إشكاليات توظيف الوسائط التكنولوجية في بناء معمارية الفنون التشكيلية: (بين غواية الرقمي وغياب المعنى)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 17:26:28

د. هالة الهذيلي بن حمودة

المعهد العالي للفنون الجميلة، جامعة سوسة - تونس

إعداد الباحثين1:

د. هالة الهذيلي بن حمودة

المعهد العالي للفنون الجميلة، جامعة سوسة

 تونس

إبراهيم آيت زيان

باحث في الفنون التقليدية الإسلامية

الجزائر

 

تشهد مجالات الفنون التشكيلية المعاصرة تحولات جذرية ومتسارعة في سياقات التغييرات الريادية المتولدة من رحم الوسائط التكنولوجية والتقنيات الحديثة ومنها كل أشكال فن النت والكمبيوتر والاتصالات الذكية وغيرها من المحامل التعبيرية والبصرية. وتشوب في هذه الأزمنة المعاصرة بعض من الحماسة المفرطة والمتفاقمة الانتشار في صفوف التناولات الفكرية والجمالية والذوقية، فتعود مباشرة إلى مدلولية وسلطة الوسيط التقني والتكنولوجي واستحداثاته كلغة تفعيل متطورة تساهم في نسج الفن التشكيلي وتجاربه وأبحاثه ومنجزاته المتحولة من الشكل النمطي إلى التسابق في توظيف تقنيات الكترونية ورقمية قابلة للاستهلاك والتداول ضمن لغة تواصلية معاصرة. وفي خضم هذا الزخم المصادر في سياقات الفنون المعاصرة والواردة علينا بات الفنان المحلي يتخبط في حيرة الفعل وإدراك المفهوم واشكاليات توظيف الوسائط وإدراجها ضمن تشكيلية الأثر وتعبيراته. فنطرح جملة من التساؤلات النابعة من هذه النقلة النوعية لندرس في هذه القراءة التحليلية محاور مختلفة يكون أولها الاستفهام حول مدلولية الخطاب التكنولوجي في رسم مناهج التعبير التشكيلي، فهل يمكن للفنان أن يبقى بعيدًا عن الاصدارات العصرية من الثورة المعلوماتية وإيقاعاتها المتسارعة؟ وضمن هذه المراجع الفنية المتشابكة في زمننا الراهن كيف تتم عملية تطويع الوسائط التقنية في إيثار مجالات الفعل الفردي للفنان وتمريرها في مناهج تدريسية؟

يعيش الفن المحلي حركة متلونة في الشكل والصنف والموضوع، ويبقى للحامل الرقمي ودلالته وجاهة ريادية في نحت التغييرات التي تعتري المجتمع ودورها في توليد إشكال جديدة للفن، فنطرح مفهومًا مغايرًا يقضي بدمقرطة الوسيط المعاصر ووجاهته في غواية التوجهات التعبيرية ومساهمتها الفعالة في رسم هيكلة الفن التشكيلي ضمن دلالة الرقمي وتحدياته التقنية والتعبيرية.

1. دلالات الخطاب التكنولوجي في رسم مناهج التعبير التشكيلي:

عندما يكتب سليمان الرفاعي على لسان جون هارتلي في كتابه الصناعات الإبداعية بأن "أمة من دون قوة عمل ذي إشعاع من الفنانين والكتاب والمصممين وكتاب السيناريو والممثلين والراقصين والملحنين ناهيك عن المهندسين والعلماء والباحثين والمثقفين لا يملك الأساس المعرفي الذي يمكنها من النجاح في اقتصاد المعلومات، وليس أمامها سوى الاعتماد على أفكار منتجة في مكان ما "2  تطرح في هذه الصياغة التعبيرية إشكالية جوهرية ضامنة للكشف عن أهمية الفعل الجماعي و البناء المحلي لما اسماه "جون هرتلي" باقتصاد المعلومات، إذ تحيط بكل عناصر المجتمع  في نسج الأرضية الملائمة لتفعيل الصناعة الرقمية وضرورة فهم أسسها كي لا تتحول إلى مجرد "أفكار منتجة في مكان ما".

نقف بالتالي عند ضرورة التمكن من البعد المفاهيمي لسلطة الوسيط التكنولوجي وآليات البحث ألما بعد حداثية. إن في التعرف الجيد لتاريخ نشأة الوسائط الرقمية وإدراك سبل برمجياتها لمن شأنه أن يساهم في صناعة الابداع التشكيلي وتغييره للذوق الجمالي العام، وقد ذهب الفنانون الغربيون ومنذ نشأة فن الحركة وثورة الصورة الرقمية والفن الحركي البصري إلى تجديد المناخات التعبيرية، الشأن الذي عمّق الانزياح عن مبدأ الصورة التقليدية وتجديد صيغها التشكيلية والمفاهيمية. وبالرجوع إلى مناخات الصورة وتحولاتها نذكر ضرورة النقلة الريادية التي أعلن عنها مانيه في تصاويره التي أثبتت عن ولادة زمنية مغايرة لمدلولية اللوحة والصورة، فتنزع الحصانة عنها ليعرج الأستاذ محمد بن حمودة في كتابه قضايا الاستيطيقا قائلاً "بيّن إذن أن ما يصدم في لوحة مانيه هو رغبتها في الانزياح عن كل صيغ الممكن والتطلع إلى حضور حسّي يمثل ضمنه الحاضر الصرف خاصة، وذلك بشكل يحرره من كل أصناف الارتهان بالزمن، الارتهان بالمرئية والارتهان خاصة بالخيال"3.

إن مبدأ الانزياح أصبح منطلقًا بينًا في إشكاليات الصورة المعاصرة والقاضية بالبحث عن حضور صرف يعالج بالوسائط والآليات التعبيرية المرتهنة بالزمن. ويمثل أثر مانيه شرارة الانطلاق في تحويل الصورة من إطار اللوحة نحو إطار الشاشة، هذه النقلة النوعية التي تبرز فيها مدلولية الوسيط التقني والتكنولوجي، والذي يحملنا من مبدأ الثابت نحو المتحرك.

إن في مدلولات الوسيط التكنولوجي المتعدد والمتجدد والمتطور دفع كبير في الوقوف عند ثراء هذه اللغة المعاصرة الجامعة بين تجهيزات رقمية وبرمجيات فن النت وغيرها، المولدة ضرورة لهيكلة خاصة للفن التشكيلي، هذا الفن الذي تلونت تعابيره وفق الحركة الزمنية لثورة الإنترنت والقاضية بتجميع أغلب الاتجاهات التشكيلية ضمن فلسفة تقييمية ونظرية تتساوق ومبدأ التفاعل الكامل بين المعطيات المادية والفكرية والتقنية على حد السواء. تضمن الثورة الرقمية بالتالي تثبيت مرجعية خاصة للفنان وتحمله على التسيير الكامل مع هذه المتجددات الفكرية والتشكيلية، وهو ما من شأنه أن يدفعنا للتساؤل وبجدارة عن موقعة الفن التكنلوجي والوسيط الرقمي في نحت معالم فننا المحلي، وهل تضمن التطورات المتسارعة لطالبي المعرفة الفنية أن يتمكّن من استيعاب البعد المفاهيمي والتعبيري من هذه المتغيرات الوسائطية؟ وكيف يساهم بالتالي الوسيط التكنولوجي في نحت البعد التفاعلي والتحاوري بين الباثّ والمتلقي في لغة التدريس الفني.

2. الطرح الرقمي ومفهوم المرجعية في الوسائط التدريسية في مجالات الفنون التشكيلية:

لقد امتدت فروع الثورة التكنولوجية والرقمية إلى أصعدة المعرفة واخترقت وسائلها كل مجالات البحث وتمثّلاته في الجانب الفني والابداعي وأحدث تأثيرها تحولات جذرية في شتى التظاهرات والمعالجات التشكيلية بصفة خاصة في فروع التناولات الغربية مفهومًا وتطبيقًا. وإن المنتبه لصيرورة الممارسات الفنية في وضعنا المحلي والراهن فإننا ندرك بدورنا انتفاضة مبدئية لمحاولة فهم هذا الوسيط التكنولوجي والاشتغال به في نحت الصورة الابداعية الملائمة للتطورات التقنية والمفاهيم الحداثية المكتسبة. فكيف تنسج فضاءات الحداثة المنتظرة والمأمولة في مشروعات البناء الهيكلي للفنون وتمريرها وإخراجها في مستوى الوسيط البيداغوجي في تدريس نوعية الفنون الرقمية وما مدى انتشارها في الإدراك الفكري وتشكيلاته؟

لقد تحررت تمثّلات الفن التشكيلي في العالم الغربي من سلطة الملزمة وانتقلت إلى مبدأ التحاور والتجميع بين أشكال الفنون وأصنافها فباتت التعابير التشكيلية عبارة عن نسيج علائقي تخيطه الأساليب والوسائط المقترحة لتفعيل أفكار ومفاهيم متعددة الصيغ والمعالجات، ومن أجل تفعيل حالات التلقي والتطور كان لا بد من التأكد من امتلاك الطالب وحثه على اكتساب وإدراك هذه القدرات الأولية من المعلومات الذكية والرقمية وتفعيلها ضمن لغة مهارية وتعبيرية، تضمّنها الوسائط التكنولوجية. إن الاقتراحات التي نمررها من أجل وضعية استراتيجية للثورة الرقمية في صفوف الوضعية البيداغوجية في الفنون التشكيلية المحلية لمن الجمالية الفكرية بمكان حيث ترتسم المنظومة البحثية وفق اتساقها ووفرة الوسيط الرقمي من أجل مبدأ التحاور والتفاعل بين أشكال الفنون من تصوير وحفر وفوتوغرافيا ونحت وغيره. إن الإندماج بين كل الوسائط التعبيرية والتكنولوجية والخصائص الطبيعية للحياة اليومية لإصدار تعبيرة تشكيلية وفنية لمن الدواعي الناشطة لغواية البحث الدؤوب في صفوف هذه الحركة "التشكيلونولوجية الذكية"، ومن ذلك، ووسط تنشيط هذه الحركات الفنية المحلاة بالوسيط الرقمي وتوفير برمجيات ومواقع اتصالية سريعة وتفاعلية كفيلة بفتح مستوى الخطاب البنّاء في هذه المنظومة الفنية المأمولة. وبالتالي فإنّ إطلاع الطالب والأستاذ على حدّ السواء على تجارب فنية معاصرة ذات مراجع تقنية ورقمية لمن الضرورات الحتمية في حياكة لغة تواصلية بين الفرد المتلقي والعالم المحيط بنا.

إذًا، ونحن فيما يسمى بقرية المعلومات والاتصالات فإن من الجدير أن نقف عند تجارب نطوّعها في دراسة تاريخ الفن الحديث والمعاصر واليومي ففي اليومي تاريخ رهيب يفرض علينا أخلاقيات تحاور مستديمة من شأنها أن تعمّق مناخ الاشتغال على آليات الوسيط المرجعي وإدراكاته الفكرية والجمالية والتعبيرية في صفوف الطرائق البيداغوجية. وهو ما من شأنه أن يؤصّل اللغة التفاعلية بين الفنان والمتلقي ويحرك مجالات الفن ودمقرطته.

3. دمقرطة الوسيط الرقمي وغوايته في نحت معمارية الأثر المفرد:

"كلّما اشتدت وطأة تأثير التكنولوجيا في اقتصادنا ومجتمعنا أكثر من ذي قبل نجد أن السمة الوحيدة الثابتة في حياتنا هي التغيير"، عندما يعلن فرانك كليش في مؤلّفه "ثورة الأنفوميديا"4 عن الخاصية المربكة في الزمن الراهن وهي التغيير فإننا نقف عند تطرّقه لولادة ثورة أخلاقيات التواصل والتفاعل التي تتصدر مجتمعاتنا وتخيط نسيجًا متوائمًا مع الحركة الفكرية والمعلوماتية والجمالية، وتنصهر المجموعات في منظومة الكونية وما أسماه بأخطبوط المعلومات. لقد ساهمت التطورات الفنية إذًا في مجالات الوسائط الرقمية في تعميق آليات الغواية المطروحة على الفنان المحلي والذي وجد بدوره في متاهة غربة المفهوم وتفكّك الثوابت وتلاقح المصادر المعلوماتية ضمن البعد الحركي والمتسارع القادر على تغيير الأبنية الجمالية والذوقية في ذات الحين.

وتتفاقم أوجه الاستفهامات التي ينخرط تحت لوائها الفنان المحلي وتتعدد توجهاتها أولاً نحو ضرورة الانخراط في منظومة الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة، فيجاهد من أجل اكتساب اللغة المناسبة لما يسمى بصناعة الإبداع أو أن يكتفي بالثوابت والمسلمات التقنية والفكرية الكلاسيكية الجامدة. فالوقفة الاستدراكية التي نعيشها هي محاورة بين ما يسمى بـ"استقلالية المبدأ الإستيطيقي الذي يرتكز على العمل الفني وإسقاط الهالة التي تحيط بالفنان والعمل الفني وتفرّده الذي يكسبه الندرة كغاية وقيمة في ذات الوقت."5 حينئذ، هل يمكن لنا أن نعتبر التطوير التكنولوجي ضرورة حتمية؟ وهل نحن ملزمون باعتبار أن من مبادئ تحريك الثورة المعلوماتية في المجالات الفنية: استيلاب مفاهيم الدمقرطة الفنية وأساليبها الرقمية؟ ماهي أوجه هذه الديمقراطية؟ هل بالانخراط في منظومة المعاصرة واتباع الصيغ الشمولية وحق الانتماء والتفعيل، أم بالاستناد لبرمجيات فن النت والانحصار في الفضاء التواصلي اللامادي والقطع مع الفعل المباشر؟ وكيف تم تغيير ضوابط جماليات التقبّل والإدراك وولادة ما أسماه نيومان بجليل القرن العشرين؟

لقد عرج الأستاذ أسعد عرابي عن مدى تأثير استخدام الوسائط في الانتاج الفني سلبًا أو إيجابًا على ابداعية النص أو الفعل التشكيلي، وتناول ما أسماه بـ "ديمقراطية "بين أصناف التعبير والحواس والتفاعل الكامل بين لغة الصوت والصورة، الشكل والحرف، العبارة والمشهد والتعاضد بين مختبرين الصناعي والنقدي"6 واستهل الأستاذ محمد بن حمودة بدوره في مقاله "معاطب الحداثة استيعاب اللاواقعي في كتاب أحوال الصور لطلال معلا "، بالبحث عن سؤال القطيعة وعن ما استولته المكاسب الحداثية بمعالمها الجديدة وأسس بنائيّتها للغة جمالية استولت على مراكز الفعل التشكيلي والفني المحلي والعربي، ونقرّ بالتالي بسلطة وغواية هذه المعالم المتراكمة من بذخ النتاجات الفنية العالمية والتي تجاوزت أسس البناء الأكاديمي لتبني بدورها هرما جديدًا من فنون العصر وفنون التكنولوجيا وأصدرت جملة أسماها محمد بن حمودة بـ"حداثة برانية تسعى إلى إصدار نظام عالمي جديد".

وحتى لا تبقى الفنون الرقمية والمعاصرة عالما "طلسميًا" واثبّت استعارتي لهذا المصطلح الذي جاء بقلم الأستاذ محمد بن حمودة، والذي يملي علينا واجب الانغماس أكثر فأكثر في دلالات الفن  بمختلف أصنافه وتجاوز البعد "الطلسمي " لكل مقاييسه وأن نستوعب إجمالاً مفهوم التفاعلية  بما هو نشاط من الخطاب الجامع بين مستعمل نظام إعلامي والآلة عبر وسيط الشاشة"7  وعندما يصرح روجي غارودي بأن العملية الإبداعية لم تعد مجرد انفعال أو أوهام بل أصبحت عملية تهدف إلى تحويل الصورة جديرة للواقع فإننا نقف عند هذا الإلزام الحاصل بين نوعية الصورة وتطعيمها بنظم الواقع، هذا الواقع الذي امتلأ بغواية الوسيط الحديث والمعاصر والذي حولنا من أطر اللوحة الواحدة والأثر الواحد ومفهوم الأثر المفرد إلى مدلولات نمنمة الأثر وصورته وتحويل الواحد إلى متعدد ومن القماشة نحو الشاشة، ويعلن هذا الترحل عن بديهية الاجماع بأن ليوناردو دافنشي لو أتيحت له الفرصة للرسم في زمننا الراهن لصرخ على لسان محمد بن حمودة قائلاً: "أتمنى أن لا نهمل الحياة ونحن أبناؤها".

4. بين غواية الرقمي وغياب المعنى:

يمكن أن نلاحظ بشكل واضح في تاريخ البشرية تأثير النوازل التي تحلّ بالمجتمعات المختلفة، وكيف كانت الشخصيات المؤثرة في تلك المجتمعات تتعامل معها بحكمة بالغة، تنبئ بتنازع أطراف الحقيقة وسعة أرجائها، والتي وإن كانت في مجملها حاملة لإمكانات لا متناهية فهي مستلزمة صرامة ما تحكمها طبيعة الدورات الكونية التي تزامنت مع تلك النوازل.

إن مشكلة الحداثة وما بعدها لا تكمن في مجرد أخذ أو إهمال منتجاتها الحتمية (الفكرية، والفنية، والثقافية، والمادية ...)، لكن في ضياع الإنسان في حد ذاته، وتضييعه لحقيقته المركزية التي تترك له مجالاً لاختيار ما يتمم إنسانية ويفسح له المجال امام انتفاعه بخواصه المختلفة.

إن الواقع الافتراضي الذي تقدمه الحضارة الرقمية في طبق من ذهب لكل قاصٍ ودانٍ، لهو أكبر دليل على عدم وصول الإنسان اليوم إلى تحديد حريته ومدى نجاعة اختياراته، فإذا كان إله نيتشه مزعجًا في المجال الأخلاقي إلى حد الرغبة في قتله والتخلص من جبروته، فإن الإيديولوجيا الحداثية وما بعد الحداثة أكثر إزعاجًا وضجرًا مما عاشه الإنسان من جشع الرهبان والحياة الإقطاعية أو مغبات الفلسفات اليسارية أو اليمينية، إن المسألة اليوم قد أخذت وجهة أقوى باعتبار القوة المحركة للدهماء في تقديم الغالي والنفيس في سبيل إشباع ما يتوهّمونه من حاجات، والتي تسعى الجهات التسويقية واقتصاد السوق العالمي في إحراز السبق إلى خلقها واستمرارية ضمان إبقاء الحاجة إليها في تزايد مستمر.

يرى الفيلسوف الألماني ماركوس غابريال8 أن أعظم فنان في هذا الزمن الذي نعيش فيه هو الرئيس الأمريكي دونالد ترومب، الذي يولي صورته البصرية وشخصيته الفنية أكبر اهتمام، بحيث نرى أن كل حركات وسكنات هذا الرئيس تقوم وفق فلسفة تسويقية سياسية، بحيث اشتملت على أكبر قدر من الوسائل التكنولوجية سواء الطرق الرسمية ووسائل الاتصال التقليدية أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، بحيث ينتظر الملايين من المستهلكين (أو المتلقين للعملية الفنية للرئيس) تغريدة منه في تويتر ليخلق سيولاً عارمة من التحليلات والانتقادات والقراءات، والتي إن دلت على شيء فإنها تدل على أهمية هذه الثروات التكنولوجية الرقمية في نشر فن السيطرة والتأثير بصورة فنية تتوافق مع ما ينتظره المتلقي حسب قابلياته الثقافية والاجتماعية.

إن غواية السوق الرقمية هي نفس غواية الفن الذي يحاول جاهدًا الخروج عن نطاق المعتاد والتعبير عمّا يكتمه المتلقون بصورة فنية تلبي حاجات التواصل، وبغضّ النظر عن الحامل الجرماني لهذه التعبيرات التواصلية، فإن الفن الرقمي يصل إلى حيث يصل الجهاز الرقمي، بل وصل الأمر إلى مصاحبة العمل الفني الرقمي للمتلقي المتعطش لمحتواه في وقت أكبر وفي مساحة مكانية أوسع، فالفن الرقمي لم يعد محدودًا بطبيعة معتادة تحكمها محدودية الزمكان، فيكون تأثيره في المتلقي أعظم بكثير مما كانت (سلطة الفن) قد مارسته يومًا ما.

إن الحديث عن الفن سيدخلنا حتمًا في البحث عن المعنى... والسؤال عن المعنى هو آخر ما يهتم الفن الرقمي الإجابة عليه، لكنه في ذاته يحتوي على إجابة ضمنية عنها، وهذا ما يمثله الرمز الطاوي الذي يمكن الرجوع إلى سلطنته الفنية (يين يونغ)، بحيث يمكن القول أن العالم الافتراضي الذي يقودنا إليه التعبير الفني التكنولوجي الرقمي، يخفف من وطأة المادية الشكلية، ويمهّد ولو بشكل سلبي في ظاهره في رحلة جديدة لخروج البشرية من عصر الظلام الذي نعيش فيه (كالي يوغا) أو العصر الحديدي المادي، الذي قد تكون للثورة الرقمية فائدة في توسيع الآفاق الضيقة وكسر الحدود المادية التي صنعتها الحداثة، هذا ما نبه إليه إيريك جيفروا حينما تناول مسألة التصوير الفوتوغرافي عند الأمير عبدالقادر بن محي الدين الجزائري، بحيث ختم مقالته بقوله: "وفي أيامنا هذه، يجعل النظام الرقمي بين الحقيقة والعالم الافتراضي حدودا غير واضحة المعالم، ألا يوحي ذلك بشيء غير جائز؟  وهل يخرج هذا من قواعد وحقيقة (البرزخ) التي تحكم العلاقات بين العالم الحسي (الملك) والعالم الروحي (الملكوت)؟"9 . تساؤلات عديدة يمكن لها أن تسيل أقلام الباحثين في ميدان الفن والعلم والمعرفة.   

 

 

الهوامش والإحالات:

1. للتواصل: الدكتورة هالة الهذيلي بن حمودة :

 hela.hedhili.bh@gmail.com

الأستاذ إبراهيم آيت زيان

 yevrahim@gmail.com

2. سلسلة عالم المعرفة، الصناعات الابداعية، ترجمة بدر السيد سليمان الرفاعي، تحرير جون هرتلي، عدد339 ماي 2007 صفحة 233

3 . نذكر مثلاً في مسألة تأثير الواقع العلمي والثقافي على التيارات الفنية، أن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطور علم البصريات بإسهامات العالم الألماني Von 1821- 1894 Helmholz، وكانت أبحاثه تفرّق بين مرحلتين في الرؤية البصرية، تتمثل المرحلة الأولى في "الانطباع"، حيث يتم انتقال صور الأجسام بواسطة الأشعة الضوئية إلى شبكية العين فيحدث انطباع لهذه الصور. والمرحلة الثانية: "الشعور"، بحيث تقوم أعصاب الشبكية بنقل الصورة إلى مركز الرؤية في الدماغ فتحولها إلى شعور وإحساس. هذا الطرح العلمي ترك تيارا فنيا مثل الانطباعيين يتأثرون لما توصل إليه العلم الحديث، ما ألهم بأن يتوقفوا في المرحلة الأولى من الوظيفة البصرية، فصوروا "الانطباعات" التي تلهمهم الطبيعة في أعمالهم الفنية، وحاول آخرون تفادي مجرد نقل صور الواقع مثلما هي (مبدأ التجريدية)، لأن الإحساس والشعور وهي في الطرح العلمي السابق "المرحلة الثانية"، لا بد من تمثيله بصورة موضوعية، ولأنها ليست مجرد عملية تسجيل لأشكال وألوان كامنة بل هي حركة عصبية ديناميكية تؤدي إلى تفاعلات وانفعالات، فلابد من تمثيلها بصور استبطانية تعبر وتجسد ذلك الشعور.

4 . فرانك كليشي، ثورة الانفوميديا الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك؟ ترجمة حسام الدين زكريا، سلسلة عالم المعرفة، عدد253، 1978 صفحة7

5  . نيكولاس رزيرخ توجهات ما بعد الحداثة، المجلس الاعلى للثقافة 2002.

6 . أسعد عرابي "تزاوج انواع الفنون في نزعة ما بعد الحداثة مجلة فنون الكويت افريل 2001 صفحة 48.

7- «Une activité de dialogue entre l’utilisateur d’un système informatique et la machine par l’intermédiaire d’un écran »Le nouveau petit robert, sous la direction de Michel Legrain, Paris 1993 p1193

8. مقابلة مع الفيلسوف الألماني Markus Gabriel  عن (سلطة الفن)، أجرتها معه قناة فرانس 24 بتاريخ 16 نوفمبر 2018، على الساعة: 11:31

https://www.france24.com/fr/video/20181116-entretien-markus-gabriel-le-pouvoir-lart

9 . إيريك جيفروا، الميتافيزيقا والحداثة عند الأمير عبد القادر: اعتبار التصوير الفوتوغرافي كتجل من التجليات الإلهية، ترجمة: براهيم آيت زيان، غير منشور.


عدد القراء: 395

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-