ملامح الاغتراب في رواية (بيت النَّخيل)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 16:42:53

د. أحمد تمَّام سليمان

أستاذ البلاغة والنَّـقد - كلِّـيَّة الآداب - جامعة بني سويف- مصر

الكتاب: "بيت النخيل"

المؤلف: طارق الطيب

الناشر: الهيئة العامَّة لقصور الثَّـقافة، سلسلة آفاق عربيَّة، العدد (175)، القاهرة .

عدد الصفحات: 416 صفحة

تاريخ النشر: 2014

طارق الطَّـيِّب: أديبٌ سودانيُّ الأصل، وُلد في الثَّاني من شهر يناير سنة 1959م، في حيِّ عين شمس بالقاهرة، ثُـمَّ سافر سنة 1984م إلى فيينا حيث أتمَّ دراسته في فلسفة الاقتصاد، ومازال يعيش في فيينا حيث يُدَرِّسُ في ثلاث جامعاتٍ بها إلى جانب كتاباته الأدبيَّة المتنوِّعة، كما حصل على منحة إلياس كانتي (Elias Canetti) في فيينا سنة 2005م، وزمالة برنامج "الكتابة العالميِّ" وبرنامج "بين السُّطور" بجامعة أيوا في أمريكا سنة 2008م، وقد نشر خمسة دواوينَ شعريَّةٍ وروايتيْنِ ومجموعتيْنِ قصصيَّتيْنِ ومسرحيَّةً واحدةً، وقد لاقتْ مؤلفاته رواجًا لدى الشُّعوب الأخرى، فتُرجمتْ إلى اللُّغات: الإنجليزيَّة والفرنسيَّة والألمانيَّة والأسبانيَّة والإيطاليَّة والرُّومانيَّة والصِّربيَّة والمقدونيَّة، كما أسهم بترجمة نصوصٍ أدبيَّةٍ من لغاتٍ أخرى، كذلك شارك في بعض المهرجانات الأدبيَّة الدَّوليَّة، وعُيِّن سفيرًا للنِّمسا لعام الحوار الثَّـقافيِّ الأوروبيِّ Ejid)) 2008م، وحصل على عددٍ من الجوائز، منها: الجائزة الكبرى للشِّعر في رومانيا سنة 2007م، ووسام الجمهوريَّة النِّمساويَّة تقديرًا لأعماله الأدبيَّة والتَّواصُل الأدبيِّ محليًّا وعالميًّا سنة 2008م، وعيَّن جهاز تنظيم شئون السُّودانيِّين العاملين بالخارج جائزةً باسمه للمبدعين خارج السُّودان، هي "جائزة الأديب طارق الطَّـيِّب" بدءًا من سنة 2013م.

ولقد أكَّد الكاتب طارق الطَّـيِّب أنَّه أنجز روايته "بيت النَّخيل"، [طبعة الهيئة العامَّة لقصور الثَّـقافة، سلسلة آفاق عربيَّة، العدد (175)، القاهرة- مصر، 1435هـ/ 2014م]، بين مدينتيْ فيينا وأسوان، وبين سنتيْ (1998م) و(2005م)، أي أنَّه ظلَّ يكتبها خلال سبع سنواتٍ متواليةٍ، بين وطنه وغربته؛ لذلك خرجتِ الرِّواية في حوالي أربعمائةٍ وستَّ عشرةَ صفحةً، ورغم هذا النَّصِّ الهائل فإنَّ الكاتب أحكم أدوات سرده الرِّوائيِّ، وَلَمْ يشعر المتلقِّي بالملل، بل بالإمتاع من خلال تنوُّع الأحداث الرِّوائيَّة، ودقَّة الوصف في المشاهد، وعنصر التَّـكثيف البادي في تنامي الأحداث، فلعلَّ خبرة الطَّـيِّب في كتابة القصَّة القصيرة هي الَّتي جَعَلَتْهُ يمسك بِتَلَابِيبِ السَّرد الرِّوائيِّ فَلَمْ يقع في فَخِّ التَّـرَهُّـلِ، كما يلمس المتلقِّي أنَّ الرِّواية تتقاطع مع السِّيرة الذَّاتيَّة للكاتب.

واستهلال الكاتب روايته "بيت النَّخيل" يكشف عن روح الاغتراب الذي يستشعره، فهو العربيُّ الأصل المقيم في فيينا، التي كتب عنها روايةً أخرى هي "الرِّحلة 797 المتجهة إلى فيينا"، [طبعة دار العين، القاهرة- مصر، 1435هـ/ 2014م]، وقد صدرتِ الرِّوايتان في مصر في سنةٍ واحدةٍ، فيستشعر الطَّـيِّبُ الغربةَ حيث ينطلق من فكرةٍ مُؤَدَّاهَا أنَّ المدن الفقيرة حانيةٌ على أصحابها، بينما تكون المدن الغنيَّة قاسيةً على أصحابها، وتوالي الأسئلة الإنكاريَّة في صفحةٍ واحدةٍ ما هو إلَّا حديث النَّفس عن غربتها: لماذا أنا هنا؟! وماذا أفعل في هذه المدينة؟! ولماذا لا أعود؟! وكيف أَحِلُّ هذه الْوَرْطَةَ؟! وكيف أخرج بأقل خسائرَ من هذه اللُّعْبَةِ الَّتي لا يمكن الانسحاب منها؟! وكيف أستمرُّ في الحياة دون أن أموت فيها؟!

وشعور الكاتب بعدم التَّوافُق مع الواقع وعدم انسجامه معه، بدا من خلال وصفه الدَّقيق لأثاث شقَّته الَّتي يقطنها، فلا الشقَّة متميِّزةٌ موقعًا، ولا الأثاث متميِّزٌ توافُـقًا، وذلك لا يخلو من الرَّمزيَّة، الَّتي قد تحيل الأمر إلى وطنه العربيِّ غير المتميِّز حضاريًّا، وأبناء أمَّته غير المشاركين في الحضارة اليوم.

فيقول الكاتب عن موقع سكنه: "أسكن في الدَّور الأخير من بنايةٍ قديمةٍ نَجتْ من دمار الحرب العالميَّة الثَّانية، لكنَّها لم تَـنْجُ من الزَّمن، لَمْ يُجَدَّدْ شباكٌ فيها ولا حتَّى بلاطةٌ واحدةٌ، الأدوار العليا في مثل هذه البِنَاياتِ القديمة لا يفضِّلها سكان هذه المدينة لأسبابٍ كثيرةٍ؛ أبسطها غياب المصاعد، وضيق درجاتها الحلزونيَّة، بمداخلها المُعْـتِمةِ، وبرودتها القارسة، ورطوبتها".

ثُـمَّ يفيض الكاتب في وصف أثاث شقَّته، قائلًا: "أثاث شقَّتي مُبعثَرٌ في شكلٍ عَبَثِيٍّ، مثل سوقٍ لِلخُردةِ والرُّوبابِيكْيا، ليس هناك قطعة أثاثٍ واحدةٌ في الغرفة تشبه الأخرى: دولابٌ قديمٌ بُـنيٌّ غامقٌ، ضَلْفةٌ منه لا تنفتح أبدًا، والأخرى لا تنغلق أبدًا، إلى جانب كرسيٍّ معدنيٍّ حديثٍ لعلَّه من مستشفًى، وآخر من البلاستيك ربَّما من مطعمٍ رخيصٍ، كَنبتَانِ واحدةٌ مُخطَّطةٌ مثل جلد الحمار الوحشيِّ، والأخرى جلديَّةٌ حمراءُ فاقعةُ اللَّونِ كأنَّها من بيت متعةٍ، المائدة المائلة بيضاء من خشب قشرة الأبلاكاش من شركة إِيكْيَا، عليها بُقَعٌ لحروق سجائرَ، وشروخٌ كأنَّها كانتْ في سجن تعذيبٍ، الأرضيَّة من مُشَمَّعٍ رخيصٍ بلونٍ أحمرَ محروقٍ، لن أتحدَّث عن المطبخ، وغرفة النَّوم الضيِّقة، وسريرها الذي يبدأ في الصَّرِيرِ بمجرد اللَّمس، الشقَّة تكاد تصلح كَمُتْحَفٍ من القرن الماضي، لولا ورق الحائط الذي غَيَّرتُهُ لينقلني نفسيًّا إلى مكانٍ آخرَ أُحِبُّهُ"، وهذه الجملة الأخيرة تُعَبِّرُ عن أنَّ التَّغيير الواقعيَّ من حوله ليس سوى تغييرٍ ظاهريٍّ لم يَتطرَّقْ إلى تغيير الجوهر!

إنَّ الوعود الزَّائفة بين المالك والمستأجر تُمثِّـلُ مشهدًا رائعًا في الرَّواية، وهو مشهدٌ رمزيٌّ لأوروبا الَّتي تمتلك، والعرب الذين يَتسوَّلُونَ منها، لدرجةٍ جَعلتهُم لا يَتسوَّلُونَ سوى الأحلام الزَّائفة التي ليس إلى تحقيقها من سبيلٍ، لكنَّ العرب يرتضون من أوروبا بالأحلام؛ لأنَّهم لا يملكون من واقعهم إلا السَّراب!

ويوضِّح الكاتب طريقة الحيلةِ التي تتحصَّل بها مالكة الشَّقة على إيجارها منه، ثم تُمنِّيهِ بوعودٍ زائفةٍ فقَدتْ مضمونها وصارتْ في الظَّاهر كالعبارات المَسْكُوكَةِ التي يُلقيها المرء على صديقه وعدوِّه على حدٍّ سواء، فيقول: "تأتي في أوَّل يومٍ من أوَّل كلِّ شهرٍ لتأخذ إيجارها دون إبطاءٍ، لا يهمُّها أن يكون اليوم يوم سبتٍ أو يوم أحدٍ أو يوم عيدٍ، تصعد الأدوار الخمسة سريعةً حتَّى يكاد نَفَسُها ينقطع، تكون لطيفةً ظريفةً حتَّى تأخذ الإيجار منِّي ثم تَـفِرُّ من أمامي خفيفةً كالحمامة، تخشى من تَـذَمُّري الصَّامت أن ينفجر، أعرف أنَّها تكسب جيدًا من هذه الشُّقق العديدة التي تتملَّكها ومن قروض البنك، وأعرف أنَّ تصليح هذا الخراب لن يكلِّفها الكثير، لكنَّها تَـتَّـكئُ على صبري وفقري وقلَّة حيلتي، تَعدُنِي في كلِّ زيارةٍ بتصليح أشياء كثيرةٍ خربانةٍ في الشَّقة، وتتَّصل أمامي، لا أعرف بمن؛ لكي يَنْطلي عليَّ المشهد، لكنَّها لن تُصلحَ أيَّ شيءٍ على الإطلاق، وعليَّ أن أكرِّر رجائي هذا في كلِّ إِطلالَةٍ لها، وأن تكرِّر هي وعودها، حتَّى أصبحتْ هذه الرَّجاءات والوعود جملًا مثل طقوس السَّلام والوداع".

ولقد استعمل الكاتب عددًا من الألفاظ الدَّائرة على ألسنة العامة مما يُستعمل في الحياة اليوميَّة، وبعضها أصله عربيٌّ والآخر مُعرَّبٌ، والكاتب إذ يعمدُ إلى استعمال الشَّائع من الألفاظ ليكون المشهد الروائيُّ أكثر التصاقًا بالواقع المعيشِ الذي أراد التَّعبير عنه، وهذا من شأنه أن يحملَ المتلقِّي على مشاركة الكاتب في نصِّه الرِّوائيِّ، فبجملٍ متوالياتٍ في صفحةٍ واحدةٍ يقول: "في الشِّتاء يُزَرجنُ الباب"، و"يكْحتُ في الأرض"، و"بيضةٌ واحدةٌ في الثلاجة مَدفُوشةٌ من أسفلها"، و"رائحتها تُكركِبُ بطني"، و"تبدأ البيضة تَـشُـرُّ من بين أصابعي إلى يدي الأخرى في خيوطٍ لزجةٍ مُقرفةٍ"، و"تسقط البيضة على الأرض في صوتٍ بَائخٍ"! وكلها ألفاظٌ من مشاهد حياتيَّةٍ مزعجةٍ تدلُّ على معاناة الكاتب/البطل بوصفه فقيرًا ومغترِبًا.

وعلى مدار الرِّواية كلِّها نلحظ إجادة الكاتب دقَّة الوصف، وكتابة المشاهد بتكثيفٍ بالغٍ للصُّور الجزئيَّة والكلِّـيَّة معًا، كما أجاد في عمل حوَاشٍ على مدار الرِّواية كلِّها، يشرح فيها للقارئ العربيِّ أسماء الأشخاص والأماكن والاصطلاحات النِّمساويَّة؛ حتَّى لا تُستغْلقَ عليه، مما أضفى على البُعدِ الأدبيِّ للرِّواية بُعدًا ثقافيًّا.


عدد القراء: 64

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-