شارع المتنبي في بغداد.. عقود من المعرفة والتنويرالباب: قصة مكان

نشر بتاريخ: 2019-06-05 18:14:03

فكر - المحرر الثقافي

خاص - مجلة فكر الثقافية:

بالرغم مرور تسعة قرون على امتداده بمحاذة دجلة، فما زال شارع المتنبي في بغداد المكان الوحيد الذي لم تصبه الشيخوخة فقد اختزن تاريخها وتحوّلاتها بين مكتباته وأزقته ومطابعه، رغم تبدّل العهود وتعاقب الحكومات. سمّاه العبّاسيون "درب زاخا" وهي مفردة آرامية الأصل أو سوق الوراقين. وسمّاه السلاجقة "شارع الموفقية"، نسبة الى مدرسة الموفقية الكائنة فيه وقتها. بينما أطلق عليه العثمانيون اسم "الأكمكخانة" أي شارع المخابز العسكرية لوجود تلك المخابز مقابل المعسكر التركي وقتئذ.

ويعود هذا الشارع الواقع في قلب بغداد بمنطقة يطلق عليها اسم القشلة، إلى أواخر العصر العباسي، واشتهر منذ ذلك الحين بازدهار مكتباته واحتضن أعرق المؤسسات الثقافية.

ويبدأ الشارع الذي يمتد لأقل من كيلومتر، بتمثال للمتنبي مطل على نهر دجلة، وينتهي بقوس بارتفاع حوالى 10 أمتار، نقش عليه بيت الشعر الاشهر للمتنبي "الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم".

تغيرت أسماء هذا الشارع أكثر من مرة منذ تأسيسه في زمن الدولة العباسية (132 - 656هـ) فقد بدأ بـ(درب القلغ) و(سوق السراي) وشارع (حسن باشا)، وسبب تسميته حسن باشا لأن القائد العثماني حسن باشا فتحه أول مرة ليكون مسلكًا يذهب من خلاله إلى جامع السراي،  وأخيرًا سماه الملك غازي عام 1932 باسمه الحالي شارع المتنبي تيمنًا بشاعر الحكمة والشجاعة ابو الطيب المتنبي. ومازال المكان اليوم هو خامس أهم شارع للثقافة في العالم، حسب تصنيف الأمم المتحدة.

وتحول شارع المتنبي في أوائل التسعينيات، إلى ملتقى للمثقفين كل يوم جمعة حيث يتم عرض آلاف الكتب وتنتشر فيه مكتبات الرصيف.

يختصر هذا الشارع ثقافة البلد، حيث تزدهر فيه تجارة الكتب بمختلف أنواعها ومجالاتها، حيث تعج بالمئات من المكتبات التي تعرض آلاف العناوين ومخطوطات نادرة، فضلاً عن باعة الأرصفة؛ حيث يفترش أصحابها آلاف العناوين ومن طبعات نادرة إضافة إلى إقامة المعارض الفنية والمجالس الثقافية ومنابر التعبير عن الرأي والمعارض الفنية والمقاهي والمنتديات الثقافية، كما تتواجد فيه مطبعة تعود إلى القرن التاسع عشر.

وتباع في هذا الشارع الذي تحيط بجانبيه أبينة تراثية كانت تشكّل معًا مقر الحكم العباسي، كافة أنواع الكتب، وعلى رأسها السياسية والاجتماعية والتاريخية، وتتراوح أسعارها بين 250 دينارًا ومئات آلاف الدنانير.

يجتمع في شارع المتنبي كل يوم جمعة عدد كبير من المثقفين والفنانين، والمهتمين قادمين من مختلف محافظات العراق للاطلاع على آخر الإصدارات من الكتب وما يحتاجونه للقراءة.

في الخامس من آذار/مارس 2007 تعرّض شارع المتنبي إلى تفجير سيّارة مفخخة، تركت فوق بسطات الكتب أكثر من ثلاثين ضحيّة، ودمّرت عددًا من المكتبات مع أصحابها، منها المكتبة العصرية، ومقهى الشاهبندر التاريخي، وعدد من المباني المجاورة، وبقيت حينها ولأكثر من يومين سحب دخان الحرائق التي التهمت المكتبات التاريخية تغطي سماء شارع المتنبي بعد أن تحول إلى ركام وأنقاض، قبل أن يعاد افتتاحه رسميًا عام 2008 بحلة جديدة وأضيف إليه رمزه الشاعر المتنبي بنصب جديد من البرونز الذي أقيم قريبًا من نهر دجلة.

واكتسب شارع المتنبي أهميته من المطابع التي يضمها والمكتبات العريقة؛ إذ توجد فيه أول مطبعة تعود إلى القرن التاسع عشر وتضم مكتباته كتبًا ومخطوطات نادرة، ومن أهم مكتباته الأولى مكتبة المثنى والنهضة والمكتبة العصرية، وكذلك كثير من دور النشر، فضلاً عن أقدم المجلدين وأول مزاد للكتب في بغداد الذي أسسه الراحل نعيم الشطري؛ إذ كان يصدح ذلك الرجل منذ أول صباح الجمعة حتى الظهيرة معلنًا عن أمهات الكتب وأسعارها.

ولا تجري عمليات بيع وشراء الكتب في شارع المتنبي بشكل كبير إلا يوم الجمعة؛ إذ قد تختفي بعض الكتب طيلة أيام الأسبوع ولا تظهر إلا يوم الجمعة حيث يجتمع عدد كبير جدًا من المثقفين والطلاب والمهتمين والباحثين، وقد كانت هذه السوق يومًا تمثل قِبلة للسياح والأجانب.

 


عدد القراء: 1530

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-