قمر – قصة قصيرةالباب: نصوص

نشر بتاريخ: 2015-06-07 17:25:39

نهى محمد الربيع

السودان

كان هنالك قرية على بعد 10 كيلو جنوبًا من العاصمة وعلى ضفاف النيل تدعى الخضرا كانت قرية بسيطة يسكنها أناس بسطاء، لا يأملون إلا في الحصول على قوت يومهم، إذ إن كل ما يجمعهم هو الفقر والجوع وحبهم لبعضهم، وهو الذي يخفف عنهم الحياة البائسة التي يعيشونها.. كل من دخل هذه القرية قد سمع بأجمل ما فيها، وهي قمر..

قمر فتاة فائقة الجمال في الخضرا كانت حياتها كسائر أهل القرية بسيطة، حيث تعيش مع أطفالها وزوجها عبد المحمود الذي لم تكن تعرف عنه شيئًا حتى يوم زفافها، شأنها شأن فتيات الخضرا، حيث عاداتهم وتقاليدهم التي لم يكن أحد ليجرؤ أن يخالفها ...أما أسرة قمر فتشمل والدتها الضريرة عزيزة، ووالدها الكبير في السن عبد السميع، وإخوتها الصغار، وهم يسكنون بالقرب من منزل قمر .. وهي شابة مستقيمة طيبة في تعاملها مع الجميع، برغم ما يعرفه كل أهل الخضرا عن زوجها عبد المحمود وسوء أخلاقه، إلا إنها كانت تعد الأمر امتحانًا من المولى عز وجل لها، وكان كل همها تربية أولادها، فكانت تصحو مبكرًا لتقوم بإعداد الشاي والإفطار لأسرتها الصغيرة، ثم تذهب لتفقد والدتها عزيزة قبل أن تزاول عملها المعتاد في بيع الخضروات بسوق الخضرا، لتدخر من أجل إطعام صغارها، فوالدهم أحيانًا كثيرة لا ينفق على أولاده، بل إنه معظم الوقت يهدر أمواله في الخمر والعربدة ومجالس السوء.

ذاك اليوم وبعد إن مارست قمر مسؤولياتها اليومية، وبعد أن عادت من سوق الخضرا كالعادة، ذهبت إلى والدتها لأخذ صغارها، فوجدت والدتها عزيزة مريضة   .. طلبت منها عزيزة أن تساعدها في تجهيز الطعام فمكثت عندها حتى نهاية اليوم، ثم أخذت صغارها ورجعت إلى منزلها.

أشرقت شمس اليوم التالي دون أن تظهر قمر ودون أن تلقي تحية، الصباح على جارتها وصديقة طفولتها تحية التي تعمل معها في بيع الخضر في السوق نفسه.. فقدتها تحية فذهبت لمنزلها فوجدت عبد المحمود زوج قمر سألته عن صديقتها، دون أن تلقي عليه التحية، فقد كانت لا تطيقه، شأن كل أهل الخضرا ...أخبرها عبد المحمود أن قمر عند والدتها عزيزة فتعجبت تحية لوجود أطفال قمر برغم غيابها فرجعت عنها إلى عملها، وكانت الحيرة تعصف بها طيلة اليوم، وفي نهاية العمل وعند رجوعها إلى المنزل وجدت طفل قمر يلعب مع أقرانه أمام منزلهم، فسألته تحية عن والدته، فذكر أنه لم يرها منذ أن استيقظ من نومه، فزاد حديثه هذا من دهشتها وذهولها، فتوجهت إلى منزل أهلها فلم يعرفوا عنها شيئًا عندها، لم تجد خيارًا آخر غير أن تخبرهم بذهابها إلى منزل ابنتهم وعن حديث زوجها عبد المحمود الذي لا يعرف شيئًا عنها وعن اختفاء قمر......

وإن هي إلا لحظات حتى تجمع أهل الخضرا، وذهبوا جميعًا إلى منزل قمر، فوجدوا عبد المحمود الذي قال: إن قمر قد تكون هربت مع أحدهم، وأنه يشكك في أخلاقها وعدل اهتمامها به وبصغارها، ولا يريد أن يسمع عنها شيئًا ...

وإن هي إلا لحظات وتفرق أهل الخضرا، ليبحثوا عن قمر التي يحبونها جميعًا، ويعرفون أخلاقها الكريمة، وإنها لا يأتي منها هذا الفعل ... استمر البحث أيامًا وليالي دون أن يصلوا إلى قمر، وفي نهاية المطاف قرروا أن يلجئوا إلى الشرطة للبحث عنها، فرفض عبد المحمود زوجها تدخل الشرطة في بداية الأمر، فهو يرى إنها ستعود إليهم يومًا ما، وعندها سيحرمها من صغارها الذين تركتهم دون أن ترثي لحالهم وهربت مع رجل آخر.

انقسم أهل الخضرا إلى مجموعتين بعضهم وقف بجانبه، والبعض الأخر رأى أهمية تدخل الجهات الأمنية في الأمر الذي لا يشبه حال قريتهم الوديعة......

وبمرور دقائق معدودة من إخبار الشرطة امتلأ المنزل بهم، حتى إنهم لم يتركوا أحدًا في الخضرا إلا واستجوبوه ....وعند البحث في المنزل لاحظ الضابط المسئول شيئًا آثار دهشته، وهو سجادة جديدة في إحدى الغرف بالرغم من أن الأثاث كان قديمًا متهالكًا، فسأل الضابط أحد صغارها عنها، فأخبره الطفل ببراءة الأطفال إن هذه السجادة أحضرها والدي قبل أيام محدودة، وياليت كانت أمي قد رأتها لكانت قد فرحت بها كثيرًا ....

انتهى رجال الشرطة من استجواب أهل القرية، ولكن ظلت كلمات الطفل تتردد في ذهنه، وما كان منه إلا أن ذهب مرات ومرات إلى المنزل إلا أن بحثه لم يسفر عن شيء كالعادة، فراودته فكرة معينة وهي الاستعانة بالكلب البوليسي، الذي ما إن عرضت عليه رائحة ملابس قمر حتى هرول إلى فناء المنزل الخلفي، وأخذ ينهش في الأرض في مكان بعينه، ولاحظ الضابط أن هذا المكان من الجلي إن تربته قد ردمت مؤخرًا فراودته نفسه: هل يعقل هذا؟؟؟  فقاموا بالحفر في هذه المنطقة أمام كافة أهل الخضرا الذين تجمعوا ليجدوا المفاجئة التي لم تخطر على بال أحد ... قمر جثة هامدة ملطخة بالدماء وقد طوي جثمانها بسجادة بالية ...ألجمت الدهشة الجميع وتصاعد صوت البكاء والعويل لتظهر الحقيقة من اختفاء قمر التي لم تخطر على بال .. وقد شك الضابط في تورط عبد المحمود زوجها في الأمر، فقام بمواجهته واتهامه بقتل قمر، وبتضييق الخناق عليه اعترف عبد المحمود بقتل زوجته قمر التي اكتشفت عن طريق الصدفة إنه كان من أكبر مروجي المخدرات في المنطقة وهددته بفضح أمره والتبليغ عنه وما كان منه إلا إسكاتها للأبد بقتلها.....


عدد القراء: 490

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-