفاته، مع الاحتفاظ للناشرين بحقوق نشر عمل المؤلف مقابل مبلغٍ بسيط (royalties) يُدفع الى ورثته المباشرين. هذا، وقد انتهى الأمر بالمؤتمر بأن تبنى قراراتٍ تعتمد منظور هوجو تجاه الحقوق الدائمة للملكية الفكرية، مع دعوة الحكومة الفرنسية لاستضافة مؤتمرٍ دوليّ لإطلاق اتفاقيةٍ دوليةٍ تتبنى التنظيم القانوني لحقوق الملكية الأدبية. ورغم أن الحكومة الفرنسية لم تستجب للمطلب الأخير، الا أن الدعوات إلى وضع معاهدة دولية بهذا الشأن مثلت خطوةً كبيرةً باتجاه إبرام اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية (Berne Convention, 1886).

فيما يلى قمت بترجمة مقطعٍ مختار من خطاب هوجو هذا، وهو يتمثل بالجزء الخاص بوجه نظره حول فلسفة حقوق الملكية الفكرية من حيث المبدأ وما اذا كانت تصلح محلاً للملكية ابتداء، ثم علاقة ذلك بالتنظيم القانوني الأمثل لهذه المسألة، كما يراه. كما أن في الخطبة إشاراتٌ ملفتةٌ حول أوضاع المؤلفين، طبيعة الانتاج الفكري، الارتباط بين الفضائين العام والخاص، العلاقة بين الفرد والمجتمع، والمسيرة التطورية للفكرة من العقل إلى النشر. وبعد، فإن التصدي لترجمة هذا النص لم يكن أمرًا سهلاً، لا لصعوبة الترجمة بل لوطأة ثقلها القيمي، فصاحب هذا الخطاب هو واحدٌ من أعظم أدباء الفرنسية وواضع عددٍ من أكثر أعمالها الأدبية خلودًا. بطبيعة الحال، هذه ترجمتي كقارئ ذي خلفية قانونية، فمن هنا حرصت على ضبط المصطلحات وفق معانيها القانونية الفنية - لا الدارجة - ما استطعت (كمصطلحات "المحل"، "الملكية"، وعداها).

على حدّ علمي، هذا النص يُترجم إلى العربية للمرّة الأولى.

خطاب فيكتور هوجو حول الملكية الفكرية (1878) الملكية الفكرية هي للاستعمال العام.

جميع القوانين الملكية القديمة تنكر الملكية الفكرية، ولا زالت تنكرها. لأيّ غرض؟ بغرض السيطرة.

إن الكاتب/المالك هو كاتبُ حر؛ أن تصادر ملكيته هو أن تصادر استقلاله. يتمنى المرء لو أن الأمر لم يكن كذلك. هذا هو الخطر في المغالطة الملفتة – التي كانت ستكون طفولية لو أنها لم تكن غادرة – التي تقول أن "الفكر ينتمي للجميع، ولذلك فهو لا يصلح أن يكون محلاً للملكية، لذا فإن الملكية الأدبية هي أمرٌ لا وجود له".

يا له من إرباكٍ غريب!

فهناك أولاً الخلط بين ملكة التفكير، وهي عامة، وبين الفكرة، وهي فردية، فالفكرة هي أنا. ثم هناك الخلط بين الفكرة، وهي شيء مجرّد، وبين الكتاب، وهو شيء ماديّ. إن فكرة الكاتب، بما هي فكرة، تتفلّت من كل الأيدي التي تحاول الإمساك بها. إنها تطير من روحٍ إلى أخرى، إذ لها هذه الموهبة و هذه القوة – virum volitare per ora –؛1 ولكن الكتاب يختلف عن الفكرة، لأن الكتاب قابلٌ للإمساك به، إنه كذلك إلى درجة أنه يُمسك به ( يُراقب) أحياناً [ضحكٌ من الحضور]. إن الكتاب، بما هو منتجٌ للمطبعة، ينتمي إلى الصناعة، وهو أساسيٌّ - بجميع أشكاله - لنشاطٍ تجاريٍ ضخم. إنه يُشرى ويُباع، أنه شكل من أشكال الملكية، قيمةٌ تخلق، من دون ان يُستحوذ عليها، ثراءٌ يُضاف من قبل الكاتب إلى الثروة القومية، وبالتأكيد – ومن جميع وجهات النظر – أوضح صور الملكية التي لا تقبل الجدل.

إن حق الملكية الذي لا يقبل المساس هذا يُنتهك من قبل الحكومات المستبدّة؛ إنهم يصادرون الكتاب، على أمل مصادرة الكاتب بذلك. هذا هو سبب وضع نظام التقاعد الملكيّ.2 أخذُ كل شيء مع التصدق بالقليل، سلبٌ وإخضاعٍ للكاتب. يُسرق المرء، ثم يشتري السارق جزءً مما سرقه من. إنه جهدٌ مُهدر، أياً ما كان الأمر، فالكاتب يهرب دائمًا.

نحن نصنع منه فقيرًا، و هو يظل حرًا [تصفيقٌ من الحضور]. من ذا الذي يسعه شراء العقول الفذّة (لأدباءٍ مثل) "رابليه"، "موليير"، أو "باسكال"؟ و رغم ذلك فإن المحاولة تتم، والنتيجة مغمّة. إن الرعاية الملكية تستنزف القوى الحيوية للأمة، فالمؤرخون يسبغون على الملوك ألقاب "آباء الأمة" و"آباء الأدب" ... والنتيجة هي هاتين الحقيقتين الشريرتين: الناس من دون خبز، و"كورني"3 من دون حذاء [تصفيقٌ طويل].

يا له من شطبٍ داكنٍ لمرحلةٍ كبرى.

أيها السادة،

دعونا نعود إلى المبدأ الأساسي: احترام الملكية.

لنرعَ الملكية الأدبية، ولكن في الوقت نفسه، لنخلق نطاقًا عامًا. دعونا نذهب لأبعد من ذلك؛ دعونا نوسع منه. لندع القانون يمنح جميع الناشرين الحق في نشر أيّ كتابٍ بعد وفاة مؤلفه، على أن يكون المتطلّب الوحيد لذلك هو دفع مبلغِ زهيدِ جدًّا لورثته المباشرين، بحيث لا يتجاوز في أية حال خمسة أو عشرة في المئة من صافي الأرباح. هذا النظام شديد البساطة - الذي يجمع بين الملكية غير المشكوك فيها للكاتب مع الحق غير المشكوك فيه للنطاق العام - هو أمرٌ تم اقتراحه من قبل اللجنة المشكلة عام 1836 (الخاصة بحقوق المؤلفين)، و يمكنكم أن تجدوا هذا الحل، بجميع تفاصيله، في محاضر اجتماع المجلس، كما نشرتها وزارة الداخلية.

للمقترح جانبان، لا تنسوا ذلك. الكتاب، بما هو كتاب، هو ملكٌ للمؤلف، وأما كالكتاب كفكرة فهو ينتمي - والكلمة هنا ليست متطرّفة – إلى الجنس البشري ككل؛ فلكل الذكاءات حقٌ فيها. وإذا كان لابد من التضحية بواحدٍ من هذين الحقّين – حق المؤلف أو حق الجنس البشري – فإنه سيكون حق المؤلف من دون شك، لأن المصلحة العامة هي شغلنا الأوحد، وهذه ينبغي أن تكون مقدّمةً على أي اعتبارٍ آخر يُعرض علينا.

ولكن، وكما قلت، هذه تضحيةٌ غير ضرورية [تصفيق متكرر].

 

mashael.alhajeri@ku.edu.kw

 

الهوامش:

1 -   “(To fly through the mouths of men” (Virgil.

2 - التقاعد الملكيّ (les pensions royales) هو نظام يمنح بموجبه الكتاب مبالغ تقاعدية زهيدة، بدلاً من السماح لهم بالتمتع بالعوائد المادية لإنتاجهم الفكري.

3 - الشاعر الفرنسي الكبير Corneille.


عدد القراء: 1207

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-