قراءة في رواية (مروج جهنم)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 17:21:48

لنا الفاضل

العراق

الكتاب: "مروج جهنم" 

المؤلف:  حازم كمال الدين

الناشر: دار فضاءات

تاريخ النشر: 2019م

رواية (مروج جهنم) صادرة عن دار فضاءات للعام 2019 بالقطع المتوسط للروائي والمسرحي حازم كمال الدين. قبل أن ندخل جو الرواية أفرد هنا مقدمة ونبذة صغيرة مختصرة لنتعرف على الكاتب العربي العراقي الأصل، حازم متعدد الأسماء والهويات العربية التي اكتسبها في طريق نضاله الطويل كفرصة للنجاة مما فرضتها عليه أفكاره التحررية والمعارضة لصور الظلم.

المسرحي د. حازم كمال الدين يعيش الآن في بلجيكا كمحطة آمنة مستقرة له. نتعرف عليه وعلى أفكاره من رواياته السابقة (كباريهت، مياه متصحرة) وأيضًا من خلال أحدث رواياته هنا (مروج جهنم) فنفهم أنه الإنسان الذي ابتعد عن الصندوق الفكري العربي المغلق، ابتعد كثيرًا ليلقي عن طريق ضوء تجربته الطويلة وبطريقته المميزة للتنوير وبطريقة الصعق الكهربائي للقارئ، فيضخ أفكارًا وفهمًا مكثفًا على التداخلات العجائبية المظلمة التي صنعت هذا الواقع الذي تعيشه المنطقة العربية الرازحة منذ عقود تحت صخور (الثالوث غير المقدس) ولكنه المحرم الاقتراب منه فكريًا، وهو ثالوث (الخرافة، الكبت، الوهم) مع محركاتها الأصيلة المقدسة البعيدة عن المساس التي ستكون جلية منذ البداية في فصول الرواية.

هذه الرواية التي تمسك بك من تلابيبك من أول لحظة تطرق بابك من عنوانها العجيب (مروج جهنم) فتتساءل مع نفسك؛ ماذا يقصد الكاتب بهذه التسمية؟ هل جهنم التي نعرف مواصفاتها تمامًا، هي مروجٌ؟

والجديد علينا أنها تحوي حدائق ومراتع للجمال وسفوحًا خضراء؟ إنها قصدية استفزازية واضحة لنمسك أول خيوط الوهم التي تقودنا في دهاليزها الأحداث.

العنوان:

إنه الإشارة الأولى في محطة مروج جهنم لتعريفنا بالأرضية التي تعيشها شعوب الوهم، الشعوب المغلوبة على أمرها الذين هم حتما سكان هذه المروج، بعقولهم المهيأة مسبقاً أنّ عليهم أن يكونوا ضحايا وأنّ عليهم التمسك بهذا الطريق الذي لن تحيد عنه حياتهم ورفضهم لأي فكر جديد تنويري يوضح لهم أين تسجن حياتهم وأحلامهم ولصالح من!!

المسميات:

صور بصرية متتالية لمستشفى يقع على خطوط المعارك الأمامية، بطلتها امرأة كانت لحظة تهيئتها للدخول هذا العالم، مجرد طفلة استبيحت حياتها بخطة استخبارية محكمة لتثبت أنها لا جذور لها ولا عائلة ولا روابط مع العالم الخارجي لتكون هي بوظائفها البيولوجية والعقلية ملاذًا آمنًا وهي أيضًا الحافز أو العامل (المعزز للنصر) وبعبارة محددة هي (المصل) كما يصف الكاتب كل (النساء) المتواجدات في ساحة المعركة... المصل الذي يوفرونه للجنود للمتعة حتى يكونوا بحالة نفسية تمكنهم من الاستمرار في حروب لا تنتهي. ومن متابعتنا للسرد هذه الرواية تبدأ تساؤلاتنا هل يجوز القول إن داليا رشدي هي مجرد المحظية التي أتت بالصدفة أم إنها كانت المفضلة على جميع النساء والتي تم الاكتفاء بها، لأنها فعلاً العلاج الدائم لداء الهزيمة المزمنة المغلّفة بالنصر الموهوم للجنرال الطبيب الفقيه المهندس القائد البطل المؤمن (أبو سفيان الموسوي).

لا نجد أي إجابة في رواية الأسرار هذه والتي لن نكتشف خباياها فهي تشبه خبايا وأسرار الحياة تمامًا. وهنا نجد أيضًا مفارقات عجيبة في الأسماء. هل أن اختيار لقب البطلة (رشدي) دلالة على الرشد الضائع، أم لأنها هي نفسها الموصوفة بنصف عقل لتكون المطيعة دومًا تحت سلطة الجنرال العجائبي والذي يحتاجها بشدة لتُكَّمِل له خطته التي صنعها جبروت شذوذه ونواياه الغرائبية في القيادة والتخطيط.

(أبو سفيان الموسوي) اسم له دلالات كثيرة تحتاج تحليلات معمقة تقصّدها الكاتب وسأترك تفسيرها للقارئ كل حسب نشأته الثقافية والمجتمعية والدينية.

وكما ستتهافت علينا في أحد الفصول أسماء الحروب والتي تبزغ من ذاكرة الكاتب لها دلالتها الخاصة لعلاقتها بحروب المنطقة العربية. وفي هذا الجو الغريب جدًا للرواية يستمر السرد بذكر الحروب المتعددة التسميات (نجيع الفلا)، (حسام البوادي)، (عاصفة الصحراء) حتى  أنها تحمل فصلاً كاملاً باسم (أم المعارك) الاسم التاريخي الذي لا يغيب عن ذاكرة العرب.

الأحـداث:

هناك هدف من وضع مستشفى للولادة في جبهة القتال، وموضوع الولادة المتكررة هو الحدث الأهم في هذه المروج الخيالية، إنها الولادة لأجل الموت، الولادات المخطط لها بعناية فائقة، لتكون بمثابة البنك المحلي لتزويد خطوط الجبهات المشتعلة بوجبتها المفضلة من الجنود، هذا الهدف سيتم بسهولة لأنه محاط بهالة من الواجب النضالي، من خلال الكذبة المنافقة التي يعززها

- الوهم والكبت - إنه جهاد النكاح العقائدي، الوصفة الجديدة لتمرير خطة الخراب، حتى لو كان هذا الجهاد عن طريق سبي الحرائر من البلدان المعرضة للغزو وذلك بعدما استنفذت السلطة كل كذباتها، لاستدراج المناضلات الساذجات والمخدوعات بشعارات فقدت معناها لاحقًا حتى في بلدانها الأصلية كشعارات المواطنة والاشتراكية المستوردة عندنا والتي وصلتنا وهي مفرغة من معانيها الأصلية والإنسانية. يبرع الكاتب في مشاهد عديدة في وصفه لعملية الولادة، الحدث الإنساني الأكثر ألمًا والأهم في استمرارية الحياة بسرد ووصف متقن، مع ارتعاد مفاصل الراقصة على أنغام الألم داليا رشدي كلما كانت هناك ولادة ما.

كما يجعلنا الروائي نعيش جوًا مسرحيًا مشحونًا في مشهد محاولة اعتقال العقيد وإعدامه بكل ما يملكه الخيال، مشهد يتكون من تجميع لصور الحروب في مكان صغير هو صالة الولادة المكان الذي يشهد صناعة الولادة والموت التي كان فيها العقيد هو المؤسس والمبتكر والقائد، إنها مفارقة غريبة يبتكرها الروائي لينهي بها حياة شخص كان يوصف أنه البطل المؤسس لينتهي بوصفه العقيد الخائن.

- داليا راقصة الجناح السري التي كانت تحاول الهروب مما يحيطها من أحداث غريبة تشبه الهذيان المحموم لشخص يعيش في الظلام الروحي رغم وجود الشمس، استعانت بالقراءة كوصفة لتجعل حياتها قابلة للتحمل، القراءة التي جعلتها تبتكر من فهمها معاني الجديدة لمفاهيم اجتماعية أو عالمية راسخة مثل الرُقيَة الكلمة الغامضة... الاشتراكي الكلمة العقائدية... السيرورة الوجودية... كلمات جمعتها (داليا) في هذه القصة لتكتب هي هذا النص التفسيري:

الرُقيَة¹ + الاشتراكية² + السيرورة³ = كان بالإمكان القضاء عليهم في كل مكان لكني تركت بعضًا منهم ليعرف الآخرون لماذا كنت أمسحهم عن وجه الأرض(1)، مستخدمًا واحدة ومن وسائلي وهي دحرجة كذبة صغيرة وتكرارها حتى يصدقها الناس(2). فلها أقصد المرأة، حق الارتقاء إلى كل المراتب سواء كانت المرأة ذكرًا أو أنثى(3).

انه تجميع فريد لاقتباسات شهيرة يوظفها الروائي ليراهن أنه بارع في الاستنباط الجديد لمقولات سادية الوقع ومؤثرة قيلت من قادة العالم الحقيقي الذي عاصرتهم الكثير من الأجيال.

(القبو.. الفردوس):

هنا نبدأ الاكتشاف للهيكل الذي تقوم عليه هذه المروج،

إنه وصف لمكان شبيه بالجنة لكن هذه المرة الموصوف في أسفل الأرض، كيفية الدخول لهذا القبو كما يصفه الكاتب هي عملية عكسية للولادة. إنه الرجوع إلى رحم الأرض لتدخل الجنة الموعودة التي تختلف عن السطح في كل شيء بدءًا من عطر المكان إلى شفافية وجمال الجدران والأرض. إنها التورية لوصف العودة إلى المصدر بطريقة سوريالية يتقنها الكاتب، وطبعًا سكان الجنة هم (الحوامل) المدللات ساحرات الجمال بشفافيتهن ومن حولهن الخدم (الولدان المخلدون) الجنود في زي التخفي، ليصدمنا الكاتب كعادته في نهاية الفصل تساؤل داليا رشدي وهي ترى إحدى الحوامل تشبهها حد التطابق:

 هل يعقل أن تكون هذه الفتاة هي أنا؟

- لا أجد جوابًا

 لينتهي الفصل ويتركنا في حيرة وما كان كل ذاك الذي قرأناه سابقًا؟

الفصل الجديد والأخير بعنوان: الأطفال

فصل تتجلى فيه  أمامنا فكرة شديدة الأهمية وهي ليست عن الأطفال وإنما عن الوهم الذي نفهمه من سياق الرواية أنه هو المصدر الأول لتكوّن الأساطير وتطورها وترسخها في وجدان الشعوب، فأحيانًا الوهم يضفي للقصص العجيبة الغير قابلة للتصديق الهالة المقدسة التي تصنعها أزمان استثنائية بإرادة ما، هذه الإرادة  قد تأتي مصادفة من شخص ضعيف واقعٌ تحت ضغط الخوف من المجتمع، أو إنها تأتي بتخطيط معجز للعقل الجمعي أن يفهمه،  بتدبير من شخص قوي، وهذا الشخص قائدٌ مهم لهذا المجتمع يسيره حسب رؤيته، إنها صناعة الوهم الخالدة... تنتهي الرواية بخاتمة للبطلة وهي تودعنا بتساؤلات جديدة عن من الذي كتب هذه الأحداث تتوالى الأسئلة لها حتى تقول عزيزتي، عزيزي...

أنا ترانسجندر مان...

 البقية عليك.

 الخـــاتمة:

يتفنن الروائي في استخدام اللغة والتي يتقن مفرداتها واستخداماتها ويضعنا أمام استعارات واقتباسات عديدة سيستمتع بها من يحب لعبة الاكتشاف ويملك الرغبة في مجاراة الروائي في اكتشاف الاقتباسات العديدة التي يضعها وكيف أنها قد وُظفت في مسار جديد تمامًا عما هو متعارف عليه وهذا حتمًا مما يحسب له، الرواية نجدها مكثفة الأفكار لذا تجدها صادمة في أحيان كثيرة بالتعابير والألفاظ التي قد تكون ضمن توجه جديد نراه في الروايات العربية حديثًا في حملة لكسر القوالب التي لا نعلم هل هي مجدية للاستخدام أم أنها لا ضرورة لها لتوصيل الفكرة الكبيرة التي يحملها أدباء مهمومون بإصلاح المجتمع الذي يحاول أن يجدد نهضته رغم كل القيود التي تكبله.


عدد القراء: 8883

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-